قالوا لهم إن دراسة مواضيع التكنولوجيا والهندسة تضمن لهم الانخراط في أفضل سوق تشغيل في البلاد، قطاع الهايتك على مختلف تخصصاته. لكن الواقع الذي كان ينتظرهم بعد التخرج أظهر لهم بأن قواعد اللعبة قد تغيّرت بسبب الحرب والذكاء الاصطناعي ووجودهم خارج شبكة العلاقات “الصحيحة”.

وفق معطيات عام 2024، لا يزال تمثيل العرب في قطاع الهايتك الإسرائيلي هامشي بامتياز: 1.4% فقط من الموظفين العرب يعملون في الهايتك مقابل 12.6% من اليهود. بحسب معطيات وزارة العمل، يعمل في قطاع الهايتك في البلاد 5164 امرأة عربية و14148 رجلًا عربيًا، مقابل أكثر من نصف مليون من المجتمع اليهودي.
مع وجود نحو 10 آلاف طالب عربي يدرسون حاليًا تخصصات الهندسة والعلوم والتكنولوجيا (STEM)، تشير التقديرات إلى تخرّج ما بين 1,000 و1,500 خريج عربي جديد سنويًا من هذه التخصصات. ويعكس ذلك ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بعام 2014، حين لم يتجاوز عدد الخريجين الجدد نحو 430 خريجًا، وذلك استنادًا إلى معطيات دائرة الإحصاء المركزية (2022/2023) التي تُظهر أن 11.4% من الطلاب العرب في مرحلة اللقب الأول يدرسون تخصصات الـ STEM.
غير أن هذه الزيادة في أعداد الخريجين لا تُترجم إلى اندماج متكافئ في سوق العمل. التقديرات تُشير إلى أن ما بين 400 إلى 900 خريجًا عربيًا جديدًا يفشلون سنويًا في الدخول إلى وظائف ملائمة لتأهيلهم. وعلى امتداد السنوات الأخيرة، يراكم هذا الواقع فجوة تشغيلية تُقدَّر بما بين 4,000 و8,000 خريج عربي “غير مندمج” في سوق الهايتك.
يهدف هذا التقرير إلى تجاوز عرض المعطيات المجردة، من خلال ربط الأرقام بتجارب فعلية لخريجين وخريجات يواجهون صعوبة في الاندماج في سوق الهايتك. ويعتمد التقرير على مسارين متوازيين: شهادات شخصية ترصد مسار البحث عن الوظيفة الأولى وتحدياته، وتحليل مهني يقدّمه خبراء ومسؤولون يعملون في مجال دمج الأكاديميين العرب في سوق العمل، يشرحون أسباب الظاهرة والتحولات التي يشهدها السوق، ويحدّدون مواقع الخلل والمسؤولية على مستوى التعليم، وسياسات التوظيف، والأطر الحكومية الأوسع.

الجامعة: كلية سامي شمعون – بئر السبع
سنة التخرج: 2023
لم أنتظر لحظة التخرّج كي أبدأ البحث عن عمل في الهايتك. منذ سنتي الدراسية الرابعة، بدأت بإرسال السير الذاتية والتقديم لوظائف طالب ووظائف مبتدئة، على أمل أن أدخل السوق تدريجيًا قبل انتهاء الدراسة.
كنتُ أسمع دائمًا أن من يبدأ مبكرًا يختصر الطريق، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. السوق كان قد دخل مرحلة ركود واضحة، ولم تكن هناك وظائف تقريبًا.
بعد التخرج، استمرّ الانتظار، ومرّ عام كامل قبل أن أحصل على أول مقابلة عمل، وهي فترة كانت الأصعب عليّ نفسيًا. أنت تتخرّج، معتقدًا أن المرحلة الصعبة انتهت، لكنكَ تكتشف أن الأصعب لم يبدأ بعد. كل من حولك يسألك: أين تعملين؟ وأنت لا تملكين جوابًا.
حصلتُ على فرصة عمل قصيرة في ستارت-اب صغير استمرتْ ثلاثة أشهر فقط قبل أن تتوقف الشركة بسبب مشاكل تمويل. قلتُ لنفسي: الآن لدي خبرة، حتى لو كانت قصيرة، لكنني اكتشفتُ أنّ ثلاثة أشهر لا تعني شيئًا تقريبًا في نظر السوق.
اليوم، وبعد نحو ثلاث سنوات من التخرج، ما أزال خارج قطاع الهايتك. أعمل حاليًا كمرشدة في دورات البرمجة والذكاء الاصطناعي. لكنّي مهندسة، ولست معلمة. لم أدرس خمس سنوات لأجد نفسي أشرح للآخرين ما لم يُتَح لي تطبيقه بنفسي في شركة. أنا مستعدة للعمل في أي مكان، في المركز أو الجنوب أو حتى في إيلات. لا أبحث عن شروط مثالية، بل عن فرصة حقيقية واحدة تثبت أن كل هذا الانتظار لم يكن بلا معنى.
لماذا تُغلق بوابة “الوظيفة الأولى”؟
يرى خالد السيد، خبير البرامج الاستراتيجية في مؤسسة “كو-إمباكت”، أن ما تمرّ به ليالي زبارقة لا يعبّر عن حالة شخصية، بل عن مشكلة أوسع في طريقة عمل سوق الهايتك اليوم. فبحسبه، لم تعد الوظيفة الأولى خطوة طبيعية في بداية المسار المهني كما كانت في السابق، بل أصبحت مرحلة صعبة ومعقّدة. “الشركات اليوم تريد موظفًا جاهزًا منذ اليوم الأول، ولم تعد تميل إلى استثمار الوقت والموارد في تدريب الخريجين الجدد، خاصة في ظل تباطؤ السوق والضغوط الاقتصادية”، يوضح السيد، لافتًا إلى أن الحرب وتسريحات الموظفين حول العالم جعلت شروط القبول أكثر تشددًا وقلّصت فرص الدخول أمام المبتدئين.
إلى جانب ذلك، يشير السيد إلى أن التطور السريع في مجال الذكاء الاصطناعي قلّل من عدد الوظائف المبتدئة التي كانت تشكّل نقطة البداية للخريجين، كما أن ضعف شبكات العلاقات المهنية لدى الخريجين العرب يزيد من صعوبة الوصول إلى فرص العمل. “في سوق يعتمد إلى حد كبير على العلاقات والتوصيات، من لا يملك شبكة مهنية قوية يبقى خارج الصورة، حتى لو كان كفؤًا”، يقول السيد، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع لا يضر بالخريجين وحدهم، بل ينعكس أيضًا كخسارة اقتصادية مباشرة، لأن الاقتصاد لا يستفيد من كامل طاقته البشرية المؤهلة.

الجامعة: كلية تل حاي
سنة التخرج: 2024
بالنسبة لي، لم تبدأ أزمة البحث عن عمل في الهايتك بعد التخرج، بل قبل ذلك بعام كامل. طوال سنتي الدراسية الأخيرة، حاولتُ العثور على وظيفة طالب في مجالي، من دون أن أنجح في الوصول حتى إلى مقابلة عمل واحدة.
كنتُ أعتقد أن وظيفة الطالب هي الخطوة الطبيعية لأي شخص يريد أن يدخل السوق بسلاسة، لكنني أرسلتُ عشرات الطلبات، ولم يحدث شيء.
بعد التخرج، انتقلتُ إلى البحث عن وظيفة بدوام كامل على أمل أن تتغير المعادلة، لكن الواقع بقي على حاله. أعتمد بشكل أساسي على لينكدإن. أقدّم لوظائف، أتابع شركات، أرسل رسائل مباشرة، وأحيانًا يُغلق الإعلان من دون أن أعرف إن كان أحد قد اطّلع على سيرتي الذاتية.
خلال الدراسة، قالوا لنا إن السوق ينتظرنا. بعد الحرب، اكتشفت أن هذه الصورة لم تعد موجودة. السوق تغيّر بسرعة، لكن أحدًا لم يحضّرنا لذلك.
أحاول حاليًا تعويض غياب الخبرة العملية عبر تنفيذ مشاريع برمجية مستقلة ونشرها على منصة GitHub، لإظهار قدراتي التقنية.
عندما لا تصل أصلًا إلى مقابلة عمل، تبدأ بالتشكيك في نفسك. درست، تعبت، التزمت، ومع ذلك لا يحدث أي تقدّم. أنا لا أبحث عن وظيفة مثالية ولا عن راتب مرتفع، بل عن فرصة أولى أستطيع من خلالها أن أتعلم وأثبت نفسي.
عندما تكون خارج الشبكة “الصحيحة”
ميسم جلجولي، المديرة العامة لجمعية تسوفين التي تعمل على تعزيز اندماج العرب في قطاع الهايتك، تؤكد أن سوق الهايتك الإسرائيلي لا يعمل كسوق مفتوح للجميع، بل يقوم إلى حدّ كبير على شبكات علاقات مهنية واجتماعية مغلقة. “عدد كبير من إعلانات الوظائف لا تُنشر أصلًا، بل يتم توظيفها من خلال توصيات داخلية، بسياسة صديق يُحضر صديق”، تقول، موضحة أن هذا الواقع يمنح أفضلية لمن يمتلكون شبكات علاقات جاهزة، مثل خريجي الوحدات التكنولوجية في الجيش أو خريجي الجامعات المركزية. في المقابل، يبدأ الخريج العربي المنافسة من نقطة أدنى، حتى عندما تكون مهاراته التقنية مماثلة.

وتضيف جلجولي أن الإقصاء لا يكون عادةً نتيجة قرار معلن، بل يحدث عبر مراحل الفرز الأولى التي تبدو محايدة، لكنها تتأثر بعوامل ثقافية ولغوية. “أول محادثة هاتفية، أسلوب الحديث، اللغة، اللهجة، وحتى الانطباع الأول، كلها عناصر تؤثر على القرار”، تقول. ومع تقلّص عدد الوظائف وارتفاع حدّة المنافسة، تصبح هذه العوامل أكثر تأثيرًا، وتؤدي عمليًا إلى استمرار الفجوة نفسها مع كل جولة توظيف جديدة.
وتوضح جلجولي أن جمعية “تسوفن” ترافق سنويًا نحو 400 خريج عربي، إلا أن نسب الاندماج تبقى محدودة؛ ففي عام 2025 تمكّنت من مساعدة 80 مهندسًا فقط على دخول سوق الهايتك، مقارنة بنحو 400 في سنوات سابقة. وفي ظل بقاء نسبة العرب في القطاع عند نحو 4%، مقابل وجود قرابة 10 آلاف طالب عربي يدرسون الهندسة والعلوم، يبرز تساؤل حقيقي حول فرص اندماجهم مستقبلًا.

الجامعة: الأميركية – جنين
سنة التخرج: 2021
عند تخرّجي، كنتُ أعتقد أن دخول سوق الهايتك مسألة وقت، لا أكثر. لكنّ لم أتخيل أن يكون السوق مغلقًا إلى هذا الحد.
كنت أقرأ متطلبات الوظائف وأشعر أنني غير موجود أصلًا بالنسبة لمتطلبات السوق. كيف يُطلب من خريج جديد خبرة ثلاث سنوات؟ وأين يُفترض أن يكتسبها؟
أحيانًا كنت أقدّم لوظائف أشعر أنني ملائم لها تمامًا، لكن لا يصلني أي رد. مع الوقت تبدأ بالتساؤل إن كان اسم الجامعة يُشكّل لوحده عائقًا، فأنا تخرجتُ من الجامعة الأمريكية في جنين. كان لدي إحساس بأن خريجي الجامعات الإسرائيلية المركزية يحصلون على فرص أكثر. أحيانًا لا يقولون ذلك صراحة، لكنه يُفهم من السياق.
نجحتُ في الحصول على فرصة عمل لمدة عام في شركة إنتل، وهي محطة مهمة في مسيرتي. لكن حتى هذه التجربة لم تكن كافية لفتح الأبواب كما كنتُ آمل.
اليوم لدي سنة خبرة، لكن السوق يبحث عن خمس أو حتى عشر سنوات. تشعر أن سقف الشروط يرتفع كلما حاولت الاقتراب.
مع الوقت فهمتُ أن العلاقات قد تشكّل نصف الطريق. المشكلة أن أحدًا لا يعلّمك كيف تبني هذه الشبكة، خاصة إذا لم يكن لديك مدخل طبيعي إلى السوق.

الجامعة: كلية سامي شمعون – بئر السبع
سنة التخرج: 2022
في محاولة لسد الفجوة بين تعليمي الأكاديمي ومتطلبات السوق، التحقتُ بعدة بوتكامبات امتد بعضها لعدة أشهر. كنت أسمع من الجميع النصيحة نفسها: خذ دورة إضافية، قوّي سيرتك الذاتية. فعلت ذلك، لكن المشكلة أن هذه التدريبات غير مدفوعة، ولا يمكن إدراجها كخبرة عملية حقيقية.
هذا المسار استنزف وقتي وجهدي ومواردي المالية، من دون أن يترجم إلى اختراق فعلي في سوق العمل.
أنت تستثمر في نفسك، لكن من دون أي ضمان. تنهي دورة، ثم أخرى، وتبقى في المكان نفسه.
أول مقابلة عمل حصل عليها لم تكن عبر تقديم رسمي، بل من خلال صديق. هنا فهمت أن شبكة العلاقات ليست عاملًا مساعدًا فقط، بل أهم عنصر. من دون توصية، تبقى خارج اللعبة.
أعمل اليوم مع والدي في مشروع عائلي، لكنّي لا أريد البقاء خارج مجالي. كل ما أبحث عنه هو فرصة أولى حقيقية أستطيع من خلالها أن أُثبت نفسي، لا أكثر.
فجوة التعليم وسوق العمل: عندما لا تكفي الشهادة
ترى مرام جبران مرعب، المديرة العامة لجمعية “كاف مشفيه” لدمج الأكاديميين العرب في الاقتصاد الإسرائيلي، أن الصعوبات التي يواجهها خريجون مثل فادي وسامي لا تعود إلى نقص في الكفاءة أو الجدية، بل إلى فجوة واضحة بين ما يتعلمه الطلاب في الجامعات وما يطلبه سوق الهايتك فعليًا. “التعليم الأكاديمي يركّز بالأساس على الجانب النظري، بينما تبحث الشركات عن خبرة عملية، وفهم لبيئة العمل، وقدرة على اجتياز المقابلات المهنية”، تقول.
وبحسب مرعب، تظهر هذه الفجوة بشكل خاص عند البحث عن الوظيفة الأولى، إذ يُطلب من الخريج امتلاك خبرة لا تتوفر له طرق حقيقية لاكتسابها. “الدورات والبوتكامبات غالبًا غير مدفوعة ولا تُعتبر خبرة فعلية، وفي المقابل لا تكاد توجد برامج مدفوعة تتيح للخريجين التعلّم والعمل داخل الشركات بشكل تدريجي”.
كما تشير إلى أن مقابلة العمل لا تُقاس فقط بالقدرات التقنية، بل تتأثر بعوامل ثقافية ولغوية وصور نمطية غير معلنة، قد تنعكس على قرارات التوظيف بوعي أو من دونه. وتلفت إلى أن بعض المشغلين، عبر تفضيل مسارات تعليمية مألوفة أو الاعتماد على قنوات تجنيد مغلقة، يساهمون في إعادة إنتاج الإقصاء، حتى من دون قصد.

في هذا السياق، تؤكد مرعب أن العمل على الخريج وحده غير كافٍ، مشيرة إلى أن “كاف مشفيه” تعتمد توجه متكامل يرافق الخريج منذ التخرج، من خلال التوجيه المهني، وبناء الهوية المهنية، والتدريب على المقابلات، وربطه المباشر بسوق العمل. وبالتوازي، تعمل الجمعية مع الشركات نفسها، عبر بناء شراكات طويلة الأمد، وتأهيل فرق الموارد البشرية، وخلق مسارات دخول أكثر مرونة.
من جانبه، يرى حسن مصاروة، مدير معهد Math المتخصص في تقديم دورات تأهيل في مجالات التكنولوجيا، أن الصعوبات التي يواجها خريجو الهايتك العرب تبدأ في مراحل مبكرة، وتحديدًا خلال التعليم الثانوي، حيث يتخرج العديد من الطلاب بمستوى ضعيف في اللغة الإنجليزية، رغم أنها اللغة الأساسية لعالم الهايتك. ويضيف أن ضعف الأساسيات في الرياضيات لدى بعض الخريجين يزيد من تعقيد فرص اندماجهم لاحقًا في السوق.

بحسب مصاروة، فإن شركات الهايتك، بوصفها شركات ربحية، لم تعد مستعدة لاستثمار الوقت والموارد في تدريب موظفين جدد يفتقرون إلى الخبرة. ويقول إن المهام التي كانت تتطلب فرق عمل واجتماعات وخطط تشغيلية يمكن اليوم إنجازها خلال وقت قصير باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يقلّص الحاجة إلى وظائف مبتدئة. كما يلفت إلى أن مستويات الأجور في القطاع لم تعد كما كانت في السابق، وأن السوق بات يبحث عن أصحاب خبرة تمتد بين خمس إلى عشر سنوات.
***
ما تعكسه قصص ليالي، ربيع، فادي وسامي لا يقتصر على تجارب شخصية صعبة، بل يشير إلى نمط يتكرر مع كل دفعة خريجين جديدة. فالتعليم متوفر، والإرادة موجودة، والمهارات الأساسية حاضرة، لكن العقبة الأساسية تبقى واحدة: الوصول إلى الوظيفة الأولى. في غياب هذه الفرصة، يتحول الخريج من حالة الأمل ببداية مسار مهني واعد إلى يأس وإحباط الانتظار الطويل وتراجع الثقة بالنفس والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وضياع سنوات كان يمكن أن تكون سنوات عمل وتطور.
مقالات ذات صلة: بمساحة ضخمة تستوعب آلاف الموظفين | هل سيفتح مركز إنفيديا الجديد أبوابه للعرب أيضًا؟












