الأحد, مارس 15, 2026 12:51
/
/
“بلاستر نانويّ”: هكذا ابتكرت نورا علاجاً ثورياً لأخطر مضاعفات جراحة الدماغ يصل إلى غرف العمليات عالمياً

“بلاستر نانويّ”: هكذا ابتكرت نورا علاجاً ثورياً لأخطر مضاعفات جراحة الدماغ يصل إلى غرف العمليات عالمياً

أيقون موقع وصلة Wasla
366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi
وهي في الصف الثاني عشر، شاركت نورا نصير- منسّى في رحلة مدرسية إلى يوم مفتوح التخنيون للتعرف على مسارات التعليم الأكاديمي. خلال احدى المحاضرات التعريفية حول موضوع زراعة وتطوير الأعضاء والأنسجة البشرية عرضت المُحاضِرة صورة لفأر مختبر نمت على ظهره أُذن بشرية. “عندما شاهدت هذه الصورة عرفت ماذا أريد أن أتعلم” تقول نورا، المؤسِسة والمديرة التنفيذية لشركة Nurami Medical المتخصصة في تُطوير حلول بيو- تكنولوجية ثورية في مجال تطوير الأنسجة الحيوية، والتي أصبحت من الشخصيات النسائية الرائدة في عالم الابتكار والبيوتك.

نورا نصير منسّى | 39، متزوجة + 2، لقب ثاني هندسة أنسجة من معهد التخنيون، تسكن في حيفا

بدأت رحلة شركة “نورامي مديكال” التي أسستها نورا نصير منسّى من مختبر صغير في حاضنة تكنولوجية في الناصرة مع شريكها الدكتور أمير بخار عام 2014 بهدف تطوير حل لمشكلة طبية يعاني منها من يخضعون عمليات جراحية في الدماغ. لتطوير هذا الحل أمضت نورا وطاقم عمل الشركة سنوات في البحث والتطوير وسجلوا سبعة عائلات براءات اختراع قبل أن يصل منتجها الأول إلى غرف العمليات في أمريكا.

ما الذي تطوره شركتكم بالضبط؟

“نحن نطور مواد طبية تُزرع داخل الجسم أثناء العمليات الجراحية. المنتج الأول الذي طورناه هو غشاء اصطناعي يُستخدم في جراحات الدماغ ليكون بديلاً لطبقة غشاء المخ عندما تتضرر أثناء العملية. هذا يحدث كثيراً عندما يضطر الجراح إلى إزالة ورم مثلاً، فيُقص جزء من هذا الغشاء.”

ما المشكلة التي يحاول المنتج حلها؟

“المشكلة الأساسية هي تسرّب السائل النخاعي من الدماغ بعد الجراحة. إذا بقيت الفجوة في الغشاء مفتوحة، قد يتسرب السائل النخاعي إلى الخارج، وهذا قد يسبب مضاعفات خطيرة للمريض مثل التلوث أو الحاجة إلى عملية جراحية إضافية. في بعض الحلول الموجودة في السوق قد تصل نسبة التسرب إلى نحو 30% من الحالات.”

nurami
بلاستر نانوي لعلاج تسرب السائل النخاعي بعد عملية جراحة الدماغ

 

وما الذي يميز الحل الذي طورتموه؟

“الغشاء الذي طورناه مصنوع من ألياف نانوية تحاكي البيئة الطبيعية للخلايا داخل الجسم. الفكرة هي أن تشعر الخلايا المحيطة بالغشاء وكأنها في بيئتها الطبيعية، فتدخل إلى داخل الغشاء الاصطناعي وتبدأ بإعادة بناء النسيج بشكل طبيعي. في التجارب السريرية التي أجريناها لم نسجل حالات تسرب للسائل النخاعي، وهذا أحد الفروق الأساسية مقارنة بالحلول الموجودة في السوق.”

لم تبدأ القصة بخطة لإنشاء شركة، بل بمحاولة فهم مشكلة طبية. بعد انتهاء مشروع بحثي في التخنيون، بدأت نورا نصير منسّى وشريكها الدكتور أمير بحار يلتقيان بأطباء ويسألانهم عن التحديات التي يواجهونها في غرف العمليات. أحد جراحي الدماغ لفت انتباههما إلى مشكلة لم تكن في الحسبان. تقول نورا: “كنا نظن أن المشكلة الأساسية في جراحات الدماغ هي النزيف، لكن أحد الجراحين قال لنا: اتركوا النزيف جانباً، مشكلتي الحقيقية هي تسرب السائل النخاعي بعد العملية”.

بعد ذلك بدأ الاثنان عملية تحقق منهجية من حجم المشكلة. بحثا في الأدبيات العلمية، وتحدثا مع مزيد من الجراحين، وحاولا فهم الحلول الموجودة في السوق ولماذا لا تقدم حلاً كافياً. تقول نورا: “أول شيء فعلناه كان التأكد أن هذه ليست مشكلة لطبيب واحد فقط. فحصنا الدراسات العلمية وتحدثنا مع جراحين آخرين، وعندما تأكدنا أن المشكلة حقيقية بدأنا نسأل: ما الذي ينقص الحلول الموجودة اليوم في السوق؟”.

في تلك المرحلة لم تكن هناك شركة بعد. كان الاثنان يعملان في وظائف مختلفة ويلتقيان بعد ساعات العمل لمواصلة التفكير في الحل. تقول نورا: “كنا نلتقي تقريباً كل يوم بعد العمل ونجلس لنفكر: ما هو الحل الممكن؟ وكيف يجب أن يبدو المنتج الذي يمكن أن يحل هذه المشكلة فعلاً؟”. ومع الوقت تشكلت الفكرة الأولى للمنتج، وعندها قررا تحويلها إلى مشروع فعلي. في عام 2014 تقدما إلى الحاضنة التكنولوجية في الناصرة (NGT)، وهناك بدأت الشركة فعلياً العمل على تطوير التكنولوجيا وتحويل الفكرة إلى منتج طبي. “في البداية كنا شخصين فقط نفعل كل شيء، من التجارب في المختبر إلى لقاء المستثمرين وبناء نموذج العمل”.

nura amir
المؤسسان: نورا نصير منسى ود. أمير بحار

 

كم استغرق تطوير المنتج الاول قبل أن يصل إلى السوق؟

“استغرق الأمر نحو عشر سنوات. في البداية عملنا على تطوير الفكرة في المختبر، وهذه المرحلة أخذت تقريباً سنتين. بعد ذلك انتقلنا إلى التجارب قبل السريرية على الحيوانات، وهي مرحلة استمرت نحو ثلاث إلى أربع سنوات، لأننا نتحدث عن مادة تُزرع داخل الجسم ولذلك يجب اختبارها بشكل دقيق. بعد ذلك انتقلنا إلى التجارب السريرية على البشر، وهذه المرحلة استغرقت أيضاً عدة سنوات. في النهاية قدمنا كل النتائج إلى إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، وفي نهاية عام 2023 حصلنا على مصادقة تسمح لنا بتسويق المنتج في الولايات المتحدة.”

تطوير جهاز طبي يحتاج إلى تمويل كبير. كيف موّلتم الشركة خلال هذه السنوات؟

“في البداية حصلنا على تمويل من الحاضنة التكنولوجية في الناصرة بدعم من سلطة الابتكار، وهو تمويل أولي يقارب مليون دولار. بعد ذلك جمعنا استثمارات إضافية من مستثمرين أفراد وصناديق استثمار، وفي مراحل لاحقة دخل مستثمرون استراتيجيون أيضاً. خلال السنوات الماضية أغلقنا عدة جولات تمويل، واليوم يصل إجمالي الاستثمارات التي حصلت عليها الشركة إلى نحو 60 مليون دولار، جزء منها من مستثمرين وجزء من برامج دعم حكومية للبحث والتطوير”.

كيف تبدو الشركة اليوم بعد أكثر من عقد على تأسيسها؟

“اليوم نحن شركة تضم نحو 30 موظفاً من خلفيات متعددة. لم نعد فقط في مرحلة تطوير التكنولوجيا، بل أصبح لدينا أيضاً تصنيع وبيع للمنتج. المنتج الأول بدأنا تسويقه في الولايات المتحدة بعد حصوله على مصادقة FDA، وفي الوقت نفسه نواصل تطوير منتجات أخرى. لدينا حالياً منتج ثانٍ في مجال جراحات الدماغ ما زال في مرحلة التجارب السريرية، ونأمل أن يصل إلى السوق في السنوات المقبلة.”

مثل كثير من شركات التكنولوجيا الطبية، واجهت Nurami سنوات طويلة من عدم اليقين قبل الوصول إلى السوق. تقول نورا إن إحدى أصعب اللحظات كانت خلال جائحة كورونا، عندما كانت الشركة في مرحلة التجارب السريرية، وهي مرحلة مكلفة وحاسمة في تطوير أي جهاز طبي. “كنا تقريباً على آخر نفس لننهي التجارب السريرية، وفجأة توقفت التجارب بسبب جائحة كورونا وما تبعها من إجراءات وقائية جديدة”، تقول. “في تلك الفترة كانت الشركة تحرق الأموال من دون أن تتقدم خطوة واحدة، وشعرنا أننا وصلنا إلى طريق مسدود”. في النهاية تمكنت الشركة من جمع جولة تمويل جديدة في خضم الأزمة، وهو ما منحها الوقت اللازم لإكمال التجارب والوصول إلى مرحلة المصادقة التنظيمية.

هل هذا المنتج فريد من نوعه أم أن هناك منافسين في السوق؟

يوجد منافسون. الحلول الموجودة اليوم في السوق تعتمد غالباً على أغشية أو مواد إسفنجية مصنوعة من الكولاجين المأخوذ من الحيوانات، مثل الأبقار أو الخنازير. ما طورناه نحن مختلف. المادة التي نستخدمها ليست مأخوذة من الحيوانات، بل من مواد بوليمرية قابلة للتحلل داخل الجسم، وقمنا بهندستها للمرة الاولى بالسوق على شكل ألياف نانوية تحاكي بنية النسيج الطبيعي.

 وما المشكلة التي تحاولون حلها مقارنة بالحلول الموجودة؟

المشكلة الأساسية هي تسرب السائل النخاعي بعد جراحة الدماغ. في المنتجات الموجودة في السوق يمكن أن تصل نسبة التسرب إلى نحو 30% من الحالات. هذا قد يسبب مضاعفات للمريض مثل الالتهابات أو الحاجة إلى عملية جراحية إضافية. في التجارب السريرية التي أجريناها على المنتج، أظهرت النتائج عدم تسجيل حالات تسرب للسائل النخاعي. هذا هو الفرق الأساسي الذي نحاول تقديمه مقارنة بالحلول الموجودة اليوم.

بالنسبة لنورا، الطريق إلى عالم الأجهزة الطبية بدأ مبكراً. هي من الناصرة، تخرجّت من ثانوية “مار يوسف”، ثم التحقت بالتخنيون لدراسة الهندسة الطبية الحيوية. تقول إن اختيار هذا المجال جاء بعد زيارة ليوم مفتوح في التخنيون عندما كانت في المدرسة الثانوية. “أتذكر أنهم عرضوا صورة لفأر زرعوا على ظهره نسيجاً حياً في المختبر. بالنسبة لي كان هذا مذهلاً، وقلت لنفسي إن هذا هو المجال الذي أريد أن أتعلمه”.

أنهت نورا دراستها للقب الأول عام 2009، ثم واصلت اللقب الثاني في مجال هندسة الأنسجة، وهو مجال يبحث في تطوير مواد يمكن أن تحل محل أنسجة متضررة في جسم الإنسان. خلال هذه المرحلة تعرفت على التكنولوجيا التي أصبحت لاحقاً أساس شركتها، وهي تقنية تصنيع الألياف النانوية. “في ذلك الوقت لم أفكر في تأسيس شركة. كنت مهتمة بالبحث العلمي، لكن التكنولوجيا التي عملت عليها في الجامعة هي نفسها التي استخدمناها لاحقاً في الشركة”.

خلفيتك علمية بحتة. كيف دخلتِ إلى عالم ريادة الأعمال وإدارة شركة؟

في الحقيقة لم يكن هذا مخططاً له. أنا جئت من خلفية علمية وبحثية، ولم يكن لدي أي خبرة في عالم الأعمال والبزنس. بعد إنهاء اللقب الثاني في التخنيون عملت لفترة في مشروع بحثي مرتبط بالصناعة، وهناك تعرفت إلى شريكي الدكتور أمير بخار. عندما توقف المشروع قررنا أن نحاول تطوير الفكرة بشكل مستقل.

لماذا كانت الحاضنة مهمة بالنسبة لكم؟

في مجال الأجهزة الطبية لا يمكنك تطوير المنتج في البيت أو في “كراج” مثل بعض شركات التكنولوجيا. تحتاج إلى مختبر، ومعدات، وبنية تحتية مكلفة جداً. الحاضنة أعطتنا هذه الإمكانيات، إضافة إلى الدعم المهني وشبكة العلاقات التي ساعدتنا في بداية الطريق.

بعد دخول المنتج إلى السوق الأميركية، ما الخطوة التالية للشركة؟

نحن الآن في مرحلة التوسع. في البداية ركزنا على إدخال المنتج إلى عدد محدود من المستشفيات في الولايات المتحدة للحصول على ردود فعل من الجراحين والتأكد أن طريقة التسويق والتوزيع مناسبة، وكانت ردود الفعل إيجابية جداً، وهناك مستشفيات بدأت تطلب المنتج بشكل متكرر. الخطوة التالية هي توسيع النشاط التجاري في السوق الأميركية، ولذلك قمنا مؤخراً بتوسيع فريق العمل هناك ليشمل مسؤولين عن المبيعات والتسويق. في الوقت نفسه نعمل على تطوير منتج ثانٍ في مجال جراحات الدماغ ما زال في مرحلة التجارب السريرية، ونأمل أن نتمكن من إنهائها والتقدم للحصول على مصادقة FDA خلال الفترة المقبلة.

من تجربتك، ما الأخطاء التي يقع فيها كثير من المبادرين في بداية الطريق؟

أهم شيء أن يكون المبادر صادقاً مع نفسه. كثير من الناس يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، لكن بناء شركة هو عمل فريق. يجب أن تعرف ما هي الأشياء التي تجيدها، وما هي الأشياء التي لا تجيدها، وتجلب إلى الفريق أشخاصاً يكملون ما ينقصك ومع قدره لدفع رؤية ورسالة الشركه الى الامام يدا بيد.

خطأ آخر أراه كثيراً يتعلق بالعلاقة مع المستثمرين. أحياناً يرفض المبادرون الاستثمار لأن المستثمر يريد نسبة معينة من الشركة. بالنسبة لي لم يكن هذا التفكير موجوداً منذ البداية. هدفي كان أن أحصل على التمويل الذي يسمح لنا بتطوير المنتج لتحسين علاج المرضى. في النهاية، إذا بقيت تملك 100% من شركة ليس لها قيمة، فهذا لا يعني شيئاً. الأفضل أن تملك حصة أصغر في شركة تنجح وتكبر مع تأثير واسع. وأعتقد أيضاً أن بعض الشركات تفشل لأن مؤسسيها ينشغلون بالتفاصيل الصغيرة وينسون الصورة الكبيرة. التفاصيل مهمة، لكن من المهم دائماً أن تتذكر لماذا أسست الشركة ,أين تريد أن تصل واي فائدة سوف تجلبها للجراحين والمرضى .

التاء المزبوطة مبادرة، مؤثرة، قائدة 1200 x 150 px 5 scaled

مقالات مختارة