حلم الهجرة، حديث الساعة منذ سنتين في كل بيت في مجتمعنا العربي، يفتح الباب أمام عشرات الأسئلة التي تدور في ذهن كل حالم وحالمة بحياة جديدة في أوروبا أو أمريكا. ربى سمعان، النصراوية التي بدأت حياة جديدة في فرنسا تروي كيف تكون حياة المهاجر على أرض الواقع.
ربى سمعان – فيركوتر، ليل، فرنسا

بطلعلكو بيت؟ بتوخدو مساعدات من الدولة؟ كيف نظام التعليم؟ طب الشغل مضمون؟ كان لهذه الأسئلة وقع طنين مزعج على آذاني في السنوات الأخيرة. فقد طُرحت مرارًا وتكرارًا على صفحةٍ مخصّصة للمهاجرين الفلسطينيّين مواطني إسرائيل، أنشأتها شابة مقيمة مع عائلتها في السويد بهدف تشارُك تجارب وتخبّطات وتحديات المغتربين، وتقديم الاستشارة والمساعدة حيث أمكن ذلك. كثرت هذه التساؤلات خلال حرب غزة، حيث ضاقت البلاد بأهلها الأصليّين وباتوا يعيشون حالة من الخوف والفزع من مستقبل ضبابيّ، يلوح فيه من بعيد، أو ربّما من قريب، شبح سحب الجنسيّات والهويّات والتهجير القسريّ أو الطوعيّ في ظلّ استفحال العنصريّة والكراهية.
“أعمل في فرنسا، لكنّي أدفع ضرائب باهظة جدًا، ولا أسعى لنيل أيّ تسهيلات، فأنا إنسان مُنتج وفعّال ولن أسهم في ترسيخ الصورة النمطيّة التي تصوّرنا كطفيليات لاهثة وراء المسكن والإعانات.”
بانت أولى التساؤلات مشروعة ومعقولة، إلى أن أصبحت عبثيّة لِما تحمله من أوهام عن الفردوس الذي يعيشه المغترب في أوروبا أو كند أو أمريكا؛ وكأنّ هذه القارات تفتح لنا ذراعيها مرحّبةً بالعرب. كيف لا، ونحن “النخبة”- عرب إسرائيل القادرون على حجز تذكرة بين ليلة وضحاها، واستئجار شقة لثلاثة أشهر، ولسنا كسائر العرب المضطرين للهروب بقوارب الموت، أو النجاة، أو التوسّل عند أبواب السفارات للحصول على تأشيرة سائح فقط إلى أن ينتهي بهم الأمر بدون مأوى في شوارع ميلانو أو باريس.
كلا، لا توزّع علينا المساكن والإعانات في أوروبا فور استلامنا الحقائب في المطارات، ولا يتسابق المشغّلون لضمّنا إلى كوادرهم فور الترشّح لأولى الوظائف التي نجدها على لينكد-إن. كانت لإجاباتنا هذه ردود أفعال هجوميّة إلى حد كبير، ظنّا من البعض أنّنا نريد الاحتفاظ بهذه الامتيازات لأنفسنا، وحرمانهم متعة السفر والتباهي بصور الجبال المثلجة على ستوريهات انستغرام.
ولأنّ الغربة لا تقتصر على الجبال المثلجة وأسواق الميلاد والقصور والطبيعة الخلّابة، كنا نشدّد في ردودنا على تحديات الغربة التي تختلف من مكان لآخر ومن شخص لآخر ومن ظرف لآخر. لم نكن نرغب في إحباط المعنيّين بخوض تجربة الهجرة أو تجربة الانتقال المؤقت إلى خارج البلاد، ولكن تعدّد واختلاف التجارب كان كفيلًا برسم صورة أوضح، وإن كانت غير كاملة بالطبع، عن الأوجه المختلفة للعيش خارج البلاد.
لم تنتظرني فور وصولي إلى فرنسا في عام 2019 وظيفة وإعانات ومسكن مجانيّ، أولًا، لأنّي لست لاجئة أو حاملة لجواز سفر بلد منكوب، وثانيًا لأنّي لست من الفئات المؤهّلة لنيل هذه الامتيازات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة. كانت بانتظاري نماذج وأوراق ووثائق ودوائر حكوميّة وموافقات وتأشيرات ورسوم باهظة ودورة تدريبيّة عن الحياة المدنيّة والاندماج واحترام قوانين البلاد المُضيفة. لم يهتم أحد بجواز سفري “الذهبيّ”، ولم يأبه المدرّبون بأصولي، أو ثقافتي أو شهاداتي أو هواياتي، فالبرازيليّ كالفلسطينيّ، والأوغنديّ كالأرمنيّ، والروسيّ كالأردنيّ، ستوزّع على جميعهم في الـ 12 ظهرًا وجبات سريعة، وإن رفض أحد تناولها، كما فعلت في فترة حملي خوفًا من أيّ تلوّث، كان المدرّب يجيب “يمكنك أن تأخذي الوجبة إلى أحد أفراد عائلتك”، فأجيبه بغضب مكتوم، محاولةً التحكم بطبيعتي المندفعة: لم نأتِ لتسوّل الطعام منكم!

نعم، أحبّ فرنسا، وتمكّنت إلى حدٍ من من بناء حياة أسريّة واجتماعيّة ومهنيّة في هذه البلاد المضيفة، ولكنّي دفعت، وما زلت أدفع أثمانًا لإيجاد الطريق المناسب.
“سافر، ولكن إن كنت واثقًا من أنّ المكان الجديد سيضمن لك حياة كريمة.”
نعم، أعمل في فرنسا، ولكنّي أدفع ضرائب باهظة جدًا، ولا أسعى لنيل أيّ تسهيلات، فأنا إنسان مُنتج وفعّال ولن أسهم في ترسيخ الصورة النمطيّة التي ترسمنا كطفيليات لاهثة وراء المسكن والإعانات.
نعم، تجربتي مع الجهاز الصحيّ في فرنسا فاقت التوقّعات، خاصة في كلّ ما يتعلّق بالحمل والولادة والمرافقة بعد الولادة، وبضع الجراحات البسيطة، سواء على المستوى المهنيّ أو الإنسانيّ، ولكن لا يمكنني الاتصال بأيّ طبيب أو سكرتيرة طبيب لاستشارة طارئة أو تعيين موعد فوريّ كما اعتدنا في البلاد.
نعم، نتمتّع بالخصوصيّة والحدود الواضحة وقلّة البرامج الاجتماعيّة التي لا تثقل كاهلنا وجيوبنا، لكنّنا نشتاق من حين لآخر لمكالمة سريعة “شو عليكي، تطلعي نشرب إشي؟” أو “بعدك صاحية، أجيب معي فلافل وآجي عندك؟”
نعم، يمكننا التحكّم أحيانًا بالإنفاق المفرط وعدم الاهتمام بالمظاهر والعلامات التجاريّة، ولكنّنا قد نظّل غير مرئيين، فلا مجاملة ولا إطراء ولا كلمة تبعث السرور، وإن كان الأمر شائعًا إلى حد ما في شمال فرنسا، نظرًا لبساطة السكان.
نعم، أحبّ النظام التعليميّ والمساواة التي تمكّن ابنة الطبيب وابنة عامل البناء من الالتحاق بنفس المؤسّسة التعليميّة وتحمّل المصاريف وفقًا لمستوى دخل الأهل، ولكنّنا نحتاج للوقت والجهد والمبادرة لفهم الثقافة المدرسيّة وكسر الحواجز مع الأهل لمساعدة أطفالنا على الاختلاط خارج أسوار المدرسة.
نعم، تزيّن صفحات حساباتنا على إنستغرام صور الطبيعة والقصور والأنهر الخلّابة، ولكن من منّا ينشر على الملأ وثائق وتأشيرات وفواتير وأوراق ضريبيّة.
“سافر، أنت لست شجرة”، لهذه الجملة أيضًا وقع طنين مزعج على آذاني.
سافر، ولكن إن كان لديك هدف محدّد ورؤية واضحة.
سافر، ولكن بعد أن تدرس جميع الإمكانيات والفرص المتاحة أمامك.
سافر، ولكن إن كنت منفتحًا تجاه الثقافات الأخرى.
سافر، ولكن إن كنت على استعداد للمساهمة والعمل.
سافر، ولكن إن كنت واثقًا من أنّ المكان الجديد سيضمن لك حياة كريمة.
*يدعو موقع وصلة للاقتصاد والأعمال المهاجرين الفلسطينيين إلى الكتابة عن تجاربهم في العيش والعمل خارج البلاد، ويمكنكم إرسال مقالاتكم إلى هذا الإيميل: [email protected]












