
يتناول تقرير لصحيفة داماركر مفارقة لافتة في قطاع البناء في البلاد، حيث عاد عدد العمال إلى مستوى قريب مما كان عليه قبل الحرب، رغم القرار الحكومي الذي صدر بعد 7 أكتوبر 2023 بمنع دخول العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى إسرائيل، وهو قرار وجّه ضربة قاسية للقطاع وأدى إلى شلل شبه كامل في نشاطه خلال فترة قصيرة.
مع بداية تنفيذ القرار، خسر قطاع البناء نحو 100 ألف عامل كانوا يعملون في وظائف أساسية، ما أدى إلى توقف 90% من مواقع البناء. في تلك المرحلة حذّر المقاولون من أزمة حادة، ومن انهيار شركات وتأخير تسليم الشقق لمدة قد تصل إلى سنة كاملة، وطالبوا إما السماح بعودة العمال الفلسطينيين أو استقدام عمال أجانب بأعداد كبيرة. الحكومة رفضت إعادة الفلسطينيين ووافقت على توسيع حصة العمال الأجانب، لكن التنفيذ جرى بوتيرة بطيئة.
بعد مرور سنتين وأربعة أشهر على اندلاع الحرب، تُظهر معطيات بنك إسرائيل ودائرة الإحصاء المركزية أن عدد العمال في قطاع البناء عاد إلى مستوى قريب مما كان عليه قبل الحرب. ففي الربع الثالث من عام 2025 بلغ عدد العمال في القطاع 366 ألف عامل، مقابل 364 ألف عامل في الربع الثالث من عام 2023. هذه الأرقام تشمل جميع العاملين في القطاع دون تمييز بحسب هوية العمال.
لكن، رغم تقارب أعداد العمال في كلتا المرحلتين، إلا أن هوية العمال أنفسهم تختلف. فقبل الحرب، كان أغلب العمّال في قطاع البناء من العمّال الفلسطينيين من الضفة الغربية. اليوم، تراجع عددهم بشكل حاد، مقابل ارتفاع في عدد العمال الأجانب، ودخول 54 ألف عامل “إسرائيلي” جديد إلى القطاع، معظمهم من المجتمع العربي، إضافة إلى عدد محدود من الحريديم، في تحول يُعد استثنائيًا في قطاع لم يكن يعتمد تاريخيًا على عمال محليين.
في سبتمبر 2025، سُجل ارتفاع في عدد مشاريع البناء الجديدة التي بدأ العمل بها، حيث بلغ عددها 81 ألف مشروع، مقارنة بـ74 ألف مشروع قبل الحرب. هذا الارتفاع تحقق رغم صعوبات كبيرة، بينها نقص الأيدي العاملة، مشاكل في توريد مواد البناء، وفرض تركيا حظرًا على تصدير بضائع إلى إسرائيل خلال الحرب، إضافة إلى قيود التمويل التي واجهها المقاولون.
التقرير يطرح تفسيرين رئيسيين لهذه المفارقة. التفسير الأول يتمثل في ارتفاع إنتاجية العمال الأجانب مقارنة بالعمال الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في القطاع قبل الحرب. فبحسب مقاولين، يعمل العمال الأجانب ساعات أطول، ويسكنون قرب مواقع البناء، ولا يضيع وقتهم على الحواجز العسكرية، ويُنظر إليهم كعمال مهرة ومنضبطين.

أما التفسير الثاني، فيتعلق بتشغيل أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين دون تصاريح. لا توجد أرقام رسمية دقيقة، لكن رئيس اتحاد المقاولين قدّر عدد الفلسطينيين الذين يعملون دون تصاريح في قطاع البناء بـ50 ألف عامل. تقديرات رسمية في أجهزة الأمن الإسرائيلية تشير إلى وجود 70 ألف فلسطيني دون تصاريح داخل إسرائيل، بينما قدّر مصدر أمني غير رسمي العدد بـ150 ألف فلسطيني.
جزء من هؤلاء العمال موجودون في البلاد منذ ما قبل 7 أكتوبر، فيما يدخل آخرون يوميًا عبر ثغرات في الجدار. هذا الواقع يسلط الضوء على فجوة واضحة بين السياسة الحكومية المعلنة التي تمنع دخول العمال الفلسطينيين، وبين التطبيق الفعلي على الأرض، الذي يتسم بتساهل وغضّ طرف إلى أن يقع حادث أمني.
التقرير يوضح أن الجيش مسؤول عن منع التسلل عبر الحدود، لكنه لا ينجح في ذلك بسبب “أولويات أخرى”، بينما تقوم الشرطة بإجراءات محدودة وغير منهجية، بحسب التقرير، تشمل إغلاق مواقع بناء أو توقيف مشغّلين في حالات فردية.
بحسب دائرة الإحصاء المركزية، بلغ عدد الشقق التي اكتمل بناؤها في سبتمبر 2025 قرابة 58 ألف شقة، وهو رقم مشابه لما كان عليه قبل الحرب. يشكل قطاع البناء 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وله تأثير مباشر وواسع على قطاعات اقتصادية أخرى.
مقالات ذات صلة: سوق العمل: فائض في أصحاب الشهادات ونقص في العمّال












