الإثنين, أبريل 6, 2026 22:10
/
/
“لا تقاطع عدوك أبدًا عندما يرتكب الحماقات”

“لا تقاطع عدوك أبدًا عندما يرتكب الحماقات”

لماذا تراقب الصين الحرب من بعيد؟
أيقون موقع وصلة Wasla
1280px U.S. President Visits South Korea 9374465
الرئيس الأمريكي رفقة نظيره الصيني في أكتوبر 2025 في كوريا، الصورة: ويكيميديا

 

ترى النخب السياسية والفكرية في الصين أن الحرب الجارية مع إيران تمثل خطأً استراتيجيًا كبيرًا من جانب الولايات المتحدة، وهي فرصة نادرة لبكين لتعزيز موقعها العالمي دون تدخل مباشر. في هذا الصدد، تحدثت صحيفة “ذا إيكونوميست” مع دبلوماسيين ومستشارين وأكاديميين وخبراء ومسؤولين حاليين وسابقين في الصين، وأجمع معظمهم على أن واشنطن أقدمت على خطوة ستسرّع من تراجعها، وأن موقف الصين من الحرب، التي تراقب من بعيد دون تدخّل، يلخصه قول منسوب لنابليون، وهو: “لا تقاطع عدوك عندما يرتكب الأخطاء”.

بحسب وجهة النظر الصينية، قد تُغرِق الحربُ الولاياتِ المتحدة في مستنقع الشرق الأوسط لسنوات، فإذا انهار النظام في إيران قد تدخل البلاد في فوضى تستدعي تدخلاً أميركيًا طويلًا، وإذا بقي النظام أو سعى لتطوير سلاح نووي فقد تضطر واشنطن لخوض جولات قتال إضافية. في كلا الحالتين، ترى النخب الصينية أن الولايات المتحدة ستُستنزف عسكريًا وسياسيًا، ما سيؤدي إلى تحويل اهتمامها بعيدًا عن شرق آسيا، وهي المنطقة التي تسعى الصين للهيمنة عليها خلال العقود القادمة.

كما أشار من تحدثت إليهم الصحيفة إلى أن الحرب تضعف ثقة الحلفاء بالولايات المتحدة. فالدول التي تعتمد على واشنطن أمنيًا بدأت ترى أنها أقل استقرارًا وأكثر اندفاعًا نحو الحروب، وفي الوقت نفسه تدفع ثمنًا اقتصاديًا أعلى نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام. هذا الوضع قد يدفع دولًا، خاصة في آسيا، إلى تجنب التصادم مع الصين والتقرب منها بدلًا من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

اقتصاديًا، تبدو الصين في موقع مريح نسبيًا. فهي تستورد نحو ثلث احتياجاتها النفطية فقط عبر مضيق هرمز، مقارنة بـ70% لدى اليابان وكوريا الجنوبية، كما تمتلك احتياطيًا استراتيجيًا ضخمًا يبلغ 1.3 مليار برميل يكفي لنحو أربعة أشهر لم تستخدمه حتى الآن. إضافة إلى ذلك، عملت الصين خلال السنوات الماضية على تقليل اعتمادها على النفط عبر التوسع في الطاقة المتجددة والطاقة النووية، إلى جانب استخدام الفحم المحلي. كما أنها تتعامل بمرونة مع إيران، وتساعدها على الاستمرار في بيع النفط رغم القيود.

وفي المقابل، طوّرت الصين أدوات ضغط موجهة ضد الولايات المتحدة، مثل التهديد بتقييد تصدير المعادن النادرة التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية الغربية، وهي مكونات تدخل حتى في الصواريخ التي تستخدمها واشنطن بوتيرة غير مسبوقة في حربها الحالية، وتسعى أيضًا للسيطرة على مجالات استراتيجية مثل أشباه الموصلات، وسلاسل التوريد، والتقنيات الطبية، إضافة إلى الاستثمار في مجالات متقدمة مثل الحوسبة الكمية والروبوتات، بهدف تقليل اعتمادها على الغرب وتعزيز نفوذها العالمي.

الحرب تفتح أيضًا فرصًا اقتصادية للصين. فمع الدمار في إيران وتضرر النبية التحتية في دول الخليج، قد تحصل شركات صينية على عقود إعادة إعمار كبيرة. كما أن ارتفاع المخاطر في مضيق هرمز قد يدفع دولًا إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، وهو مجال تهيمن عليه الصين، خاصة في السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات.

كما تأمل الصين في استغلال انشغال الولايات المتحدة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية. هناك توقعات في بكين بأن الإدارة الأميركية، تحت ضغط الحرب، قد تكون أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات في الحرب التجارية التي شنها الرئيس ترامب على العالم، من أجل تجنّب إشعال جبهات أخرى والتركيز على حربها على إيران، وربما تؤدي الضغوط الاقتصادية في الولايات المتحدة إلى تخفيف القيود على الاستثمارات الصينية. ومن بين الأهداف الصينية أيضًا دفع الولايات المتحدة نحو موقف أكثر ليونة بشأن تايوان.

لكن رغم هذا التفاؤل، لا تخلو الصورة من مخاوف صينية، فبعض الخبراء الصينيين قلقون من استخدام الجيش الأميركي تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات العسكرية، ما يشير إلى تطور قدرات واشنطن. كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضر بالاقتصاد الصيني نفسه، خاصة إذا تراجعت التجارة العالمية أو ارتفعت تكاليف الشحن والطاقة.

إضافة إلى ذلك، يحذّر بعض المحللين من أن الصين قد تُخطئ في تقديرها، لأنها لا تأخذ في الحسبان احتمال أن تتحول الولايات المتحدة إلى قوة غير مستقرة تُقوّض النظام العالمي الذي أنشأته. هذا السيناريو قد يضر بالصين نفسها، التي استفادت لعقود من هذا النظام في تحقيق نمو اقتصادي قائم على الاستقرار والتصدير.

أخيرًا، يشير التقرير إلى نقطة ضعف في التفكير الصيني، وهي الافتراض بأن الولايات المتحدة في طريقها الحتمي إلى التراجع. التاريخ يظهر أن واشنطن تمكنت مرارًا من إعادة بناء نفسها بعد الأزمات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تكنولوجية. في المقابل، تبدو الصين أكثر حذرًا وأقل مرونة بسبب طبيعة نظامها، ما قد يحدّ من قدرتها على التكيف مع التحولات الكبرى.

مقالات مختارة

Skip to content