أثار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو جدلًا اقتصاديًا واسعًا، بعدما كشف، في مقابلة يوم الجمعة، أنه طلب إعداد خطة لاستخدام العملات الرقمية وتقنية البلوكتشين للالتفاف على عقوبات اقتصادية وبنكية قد تُفرض على إسرائيل. وقال نتنياهو إنه يخشى فرض عقوبات بنكية دولية، وإن على إسرائيل الاستعداد لما وصفه بـ«اقتصاد يلتف على العقوبات»، معتبرًا أن العملات الرقمية يمكن أن تكون إحدى الوسائل لتحقيق ذلك. وأعادت تصريحاته إلى الأذهان خطابه الشهير في 15 سبتمبر 2025، عندما حذّر من العزلة الاقتصادية التي تواجهها إسرائيل، وقال إنها ستضطر إلى التكيّف مع اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الاكتفاء الذاتي، مضيفًا: «سنكون أثينا وسوبر سبارطة».
في المقابلة الأخيرة، لم يُخفِ نتنياهو قلقه من احتمال فرض عقوبات بنكية على إسرائيل، وقال: «إذا كنتم تعتقدون أن المساعدات الأمريكية ستستمر، فعليكم أن تعتادوا على أنها لن تستمر. أمريكا تغيّرت، إنها مسألة وقت فقط». وأضاف أن العقوبات قد تشمل القطاع البنكي، ما يستدعي الاستعداد لاستخدام وسائل اقتصادية بديلة. وعندما سُئل عمّا إذا كان يقصد العملات الرقمية وتقنية البلوكتشين، أجاب بالإيجاب، مؤكدًا أنه طلب بالفعل إعداد خطة بهذا الشأن. ولم يقدّم نتنياهو تفاصيل عن الخطة أو كيفية تطبيقها، بينما أكدت مصادر مقرّبة منه أنه قصد ما قاله بالفعل.
لكن تصريحات نتنياهو قوبلت بردّ غير معتاد من بنك إسرائيل، الذي رفض صراحة فكرة استخدام العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات الدولية. ففي بيان أصدره أمس، أكد البنك أن «العملات الرقمية لا يمكن أن تشكّل مسارًا للالتفاف على العقوبات»، مشددًا على أن المصلحة الاقتصادية لإسرائيل تكمن في الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع شركائها التجاريين الرئيسيين، والعمل على منع فرض العقوبات وتجنّب أضرارها على الاقتصاد.
وأضاف بنك إسرائيل أن مسؤولية منع العقوبات تقع على عاتق القيادة السياسية، داعيًا إلى اتخاذ الخطوات اللازمة للحفاظ على العلاقات الاقتصادية الدولية. ويعني موقف البنك أن التعامل مع خطر العقوبات يجب أن يبدأ بمنع فرضها، بدلًا من البحث عن وسائل مالية بديلة بعد وقوعها.
وردّ نتنياهو على موقف بنك إسرائيل في مقابلة مع القناة 14 مساء أمس، قائلًا إن إسرائيل نجحت خلال السنوات الثلاث الماضية في صدّ محاولات فرض عقوبات عليها. وأضاف: «لدينا وسائل أخرى، والعملات الرقمية إحدى هذه الوسائل»، مؤكدًا أنه يستمع إلى اعتراضات بنك إسرائيل ويشكره على نصائحه، لكنه سيفعل ما يراه مناسبًا لمواصلة الازدهار الاقتصادي، معتبرًا أنه وشركاءه يعرفون كيفية قيادة الاقتصاد الإسرائيلي.

هل تواجه إسرائيل خطر العقوبات البنكية فعلًا؟
رغم تحذيرات نتنياهو، لا تخضع البنوك الإسرائيلية حاليًا لعقوبات دولية شاملة، ولا توجد إجراءات مطروحة لفصل إسرائيل عن النظام البنكي العالمي. لكن دولًا عدة بدأت باتخاذ خطوات اقتصادية تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد تزيد هذه الإجراءات من الضغوط على البنوك والمؤسسات المالية المرتبطة بالاستيطان.
ففي سبتمبر، أعلنت بريطانيا حظر استيراد منتجات المستوطنات وفرض عقوبات على شركات وأفراد يساهمون في توسيعها، بما في ذلك مؤسسات مالية. وأعلنت فرنسا حظرًا مماثلًا على الواردات، فيما تعهدت كندا بفرض قيود إضافية. وفي هولندا، دخل حظر استيراد وشراء وبيع منتجات المستوطنات حيّز التنفيذ في 22 سبتمبر، ويشمل حتى المنتجات التي يحملها السياح في حقائبهم، مع عقوبات قد تصل إلى السجن ست سنوات في حالات المخالفة المتعمّدة.
وفي الشهر الماضي، حدّث مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قاعدة بيانات الشركات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي في المستوطنات، لتشمل 214 شركة، بينها 7 بنوك إسرائيلية، هي هبوعليم، لئومي، ديسكونت، مزراحي طفحوت، هبنلئومي، مركنتيل ويروشلايم.
ولا تفرض هذه القائمة عقوبات مباشرة، لكنها تشكّل مرجعًا رسميًا يمكن أن تعتمد عليه البنوك الأجنبية والمؤسسات الاستثمارية لتقييم علاقاتها بالمؤسسات الإسرائيلية. وفي المقابل، لم يعلّق الاتحاد الأوروبي اتفاقية التجارة مع إسرائيل.
وبحسب معهد سياسات الشعب اليهودي، فرضت 62 دولة 121 عقوبات مختلفة ضد إسرائيل، من بينها 40 إجراءً ماليًا. لكن المعهد أوضح أن عدد هذه الإجراءات لا يعكس بالضرورة مدى تأثيرها على الاقتصاد الإسرائيلي.
كيف يمكن أن تتضرر البنوك الإسرائيلية؟
يكمن الخطر الأساسي في احتمال تردد البنوك الأجنبية بالتعامل مع نظيراتها الإسرائيلية، وليس بالضرورة في فرض قرار دولي شامل بفصل إسرائيل عن النظام المالي العالمي. فالبنوك الإسرائيلية تعتمد على بنوك أجنبية وسيطة لإجراء التحويلات الدولية بالدولار واليورو. وإذا اعتبر بنك أجنبي أن استمرار تعامله مع بنك إسرائيلي قد يعرّضه لعقوبات أو غرامات بسبب تمويل أنشطة مرتبطة بالمستوطنات، فقد يفضّل إنهاء العلاقة لتجنّب المخاطر.
ويُعرف هذا السلوك في القطاع البنكي باسم «تجنّب المخاطر»، وقد يؤثر على قدرة الشركات والأفراد على إجراء التحويلات المالية والتعامل مع الأسواق الخارجية. أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثّل في فصل البنوك الإسرائيلية عن شبكة «سويفت» الدولية، التي تستخدمها المؤسسات المالية لتبادل تعليمات الدفع والتحويلات. وتربط هذه الشبكة أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية في أكثر من 200 دولة.
وسبق فصل بنوك إيرانية عن الشبكة عام 2012، قبل إعادة ربطها عام 2016، ثم فصلها مجددًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. كما فُصل عدد من البنوك الروسية بعد غزو أوكرانيا عام 2022. لكن لا يجري حاليًا بحث فصل إسرائيل عن «سويفت»، كما أن اتخاذ خطوة كهذه يتطلب قرارًا أوروبيًا لا تتوافر له الظروف السياسية اللازمة حاليًا.

تصوير: الناطق بلسان وزارة المالية
روسيا وإيران وكوريا الشمالية: هل تنجح العملات الرقمية في الالتفاف على العقوبات؟
ليست فكرة استخدام العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات جديدة. فقد لجأت إليها دول تواجه عقوبات اقتصادية واسعة، أبرزها روسيا وإيران وكوريا الشمالية، لتسهيل بعض المعاملات المالية خارج القنوات البنكية التقليدية.
وبحسب بيانات شركة الأبحاث المتخصصة في العملات الرقمية «تشيناليسيس» (Chainalysis)، تلقت جهات خاضعة للعقوبات ما قيمته 104 مليارات دولار بالعملات الرقمية خلال عام 2025، بزيادة قاربت ثمانية أضعاف مقارنة بالعام السابق. وجرى الجزء الأكبر من هذه المعاملات عبر عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالروبل الروسي، جرت عبرها تحويلات بقيمة 93.3 مليار دولار خلال عشرة أشهر تقريبًا. كما تلقت عناوين رقمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أكثر من 3 مليارات دولار، وسرقت كوريا الشمالية عملات رقمية بقيمة تجاوزت ملياري دولار.
لكن استخدام هذه العملات لا يعني نجاحها في حماية اقتصادات تلك الدول من العقوبات، أو قدرتها على تعويض العلاقات البنكية والتجارية الدولية التي خسرتها، وهو ما تشهد عليه المقارنات الاقتصادية في تلك الدول قبل وبعد عزلها عن النظام المالي العالمي.

لماذا لا تستطيع العملات الرقمية إنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي من العقوبات؟
تواجه فكرة نتنياهو عقبات تقنية ومالية أساسية. أولها أن معاملات البلوكتشين العامة ليست سرية كما يعتقد، بل يتم تسجيلها على شبكة يمكن تتبّع التحويلات من خلالها. وأوضحت شركة «تشيناليسيس» أن هذه الشفافية تمنح الجهات التي تحقق في المعاملات المالية قدرة على تتبّع الأموال وكشف التحويلات المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.
وثانيًا، أن جزءًا كبيرًا من المعاملات الرقمية الدولية يجري باستخدام عملات مستقرة (Stablecoins) مرتبطة بالدولار، وتستطيع الشركات التي تُصدر هذه العملات تجميد أرصدة العملات التابعة لها في محافظ رقمية معيّنة، ومنع أصحابها من تحويلها أو استخدامها. ففي يوليو، جمّدت شركة «تيثر» (Tether) عملات رقمية بقيمة 131 مليون دولار تتعلق بالبنك المركزي الإيراني، بعدما جمّدت 344 مليون دولار في عملية مماثلة خلال أبريل.
أما العقبة الثالثة، فتتمثل في ضرورة تحويل العملات الرقمية في نهاية المطاف إلى أموال تقليدية أو استخدامها لشراء السلع والخدمات. وفي هذه المرحلة، تعود الشركات والأفراد إلى التعامل مع المؤسسات المالية والأسواق التي تُطبّق العقوبات، ما يجعل تجاوز القيود الدولية أكثر صعوبة.
وحديثه مع صحيفة كالكاليست، قال نير هيرشمان، المدير العام لمنتدى شركات العملات الرقمية في إسرائيل، إن شبكة البلوكتشين العامة تسمح بتتبّع كل تحويل مالي، ولذلك لا يمكن اعتبارها ملاذًا لإخفاء الأموال.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر في الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يعتمد على صادرات الهايتك، وتدفّق الاستثمارات الأجنبية، والتحويلات المالية الدولية. فشركات التكنولوجيا الإسرائيلية تتلقى جزءًا كبيرًا من إيراداتها بالدولار، وتستثمر صناديق التقاعد الإسرائيلية أموالًا كبيرة في الخارج، بينما يحتفظ بنك إسرائيل باحتياطياته من العملات الأجنبية ضمن النظام المالي الغربي. وبالتالي، فإن قدرة جهات محددة على تنفيذ معاملات بالعملات الرقمية لا تعني إمكان تحويل اقتصاد كامل إلى نظام مالي بديل، أو الاستغناء عن البنوك والأسواق الدولية.

تحذيرات من تراجع ثقة المستثمرين والعزلة الاقتصادية
في حديثها مع الصحيفة، انتقدت المديرة العامة لغرفة التجارة الإسرائيلية الأمريكية، غاليت ميران، تصريحات نتنياهو، محذّرة من تبنّي نماذج مالية تستخدمها الدول المعزولة عن النظام الاقتصادي الدولي. وأكدت أن قوة الاقتصاد الإسرائيلي تعتمد على علاقته الاستراتيجية بالولايات المتحدة، وإمكانية الوصول إلى النظام البنكي العالمي، واستمرار تدفّق الاستثمارات الأجنبية.
وأضافت أن التخطيط للالتفاف على العقوبات قد يضرّ بثقة المستثمرين وبالتصنيف الائتماني لإسرائيل، معتبرة أن على أي حكومة مقبلة العمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة ومنع العزلة الاقتصادية، بدلًا من البحث عن وسائل للتكيّف معها.
وانضم إلى الانتقادات حاي غاليس، المدير العام لشبكة مراكز التسوق «بيغ»، الذي كتب على إنستغرام أن نتنياهو يعتقد أنه يستطيع قيادة إسرائيل إلى الهاوية ثم الفوز بالانتخابات مجددًا، ودعا المواطنين إلى المشاركة في التصويت.
وهكذا، وبعد أكثر من عام على خطاب «سوبر سبارطة»، عاد نتنياهو إلى طرح سيناريو العزلة الاقتصادية، لكن هذه المرة من بوابة العملات الرقمية والنظام البنكي العالمي. وبينما يتحدث رئيس الحكومة عن إعداد وسائل للالتفاف على العقوبات المحتملة، يؤكد بنك إسرائيل أن العملات الرقمية لا تستطيع توفير بديل حقيقي للعلاقات المالية الدولية، وأن الأولوية الاقتصادية يجب أن تكون لمنع العقوبات والحفاظ على ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي بالأسواق العالمية.











