
يشهد سوق النفط العالمي اضطرابًا غير مسبوق بسبب الحرب الدائرة منذ نهاية فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن العالم يواجه أكبر صدمة في إمدادات النفط في التاريخ. وتأتي هذه التحذيرات في ظل مخاوف متزايدة من ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، في وقت تحدثت فيه إيران عن احتمال وصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار إذا استمرت الحرب.
وبحسب الوكالة الدولية للطاقة، تسببت الحرب التي تدخل يومها الرابع عشر في اضطراب غير مسبوق في أسواق النفط العالمية، متجاوزة حتى أزمات السبعينيات، التي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أطرافًا فيها أيضًا، كأزمة عام 1973 عندما قطعت الدول العربية أثناء حرب أكتوبر امدادات النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل وأبرزها الولايات المتحدة، وأزمة عام 1979 بعد الثورة الإيرانية. وتعزى الأزمة الحالية بشكل أساسي إلى الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير وناقلات النفط، إضافة إلى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات لنقل النفط في العالم.
ورغم إعلان الدول الكبرى بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية نيتها ضخ ما يصل إلى 400 مليون برميل من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية في الأسواق، لم يهدئ ذلك الأسواق. فعلى العكس، ارتفعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية التي أعقبت الإعلان إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن دول الخليج اضطرت إلى خفض إنتاج النفط بنحو 10 ملايين برميل يوميًا بسبب صعوبة تصدير النفط بعد إغلاق مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، تتوقع الوكالة أن ينخفض المعروض العالمي من النفط خلال هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يوميًا، ما يعني نقصًا إجماليًا يقترب من 250 مليون برميل خلال الشهر.
ويعد إغلاق مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في الأزمة الحالية، إذ كان يمر عبره حوالي 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية خلال العام الماضي، إلا أن التدفقات عبره انخفضت الآن بأكثر من 90%. ويعني ذلك تراجعًا حادًا في الإمدادات العالمية واستنزافًا تدريجيًا للفائض في السوق، مع توقع استمرار آثار الأزمة حتى بعد إعادة فتح المضيق.
كما أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتعطل الرحلات الجوية إلى التأثير في الطلب العالمي على الطاقة. فقد خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط هذا العام بنسبة 25% ليصل إلى 640 ألف برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى تتوقعه الوكالة منذ بداية العام.

ورغم أن بعض الدول مثل السعودية والإمارات تستطيع تحويل جزء من صادراتها عبر خطوط بديلة، فإن ذلك لا يعوض بالكامل الخسارة الناجمة عن عدم المرور عبر مضيق هرمز، ما اضطر المنتجين في الخليج إلى خفض إنتاجهم بشكل جماعي.
وتشير الوكالة أيضًا إلى أن صدمة الإمدادات خفّضت توقعاتها لفائض المعروض العالمي في عام 2026 بأكثر من الثلث ليصل إلى نحو 2.4 مليون برميل يوميًا، بعد أن كانت التوقعات قبل الحرب تشير إلى فائض قياسي نتيجة زيادة الإنتاج في الأميركتين، خصوصًا في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وغيانا. كما أن إغلاق المضيق يهدد أيضًا نحو 4 ملايين برميل يوميًا من طاقة التكرير في المنطقة، في وقت قد تواجه فيه الأسواق نقصًا في إمدادات الديزل ووقود الطائرات.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت يوم الأربعاء الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية وعددها 32 دولة من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن خطة لسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. وأعلن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أن الولايات المتحدة ستطرح 172 مليون برميل من احتياطيها الاستراتيجي، لكن عملية ضخ هذه الكمية ستستغرق نحو 120 يومًا.
وفي السياق ذاته، حذّر مسؤولون إيرانيون من حدوث صدمة نفطية عالمية. وقال إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء العسكري في طهران، إن العالم يجب أن يستعد لوصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل، مخاطبًا الولايات المتحدة وإسرائيل بأن “سعر النفط يعتمد على الأمن الإقليمي الذي زعزعتما استقراره”. وأكد المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في أول خطابٍ له أمس إلى الشعب الإيراني بأنّ “مضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقًا”، مشددًا على ضرورة تحرك القوات العسكرية الإيرانية في جميع “الميادين الرخوة للأعداء والاستفادة من جميع الإمكانات لإغلاق المضيق”، مضيفًا أن بلاده “مضطرة إلى الاستمرار في ذلك”.
مقالات ذات صلة: الأكبر بتاريخها: وكالة الطاقة الدولية تضخ 400 مليون برميل نفط بالأسواق












