في الجلسة الثالثة من مؤتمر “التشغيل النوعي والمساواة في الفرص للشباب والشابات في المجتمع العربي” الذي عُقد في معهد أهرون بجامعة رايخمان، انتقل النقاش من قضايا التعليم ورأس المال البشري إلى عامل أقل حضورًا في الخطاب العام، لكنه شديد التأثير في الحياة اليومية وفي مستوى الدخل: البنية التحتية للمواصلات وإمكانية الوصول إلى مراكز التشغيل. هذه الجلسة وضعت المواصلات في قلب النقاش الاقتصادي، لا بوصفها خدمة عامة فقط، بل كأداة مركزية تؤثر مباشرة على فجوات الأجور والفرص.

الباحث سَني زيف عرض بحثًا جديدًا يتناول العلاقة بين فجوات الأجور بين العرب واليهود وبين الفجوات في النجاعة المواصلاتية. زيف شدد منذ البداية على أن التفسير “الكلاسيكي” لفجوات الأجور، الذي يركز على رأس المال البشري مثل التعليم، إتقان اللغة العبرية والخبرة المهنية، مهم لكنه غير كافٍ. فحتى بعد أخذ هذه العوامل بالحسبان، تبقى فجوات كبيرة لا يمكن تفسيرها بها وحدها، وهنا تدخل المواصلات كعامل حاسم.
من الناحية النظرية، أوضح زيف أن سهولة الوصول بالمواصلات العامة توسّع سوق العمل الفعلي أمام الفرد. العامل الذي يستطيع الوصول خلال زمن معقول إلى عدد أكبر من أماكن العمل، يتمتع بخيارات أوسع، وبإمكانية العثور على وظيفة تناسب مهاراته وقدراته بشكل أدق. هذا “التطابق” الأفضل بين العامل والمشغّل يرفع الإنتاجية، ومعها يرتفع الأجر. إضافة إلى ذلك، تقل كلفة البحث عن عمل، سواء من حيث الوقت أو الجهد، وتصبح فرص الانتقال بين وظائف أفضل وأكثر واقعية.
لتحويل هذه الفكرة النظرية إلى صورة ملموسة، عرض زيف مقارنة بين بلدتين متجاورتين في مركز البلاد: الطيبة وكفار سابا. جغرافيًا، المسافة قصيرة، لكن عمليًا الفجوة كبيرة. بحسب المعطيات التي عرضها، زمن السفر صباحًا بالمواصلات العامة من طيبة إلى تل أبيب يقارب ضعف زمن السفر من كفار سابا إلى تل- ابيب. الفجوة لا تقتصر على الزمن فقط، بل تشمل أيضًا عدد السفريات، تكرارها، وسهولة الربط مع وسائل نقل أخرى مثل القطار. زيف ذكّر بأن معظم البلدات العربية لا تضم محطات قطار، وأن الربط مع شبكات نقل عامة متقدمة لا يزال محدودًا جدًا، ما يجعل “الخروج إلى العمل” مهمة يومية معقّدة حتى عندما تكون المسافة قصيرة على الخريطة.
في الجانب الكمي من البحث، حاول زيف الإجابة عن سؤال مركزي: إلى أي مدى تفسّر فجوات المواصلات جزءًا من فجوات الأجور؟ النتائج كانت لافتة: هناك فجوة كبيرة وواضحة بين البلدات العربية واليهودية. البحث أكد أن ضعف النجاعة المواصلاتية يفسّر نحو 16% من فجوة الأجور لدى الرجال، ونحو 18% لدى النساء. الرسالة التي شدد عليها زيف كانت واضحة: الاستثمار في المواصلات في المجتمع العربي ليس مسألة رفاه أو تحسين جودة حياة فقط، بل سياسة اقتصادية ذات عائد مباشر على الأجور والإنتاجية ونمو الاقتصاد ككل.
بعد العرض البحثي، أدار د. حسام أبو بكر، المدير العام لمؤسسة الفنار، حلقة حوارية تمحورت في سؤال كيف تُترجم هذه المعطيات إلى قرارات، وأين تتعثر العملية في الطريق من الميزانية إلى التنفيذ. سليمة مصطفى سليمان، مديرة قسم السلطات المحلية في سلطة التطوير الاقتصادي للمجتمع العربي، قالت إن الحكومة تعترف منذ سنوات بالعلاقة بين المواصلات وبين التشغيل، وأن هذا الفهم تُرجم إلى استثمارات كبيرة، خاصة ضمن قرار 550، حيث خُصصت مليارات الشواقل لتطوير البنى التحتية والمواصلات العامة في البلدات العربية.

لكن سليمة شددت في الوقت نفسه على الفجوة بين التخطيط والواقع. فالمواصلات، بخلاف برامج أخرى، تحتاج إلى وقت طويل، تخطيط معقّد، وتعاون وثيق مع السلطات المحلية. لا يكفي تخصيص ميزانية إذا لم تكن هناك قدرة تنفيذية، حلول تخطيطية ملائمة، ومرافقة مهنية مستمرة. وأضافت أن هناك إشكالية بنيوية في طريقة اتخاذ القرارات: فتح خط جديد أو زيادة عدد السفريات يكون، في المراحل الأولى، أكثر “جدوى اقتصادية” في بلدة يهودية، ما يجعل البلدات العربية بحاجة إلى سياسة تصحيح واعية وصبر طويل الأمد حتى تتحول الفائدة الاجتماعية إلى مردود اقتصادي قابل للقياس.
سليمة طرحت أيضًا منظورًا مختلفًا للنقاش، قائلة إن التفكير في المواصلات يجب ألا يقتصر على إخراج العمال العرب إلى مراكز التشغيل في المدن اليهودية، بل أيضًا على إدخال الفرص والخدمات إلى داخل البلدات العربية نفسها. المواصلات، بحسب رأيها، يمكن أن تكون أداة لتعزيز النشاط الاقتصادي داخل البلدات، وجذب خدمات واستثمارات، وليس فقط وسيلة هروب يومي منها.
من زاوية مغايرة وأكثر حدة، تحدث د. سمير محاميد، رئيس بلدية أم الفحم، عن الفجوة بين الخطاب والسياسة على أرض الواقع. محاميد قال إن تصنيف المواصلات في المجتمع العربي كقضية “اجتماعية” يقلل من حجمها الحقيقي، فهي في جوهرها قضية أجور، إنتاجية، واندماج اقتصادي. واعتبر أن نماذج التخطيط المعتمدة في إسرائيل لا تلائم واقع البلدات العربية من حيث الكثافة السكانية، ضيق الحيز، وغياب المساحات المخصصة للبنى التحتية.
محاميد قدّم أمثلة من العمل البلدي اليومي: ميزانيات محدودة تُمنح لمشاريع كبيرة، ما يفرض حلولًا جزئية لا تعالج المشكلة من جذورها. ثم يُلام السكان على نتائج مثل الاكتظاظ، الفوضى في الحيز العام، وحوادث الطرق. وربط ذلك مباشرة بتأثير اقتصادي واضح: صعوبة الوصول إلى العمل، ارتفاع كلفة التنقل، تراجع الإنتاجية، وخسارة دخل شهري متراكم يصل، بحسب تقديراته، إلى مليارات الشواقل على مستوى الاقتصاد.
في مداخلته، دعا محاميد إلى تغيير جذري في النهج: الانتقال من مشاريع متفرقة وقصيرة الأمد إلى خطة استراتيجية متعددة السنوات، بميزانيات مخصصة وملزمة، ومؤشرات نجاح تقاس بالنتائج الفعلية لا بعدد الاجتماعات. كما شدد على ضرورة وجود عنوان حكومي واضح للمساءلة، وعلى شراكة حقيقية مع السلطات المحلية بدل قرارات تُفرض “من فوق”












