الإثنين, فبراير 23, 2026 00:15
/
/
“الناس يستبدلون التعليم الأكاديمي بالتدريب المهني، حيث يبحثون عن وظائف لا يمكن للذكاء الاصطناعي سرقتها منهم”

“الناس يستبدلون التعليم الأكاديمي بالتدريب المهني، حيث يبحثون عن وظائف لا يمكن للذكاء الاصطناعي سرقتها منهم”

يساور القلق الشباب حول العالم من أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم في سوق العمل، ما دفع الكثيرين منهم بالفعل إلى تغيير مسارهم المهني من وظائف مكتبية إلى المهن الحرفية واليدوية. في المقابل، يحاول الخبراء طمأنتهم مؤكدين أن وظائف للبشر ستظل موجودة؛ فلا أحد يرغب في الاعتراف بخطایاه أمام روبوت، أو مشاهدة آليين يمثلون على خشبة المسرح.
أيقون موقع وصلة Wasla
wasla brands
1
الصورة والتصميم: نداف غازيت / Gemini

 

بعد أربع سنوات من كسبها لرزقها ككاتبة محتوى مستقلة، لم يعد الزبائن يتواصلون مع جاكلين باومان من كاليفورنيا لتكليفها بمهام عمل. وفي نهاية المطاف، حصلت على وظيفة في نفس وكالة التسويق التي عملت بها سابقاً، ولكن براتب أقل بكثير، حيث تعمل الآن كمحررة للنصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي (AI)، التكنولوجيا نفسها التي سلبتها وظيفتها السابقة.

إلى جانب الضرر المادي، تروي باومان أنها شعرت بالإهانة عندما اتهمها بعض زبائنها المتبقين باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كتاباتها. ورغم تأكيدها على عدم استخدام هذه الأدوات في عملها، إلا أنها لاحظت تشابهاً كبيراً في النصوص، وبدأت تشك في أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تدربت على نصوص كتبتها هي. دفعها الاحتياج المادي في النهاية للعودة إلى مقاعد الدراسة لتعلم العلاج الزوجي والأسري، آملةً ألا تحل أدوات الذكاء الاصطناعي أيضًا محلها،  وأن “سيظل هناك أشخاص يرغبون في علاجٍ يقدّمه معالج بشري”.

من جهة أخرى، أجبر الذكاء الاصطناعي جانيت فينسترا من مالمو بالسويد على التحول من مدققة لغوية أكاديمية إلى خبازة؛ وهي وظيفة تستمتع بها حقاً، لكنها تضطرها لبذل مجهود بدني أكبر وقطع مسافات أطول مقابل أجر أقل. كما تعبر عن قلقها بشأن قدرتها الجسدية على مواصلة هذا العمل مع تقدمها في السن. ومع تزايد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في مكان عملها السابق بجامعة مالمو، قررت استباق الأحداث قائلة: “لم أرغب في الانتظار حتى فوات الأوان، فأنا مطلقة ولدي طفلان أعيلهما”، لذا بحثت عن مجال تعتقد أنه محصّن أمام الذكاء الاصطناعي وقررتْ دراسة الطهي.

تصف فينسترا انتقالها من وظيفة تُعَد إحدى وظائف الطبقة الوسطى إلى عمل يُنظر إليه كمهنة للطبقة العاملة بأنه كان “رحلة مثيرة، بدأتُ أدرك خلالها أن وظائف الياقات البيضاء ليست مثالية كما يتم تصويرها”. ويبدو أن العلاقة بين التوظيف والمكانة الاجتماعية بدأت تتغير؛ فوفقاً لتقرير وزارة التعليم البريطانية لعام 2023 حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، فإن الوظائف الأكثر عرضة للخطر هي تلك ذات الطابع المكتبي، وتتركز في مجالات مثل القطاع المالي، والأعمال، والقانون.

تقول أنجيلا جويس، مديرة كلية “كابيتال سيتي” للتعليم المستمر، إن هناك زيادة مستمرة في أعداد الطلاب من جميع الأعمار الراغبين في الحصول على شهادات مهنية في مجالات مثل الكهرباء والطهي ورعاية الأطفال. وتوضح جويس أن هناك تحولاً ملحوظاً من المسارات الأكاديمية نحو التدريب المهني، حيث يبحث الناس عن “وظائف لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها”، مشيرة إلى أن الدافع وراء ذلك هو ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في بريطانيا، والذين يحمل الكثير منهم مؤهلات أكاديمية.

ويعد ريتشارد، من مدينة نورثهامبتون البريطانية، نموذجاً لهذا التحول؛ فقد قرر ترك عمله كمشرف على الصحة والسلامة المهنية ليصبح فني كهرباء. ورغم أنه لم يتوقع اختفاء العاملين في مجاله قريباً، إلا أنه لاحظ أن جزءاً كبيراً من العمل في الشركات الكبرى بات يُدار آلياً، مثل كتابة السياسات واللوائح، فتوقع أنه لن يتبقى في مجاله سوى القليل من العمل في المستقبل القريب.

لم يكن الانتقال إلى العمل الجسدي سهلاً، خاصة وأنه مجال يسيطر عليه الشباب في العشرينيات من عمرهم، حيث يقول ريتشارد: “سرعة تعافيهم أكبر بكثير مني؛ فإذا تعرضت لإصابة، أحتاج وقتاً أطول للشفاء، كما يمكنهم العمل لساعات أكثر”. بالإضافة إلى التحدي الجسدي، واجه ريتشارد انخفاضاً حاداً في دخله منذ بدأ العمل ككهربائي العام الماضي، لكنه يتوقع العودة إلى مستوى راتبه السابق مع اكتساب المزيد من الأقدمية والخبرة خلال “5 إلى 10 سنوات”.

2
ريتشارد من نورثهامبتون، بريطانيا، الذي كان يعمل مسؤولًا عن السلامة والصحة المهنية ويعمل حاليًا كهربائيًا، الصورة: غارديان

 

يظل هذا التحول مشروطاً بعدم وصول الأتمتة إلى مهنة ريتشارد الجديدة أيضاً؛ حيث يستشهد بالتجارب التي تجريها شركة “BMW” على روبوتات شبيهة بالبشر كمثال على التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي في المهن الحرفية. ويرى كارل بنديكت فراي، الباحث في معهد الإنترنت في جامعة أكسفورد، أن أتمتة الأعمال اليدوية الماهرة “أكثر صعوبة”، لكنه يتوقع أن يزعزع الذكاء الاصطناعي استقرار “نطاق واسع جداً من الصناعات”، بما في ذلك المهن التقنية. ويضيف: “إذا تعطلت غسالة الأطباق في منزلي، يمكنني تصويرها واستشارة الذكاء الاصطناعي، وهناك احتمال كبير أن أتمكن من إصلاح العطل بنفسي دون الحاجة لاستدعاء فني”.

ويضيف فراي أنه لا ينبغي التسرع في اتخاذ قرارات مصيرية بشأن المسار المهني بناءً على “سيناريوهات مستقبلية افتراضية”، مشيراً إلى أن الدراسات بدأت للتو في رصد تأثير أكبر للذكاء الاصطناعي على الموظفين المبتدئين. ويرى أن هذا التأثير قد يعود أيضاً لارتفاع أسعار الفائدة وتبعات التعافي من جائحة كورونا. وفي هذا الصدد يقول: “كلما تطور الذكاء الاصطناعي، سنرى أثره في قطاعات أكبر من سوق العمل، لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بشكل كامل بعد”.

وفي الواقع، يسعى فراي لتصحيح التوقعات التي قدمها مع زميله البروفيسور مايكل أوزبورن في دراسة شهيرة عام 2013 حول مستقبل التوظيف، والتي رجحت احتمال استبدال 47% من الوظائف بالحوسبة. ويوضح قائلاً: “في تلك الدراسة، اعتبرنا أن قطاعات النقل والخدمات اللوجستية هي الأكثر عرضة للأتمتة بسبب السيارات ذاتية القيادة”، ولكن على عكس التوقعات، لم تتحقق تلك الثورة كلياً حتى الآن. ومع ذلك، لا يزال يؤمن بأنها قادمة، ويتوقع أن “يفقد الكثير من سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة وظائفهم” مستقبلاً.

أما الرسالة الأساسية التي يوجهها فراي فهي: “لا داعي للذعر، على الأقل ليس حاليًا”. فإذا كنت في بداية مسيرتك المهنية، يرى الباحث أنه من الجيد استثمار الوقت المتاح في التدريب ومحاولة فهم أي المسارات الوظيفية هي الأكثر استدامة. ويضرب “الترجمة” كمثال لمهنة بدأنا نلمس فيها بالفعل تأثير الذكاء الاصطناعي، حتى لو لم نشهد بعد تحولاً جماعياً كلياً. أما إذا كنت تقترب من نهاية حياتك المهنية، فيقول: “ربما لا يزال بإمكانك ركوب هذه الموجة لبضع سنوات إضافية”.

لا داعي للخوف من بطالة جماعية

تشير دراسة صادرة عن كينغز كوليدج في لندن في أكتوبر 2025 إلى أن أكبر تراجع في التوظيف والأجور يُتوقع أن يطال وظائف مثل هندسة البرمجيات والاستشارات التجارية. ويقول أحد معدّي الدراسة، الدكتور بوكا كلاين تسلينك، إن ذلك “لا يعني بالضرورة أنه لن تولَد وظائف جديدة”، فالتاريخ يثبت أن مخاوف البشر من التطور التكنولوجي المسبب للبطالة الجماعية لم تتحقق فعلياً. وبينما يبدي تيسلينك تشككاً في اختفاء كل هذه المهن، فإنه يقرّ في الوقت ذاته بأن التكنولوجيا الحالية قد يترتب عليها تأثيرات أعمق وأكثر جذرية في مجالات بعينها.

في المقابل، يرى كلاين تسلينك أن “العمل مع الذكاء الاصطناعي هو على الأرجح مهارة ستؤتي ثمارها في المستقبل”. وهو المبدأ الذي اعتمده فياز جردا وأرون سينغ أوجلا (25 عاماً) في تأسيس مشروعها الجديد، حيث يخطط الشابان، اللذان يعملان أصلاً في المشتريات والتسويق الرقمي، لتوظيف مبرمجين لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تتولى الرد على المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني. ويؤكد أوجلا أن هذه الخطوة تهدف لمواكبة العصر وحماية حصته السوقية في سوق آخذ في النمو، قائلاً: “الذكاء الاصطناعي لن يستبدلني، لكنه قد يستحوذ على جزء كبير من عملي، ومن الجيد دائماً تأمين مصدر دخل إضافي”.

3
تصوير: بإذن من جانيت فينسترا / The Guardian

 

بينما يتطلع جردا وسينغ أوجلا إلى الأمام، تخلت باولا أديتان (31 عاماً) عن مهنة أحلامها؛ حيث كانت تطمح لأن تصبح محامية ودرست البكالوريوس والماجستير في الحقوق، لكنها قررت قبيل المرحلة الأخيرة من تدريبها عدم الاستمرار في هذا المسار لشعورها بأنه قد لا يكون مستداماً بما يكفي في ظل التغير التكنولوجي. وتروي أديتان أن زملائها في الدراسة واجهوا صعوبات حتى في الحصول على وظائف للمبتدئين، وهو ما تعزوه جزئياً إلى الاستخدام المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي في شركات المحاماة. تعمل أديتان حالياً في قطاع الصحة، وتقول إنها “تشعر بقليل من خيبة الأمل، لكن طبيعة العمل تتغير. من الصعب جدًا الآن أن تقرري ماذا تريدين أن تفعلي. لم يعد الأمر متعلقًا بما يريده الموظف، بل بما سيكون متاحًا أمامه وبما سيكون ناجحًا له”.

ومع قليل من الحظ، قد يتطابق ما يرغب الإنسان في القيام به مع المهن التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استبدالها، كما في حالة فاز (23 عاماً)، الذي انقطع عن دراسة الجغرافيا في جامعة مانشستر عام 2023 لظروف عائلية، وبعد ذلك لم يعتبر أن هناك داع للعودة للدراسة. يقول فاز: “كان عليّ أن أفكر بالوظائف المضمونة في المستقبل، ما هو محصّن ضد الذكاء الاصطناعي، ويبدو أن التكنولوجيا تستبدل كثيرًا من وظائف المبتدئين في الشركات. ولا يمكن معرفة ما إذا كان سيستبدل أيضًا الوظائف التي تتطلب مهارات أعلى، فعالم الذكاء الاصطناعي صعب التنبؤ”. لذلك، بدأ منذ سبتمبر 2025 الدراسة ليصبح فني كهرباء، مؤكداً أن العمل في مهنة كهذه هو الخيار الصحيح حالياً بنسبة 100%، وأنه واثق تماماً من أنها محصنة ضد الذكاء الاصطناعي.

كذلك تستمتع بيثان (24 عاماً) من بريستول بعملها الجديد في مقهى محلي، لكن الثمن الذي تدفعه هو آلام في المفاصل بسبب مرضها الذي يصعّب عليها العمل الجسدي لساعات طويلة. كانت تعمل سابقاً في قسم تكنولوجيا المعلومات في إحدى الجامعات، حيث ساعدت الناس في حل أعطال الكمبيوتر، وتصفها بأنها “كانت تلك أول وظيفة لي لم أعد منها إلى المنزل وأنا أتألم”، لكن بعد شهرين فقط من بدء عملها هناك، تم فصلها مع الفريق بأكمله واستبدالهم ببرنامج ذكاء اصطناعي. تقول بيثان: “كان الأمر مروعاً”، وبما أن خبرتها كانت محصورة في قطاع الضيافة، انتهى بها المطاف بالعمل في مقهى. هي تبحث الآن عن وظائف مكتبية للمبتدئين لكنها تجد صعوبة في ذلك، وتختتم قائلة: “هذه الوظائف تختفي لأنه من الأسهل استبدالها”، مضيفة أن ذلك يجعل إمكانية اكتساب الخبرة فيها وتطوير مهارات أكثر تقدمًا أمرًا غير ممكن.

4
امرأة تعمل في مكتب (صورة توضيحية). “هذه الوظائف تختفي لأنه من الأسهل استبدالها” تصوير: PeopleImages / Shutterstock

 

يفضلون التحدث مع بشر

تقول فينسترا، المحررة التي تحولت إلى خبازة، إنها لا تستطيع تقديم نصائح مهنية لأطفالها، وتضيف: “إذا كان لديهم شغف بشيء ما ويريدون القيام به، تفكرين فوراً: حسناً، هل سيكون هذا الشيء موجوداً أصلاً بعد 10 أو 20 عاماً؟ إنه أمر محبط للغاية”. ومع ذلك، يرى كلاين تيسلينك أنه ستظل هناك راقصات باليه، موضحاً: “لن يذهب أحد لمشاهدة عرض باليه لروبوت، وينطبق الأمر نفسه على المسرح وكرة القدم وأشياء كثيرة أخرى من المهم فيها وجود عنصر بشري”. كما أنه لا يعتقد، على سبيل المثال، أن الناس سيسارعون للاعتراف أمام كاهن آلي أو سيتركون أطفالهم في عهدة ذكاء اصطناعي ليرعاهم.

ويضيف “هناك فئات نفضل فيها التفاعل مع بشر”. لذلك ستبقى المهارات الاجتماعية مهمة، ويوافقه الرأي في ذلك كلاين تسلينك وفراي. ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو كأنه يجعل الخبرة بلا قيمة، يقول كلاين تسلينك “لدي طلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي بسذاجة، ولذلك ليست لديهم أي فكرة ما إذا كانت النتائج جيدة أم سيئة. يجب أن تكون لديك خبرة كي تتمكن من توجيه الذكاء الاصطناعي وجعله يقوم بما ترغب به، ولذلك من هذه الناحية أعتقد أن قيمة الخبرة قد ترتفع”.

ويبقى السؤال المفتوح هو كيف يمكن تطوير مثل هذه الخبرة إذا كانت هناك عوائق في مرحلة الدخول إلى سوق العمل تعطي الأفضلية لأنظمة الذكاء الاصطناعي. والسؤال الثاني هو من بين الجموع التي قد تفقد وظائفها سيتمكن أصلًا من شراء تذاكر لحضور عرض باليه؟ لكن فراي لا يعتقد أنه من المجدي إضاعة الوقت في القلق بشأن المستقبل، على الأقل في الوقت الحالي. ويقول “قد يحدث ذلك بالتأكيد، لكن السؤال الحاسم هو ما إذا كان سيحدث بعد خمس سنوات أو بعد عشرين عاماً؟”. ويقرّ بأن “هناك أسبابًا للقلق”، لكنه لا يرى أن الوقت قد حان “لرسم سيناريو يكون فيه الجميع عاطلين عن العمل خلال خمس سنوات، بحيث يتعين علينا إعادة التفكير في كل شيء”.

المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من صحيفة The Marker

wasla brands
wasla brands

مقالات مختارة