الأحد, مارس 22, 2026 22:53
/
/
الثمن الاقتصادي الباهظ للحرب: قفزة في أسعار النفط والفائدة وعوائد السندات

الثمن الاقتصادي الباهظ للحرب: قفزة في أسعار النفط والفائدة وعوائد السندات

مرّ أسبوع صعب على أسواق الطاقة، وأغلق تداول النفط عند ذروة هي الأعلى منذ أربع سنوات ■ عوائد السندات الحكومية حلقت منذ بداية الحرب — ولأول مرة منذ سنوات انقلبت التوقعات في الولايات المتحدة نحو رفع سعر الفائدة.
أيقون موقع وصلة Wasla
366716 5 Women Day Arabic baners 4 4617x577px 72 ppi 1 scaled
1 1
الدخان يغطي سماء طهران بعد هجوم لسلاح الجو الإسرائيلي على منشأة نفطية، في 8 مارس تصوير: Majid Asgaripour/رويترز

 

بعد إغلاق التداول في وول ستريت يوم الجمعة، عاد رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب إلى تكتيكه المعروف: عندما تضطرب الأسواق وتتراجع، ويرتفع سعر الوقود فإنه يرسل إشارة طمأنة. “نحن قريبون من تحقيق أهدافنا وندرس تقليص جهودنا العسكرية الضخمة في الشرق الأوسط”. ومع ذلك، فإن الأسواق والاقتصاد العالمي بحاجة إلى أكثر بكثير من مجرد وعود واهية —  أو رسائل متناقضة من جانب الرئيس — للتعافي من الضرر العنيف الذي ألحقته بهم الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

القفزة في سوق الطاقة

في هذه المرحلة، تبدو الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لإنتاج ومعالجة النفط والغاز في الخليج جسيمة وذات تداعيات مستمرة. فقد تضرر ما لا يقل عن 39 مصفاة تكرير، ومستودعات غاز طبيعي، ومنشآت طاقة أخرى في تسع دول خلال الحرب، وفقاً لتحليل أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”.

ومع تصاعد الحرب، تنظر الأطراف المتحاربة إلى الطاقة كهدف محتمل أكثر من أي وقت مضى، يمكن أن يؤدي استهدافه إلى أضرار اقتصادية جسيمة. فلم تعد المسألة تتعلق فحسب بالوقت الذي سيُستغرَق لتخفيف قبضة إيران على مضيق هرمز بما يكفي للسماح بعدد متزايد من السفن بالمرور عبره، بل تتعلق أيضاً بالوقت الذي ستستغرقه تنفيذ الإصلاحات اللازمة لإنتاج ومعالجة النفط والغاز الطبيعي في المقام الأول. وهذا يعني فترة طويلة من الاضطراب، ربما أطول حتى من مدة الحرب نفسها.

أغلق التداول في خام برنت يوم الجمعة عند سعر قياسي هو الأعلى منذ أربع سنوات تقريباً ويبلغ 112.20 دولاراً للبرميل في تداولات العقود، في طريقه نحو الأسبوع الخامس على التوالي من الارتفاع. وقد أسهم في هذا الارتفاع تصريح ترامب بأنه غير مهتم بوقف إطلاق النار مع إيران، في ظل تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لعملية برية على الأراضي الإيرانية، وتدرس أيضاً فرض حصار أو غزو جزيرة خارج، ، حيث يقع المرفأ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني.

كان هذا الأسبوع صعباً للغاية على أسواق الطاقة، بعد أن هاجمت إسرائيل حقل غاز إيراني، فردّت إيران على بمهاجمة منشآت الغاز في قطر، وهي المزود الأكبر في الشرق الأوسط. وقد قفز سعر خام برنت بنسبة 84% منذ بداية العام. كما قفز سعر الوقود في الولايات المتحدة بنسبة 34% خلال شهر واحد، ليصل إلى 3.912 دولاراً للغالون. وارتفع سعر الغاز الطبيعي يوم الجمعة في أوروبا إلى أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات، لكنه تراجع عند الإغلاق، إلا أن سعره ما زال أعلى بنسبة 90% مقارنة بما كان عليه قبل شهر.

2
الدخان يتصاعد من ميناء الفجيرة الذي تعرض لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية تصوير: Altaf Qadri / AP

التداعيات الاقتصادية

تداعيات أزمة الطاقة على الاقتصاد العالمي هائلة، وبالأخص في الدول التي تعتمد على النفط والغاز المستورد، وخصوصًا الدول التي تستوردها من الخليج العربي. وتتركز هذه الدول بشكل أساسي في آسيا، حيث تعاني تايلاند ولاوس وصولاً إلى الفلبين وفيتنام من ضائقة اقتصادية، فالحكومات هناك تفرض قيوداً على الأسعار وعلى تنقل الناس وسفرهم، وترفع أسعار الكهرباء، وتدعو الموظفين للعمل من المنزل. كما تم تقييد استخدام المصاعد والمكيفات أيضاً. وتعاني المصالح التجارية الصغيرة والمزارعون والصيادون بشدة من غلاء الوقود الضروري لعملهم. وفي تايلاند، أُغلقت أكثر من 40% من محطات الوقود بعد نفاد مخزونها. 

لدى الولايات المتحدة ما يكفي من النفط والغاز لاحتياجاتها، بل إنها تصدرهما لبقية العالم. وفي اجتماع مع ممثلي شركات النفط، قال مسؤولو إدارة ترامب إنهم لا ينوون تقييد التصدير من أجل كبح أسعار البنزين في الولايات المتحدة. من ناحية أخرى، رفعت الولايات المتحدة لمدة 30 يوماً العقوبات عن شراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في عرض البحر، وهي خطوة ستضخ 140 مليون برميل إلى الأسواق العالمية.

untitled1
صيادون في تايلاند. تداعيات أزمة الطاقة على الاقتصاد العالمي هائلة تصوير: Lauren DeCicca / The New York Times

لا ينعكس سعر النفط في بند الطاقة ضمن مؤشرات أسعار المستهلكين والمنتجين فحسب، بل وأيضاً في أسعار سلع كثيرة تحتاج إلى الطاقة في التصنيع والنقل إلى الأسواق، والنتيجة هي ارتفاع التضخم. وبحسب توقعات البنك الفيدرالي، سيقفز التضخم في شهر مارس في مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.02% من 2.4% في فبراير، وسيقفز التغير السنوي في مؤشر PCE، الذي يقيس فعلياً نفقات المستهلكين، إلى 3.14% في مارس، مقابل 2.67% في فبراير.

وفي منطقة اليورو، رُفِعَت توقعات التضخم للربع الثاني إلى 3.1% مقابل 2.1% في الربع الأول (الذي لم ينتهِ بعد). وفي فبراير، قبل اندلاع الحرب، كان التضخم 1.9% فقط. وفي كوريا الجنوبية، وهي اقتصاد صناعي يحتاج إلى طاقة كبيرة، من المتوقع أن يرفع البنك المركزي توقعات التضخم السنوية إلى 3%، بعد أن وصلت إلى 2% في فبراير.

تستند معظم التوقعات إلى افتراض أن الحرب ستنتهي قريباً، ومع نهايتها ستعود أسعار النفط إلى مستواها السابق. وهو افتراض غير مرجّح بالنظر إلى تهديدات إيران بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز حتى بعد هدوء الصراع.

من التضخم إلى ارتفاع الفائدة

أمس حُسم الأمر في الولايات المتحدة: فبعد سنوات من خفض الفائدة وتوقعات بمزيد من التخفيضات، يسعر المستثمرون الآن احتمالية أكبر لقيام البنك الفيدرالي برفع الفائدة بدلاً من خفضها. تظهر التداولات في عقود مقايضة الفائدة في سوق السندات احتمالية بنسبة 50% لرفع الفائدة بحلول أكتوبر. قبل ثلاثة أسابيع فقط، كان المتداولون في أسواق الفائدة يسعرون احتمالية تزيد عن 50% لخفض الفائد هذا العام ثلاث مرات بمقدار 0.25% كلّ مرة. لكن التغير في التوقعات كان مذهلًا في سرعته.

أبقى البنك الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي في الولايات المتحدة دون تغيير عند مستوى 3.75% في الأسبوع الماضي. وحذا حذوه بنك إنجلترا في بريطانيا والبنك المركزي الأوروبي في منطقة اليورو. وقال صناع القرار في السياسة النقدية إن حالة عدم اليقين بسبب الحرب وتأثيراتها على الأسعار كبيرة جداً لاتخاذ قرار بخفض الفائدة. وأشارت البنوك الأوروبية إلى أنها مستعدة للتحرك وفقاً للتطورات، أي العمل على كبح ارتفاع الأسعار من خلال رفع الفائدة. وقال عضو في البنك المركزي الأوروبي إن الفائدة قد ترتفع بالفعل في الشهر المقبل إذا تزايدت ضغوط الأسعار.

untitled4
تداعيات أزمة الطاقة على الاقتصاد العالمي هائلة تصوير: Lauren DeCicca / The New York Times

 

وقال محافظ البنك البريطاني أندرو بيلي: “يجب الاستجابة لمخاطر التأثيرات الأكثر تأثيرًا على التضخم في مؤشر أسعار المستهلك في بريطانيا”. وفي الولايات المتحدة، لا يزال أعضاء لجنة الفائدة يقدرون أنهم سيخفضون الفائدة مرة واحدة فقط هذا العام، وهي توقعات تستند إلى بيانات جرى تحديثها بالفعل نحو رفع الفائدة إلى الأعلى. وفي كوريا الجنوبية، من المتوقع أن يرفع البنك المركزي الفائدة في يوليو وأكتوبر بمقدار 0.25%، لتصل إلى مستوى 3%، وفقاً لتوقعات مجموعة “سيتي جروب”. وسيأتي هذا التشديد بعد فترة طويلة من بقاء الفائدة دون تغيير.

الفائدة هي الأداة الرئيسية التي تملكها البنوك المركزية لتحقيق هدفها الأساسي وهو استقرار الأسعار. فعند رفع الفائدة، يتم بذلك كبح الطلب لدى المستهلكين والشركات والمستثمرين، وتقليل ضغوط الأسعار. وخلال دورة رفع حاد للفائدة نفذها البنك الفيدرالي في 2022-2024، رُفعت الفائدة من 0.25% إلى 5.5%، وتم كبح التضخم من 9.1% إلى 2.4%، دون أن ينزلق الاقتصاد الأمريكي إلى الركود. إلا أن الصدمة الحالية قد تكون مختلفة، نظراً لأن سوق العمل الأمريكي يمر الآن بحالة من التراجع.

عانت اقتصادات متقدمة أخرى في العالم من نمو أقل بكثير من الولايات المتحدة، ولذلك بدأت بالفعل في خفض الفائدة العام الماضي لتنشيط اقتصاداتها. لكن قد يجد محافظو البنوك المركزية أنفسهم مضطرين، رغماً عنهم، إلى كبح اقتصاداتهم الضعيفة لمنع ارتفاع التضخم، الذي يشكّل مع النمو الضعيف مزيجًا خطيرًا للاقتصاد والمجتمع.

العوائد في العالم

تعكس الانخفاضات في أسواق الأسهم العالمية المخاوف من تأثيرات أزمة الطاقة على النشاط الاقتصادي والطلب على منتجات الشركات، وأيضاً المخاوف من ارتفاع الفائدة الذي سيكبح زخم هذه الشركات ويُقلل من جدوى الاستثمار في الأسهم. ومع ذلك، فإن سوق السندات الأمريكية، التي تبلغ قيمتها 31 تريليون دولار، هي مؤشر أكثر حساسية وأهمية للفائدة.

في فبراير، عندما كان المستثمرون يتوقعون خفض الفائدة في الولايات المتحدة 3 مرات خلال العام، شهدت سوق السندات الحكومية ارتفاعًا، وانخفضت العوائد من 4.3% إلى 3.95%. كل هذه الارتفاعات تلاشت منذ بداية الحرب، وارتفع العائد مجدداً وأغلق عند 4.39% يوم الجمعة.

5
جيروم باول، رئيس البنك الفدرالي. رغم ضغوط ترامب لخفض الفائدة، يقف البنك الفدرالي بثبات تصوير: Susan Walsh / AP

 

في السندات قصيرة الأجل ظهرت أيضًا ارتفاعات حادة في العوائد، لأنها أكثر حساسية للفائدة الفدرالية. يوم الجمعة ارتفعت العوائد بمقدار 9 إلى 13 نقطة أساس (نقطة الأساس هي واحد من مئة من النقطة المئوية). وقادت هذا الارتفاع عوائد السندات لمدة سنتين، كما ارتفع العائد على السندات الحكومية الأمريكية لمدة خمس سنوات إلى أكثر من 4% للمرة الأولى منذ يوليو.

وتظهر صورة مشابهة في أنحاء العالم: فقد قفز العائد على السندات الحكومية البريطانية لمدة عشر سنوات من 4.3% في بداية الحرب إلى 4.940%؛ كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية لمدة عشر سنوات في مختلف الاقتصادات الأوروبية خلال الشهر الأخير، من سويسرا وألمانيا وصولًا إلى اليونان وإيطاليا.

نقطة قوة

إحدى نقاط القوة التي يمكن للاقتصاد العالمي الاستفادة منها بها هي أن البنوك المركزية اليوم أصبحت أكثر استعدادًا مما كانت عليه في السبعينيات للتعامل مع ارتفاع التضخم. آنذاك، في الولايات المتحدة، ضغط الرئيس ريتشارد نيكسون على محافظ البنك لخفض الفائدة قبيل انتخابات 1972، ما أضر باستقلالية البنك المركزي ومهّد الطريق لفترة من التضخم المرتفع التي رافقت أزمة النفط. ولم يتم كبح التضخم إلا في نهاية العقد، عندما رفع بول فولكر الفائدة إلى مستويات مرتفعة جدًا، لكن ذلك جاء على حساب دخول الولايات المتحدة في فترتي ركود.

أما الآن، فعلى الرغم من ضغوط ترامب لخفض الفائدة، فإن البنك الفدرالي بقيادة جيروم باول يقف بثبات. ورغم أن باول سيُنهي ولايته كرئيس للبنك في مايو، فقد قال إنه في حال لم تتم المصادقة على تعيين خليفته في الوقت المناسب، فإنه سيواصل شغل المنصب بشكل مؤقت إلى حين المصادقة على تعيين خلفه. وصوّت عضو واحد فقط في لجنة الفائدة — ستيفن ميرن، المقرّب من ترامب والذي يضغط لخفض الفائدة — ضد قرار البنك هذا الأسبوع. إذا جاء مكان باول محافظ خاضع يستجيب لمطالب ترامب بخفض الفائدة في الوقت الذي تسلك فيه الولايات المتحدة مساراً تضخمياً، فقد يلحق ضرراً جسيماً بالاقتصاد الأمريكي. وهذا خطر آخر يتعين على ترامب التعامل معه الآن.

المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من صحيفة The Marker 

التاء المزبوطة مبادرة، مؤثرة، قائدة 1200 x 150 px 5 scaled

مقالات مختارة