
يشغل المجتمع العربي حصة كبيرة وهامة من الجهاز الصحي في البلاد الذي يضم حوالي 200 ألف موظف، تفوق نسبة العرب من سكان إسرائيل. فنحو 27% من الأطباء والطبيبات في إسرائيل هم من العرب، وكذلك هو الحال مع الممرضين والممرضات، كما أن نصف الصيادلة والصيدلانيات تقريبًا من العرب. ومع ذلك، ورغم الادعاءات بوجود ثقافة “التعايش المشترك”، يكشف تقرير جديد لمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” عن واقع مغاير: منذ هجوم السابع من أكتوبر، يتبع الجهاز الصحي سياسة تكميم الأفواه والملاحقة، ويضطر أفراد الطواقم العرب لإخفاء هويتهم من أجل الحفاظ على وظائفهم.
يستند التقرير إلى 32 مقابلة معمقة مع موظفين عرب ويهود في الجهاز الصحي (أطباء، ممرضين، وعاملين في المهن الطبية المساندة)، وإلى استطلاع شارك فيه 310 موظف عربي خلال عام 2024، وعلى بيانات جُمعت من خلال استفسارات قُدِمَت للمستشفيات الحكومية وصناديق المرضى تستند إلى قانون حرية المعلومات.

إحدى الحالات المذكورة في التقرير هي حالة الدكتور عبد سمارة، الذي كان موظفاً قديماً وموضع تقدير في مستشفى “هشارون” في بتاح تكفا ومديراً لقسم العناية المكثفة للقلب. في أكتوبر 2023، وجد نفسه موقوفاً عن العمل وموصوماً كداعم للإرهاب، بعد أن فسر أحد زملائه بالخطأ صورة صفحته الشخصية على فيسبوك التي تعود إلى عام 2022 وتتضمن آية قرآنية على أنها تعبير عن دعم لحماس في يوم الهجوم. تدحرجت كرة الثلج بسرعة مذهلة. وبدون استيضاح الأمر منه، سارعت إدارة المستشفى بإرسال رسالة له تفيد بإيقافه عن العمل له بل وتوجهت حتى إلى الشرطة.
عمل سمارة في المستشفى لمدة 15 عاماً، وشغل منصباً رفيعاً وحيوياً من الناحية الطبية، لكن ذلك لم يشفع له. كما سارع وزير الصحة آنذاك، أوريئيل بوسو، للتعليق على الأمر أيضاً؛ حيث زعم حينها عبر منصة X دون أساس: “نشر أحد موظفي مستشفى هاشارون صورة شخصية على صفحته تتضمن علم حماس وكتب عبارات تأييد للتنظيم الإرهابي الذي ذبح وقتل بدم بارد مئات اليهود. تم إخراج الموظف من المستشفى وقُدمت شكوى للشرطة. سنواصل التعامل بعدم تسامح مطلق مع داعمي الإرهاب في جهاز الصحة”. ورغم إغلاق الملف ضده، إلا أن سمارة لم يَعُد بعد إلى المنظومة الصحية العامة.
هذه الحالة ليست سوى قمة جبل الجليد. يكشف التقرير عن عشرات جلسات الاستماع ومكالمات الاستيضاح التي أجريت في 15 مستشفى وفي جميع صناديق المرضى. على سبيل المثال، في الأسابيع الأولى للحرب، اتخذت إجراءات ضد ممرض من مستشفى “سوروكا” في بئر السبع، وتم إيقافه عن العمل بعد أن اشتكى زملائه في الطاقم من أنه “أنكر مجزرة حماس”. أوضح الممرض أنه قال إنه لم يشاهد مقاطع فيديو تظهر قطع رؤوس أطفال. وبعد الإيقاف، نُقل إلى وظيفة أخرى. كما اتخذت إجراءات تأديبية ضد طبيب من صندوق المرضى “مئوحيدت” في القدس، وتم فصله بعد أن قال لمريضة إن “هناك مصابين في الجانب الآخر أيضاً”.
في نوفمبر 2023، فُصِلَت ممرضة من مستشفى “وولفسون” في حولون بعد أن شاركت صورة للضحايا من الأطفال في غزة بجانب نص مكتوب: “بنك أهداف الجيش الإسرائيلي”. كما أُوقفت ممرضة في المركز الطبي للجليل في نهاريا، تعمل هناك منذ 20 عاماً، لمدة ثلاثة أسابيع بعد أن زعم زميل لها أنها “أثنت” على حماس في محادثة خاصة. وقد أنكرت ذلك بشدة قائلة: “قلت إنه ليس لدي مشكلة في أن يصفّوا منظمات الإجرام، فقط لا تقتلوا أطفالاً صغاراً”. وعندما أُعيدت للعمل في قسم آخر، تعامل معها زملاؤها بجفاء ونفور.

كذلك، استُدعي عامل نظافة يعمل في مستشفى “مئير” للتحقيق بعد نشر مقطع فيديو على مواقع التواصل يظهر فيه، على ما يبدو، وهو يشتم اليهود. ونشر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، حينها صورة للعامل وهو مكبل اليدين وخلفه علم إسرائيل، كما فعل في حالات أخرى في ذلك الوقت، وكتب: “كل التقدير لأفراد شرطتنا الذين وصلوا إلى داعم الإرهاب والعنصري خلال ساعات قليلة. صفر تسامح مع من يتماهى مع النازيين”.
ورغم أن موجة جلسات الاستماع قد هدأت تدريجياً، بحسب التقرير، إلا أنها خلقت حالة من الترهيب العميق. حيث أفاد موظفون عرب بأنهم باتوا يفحصون أي منشورات وضعوا عليها علامة “إعجاب” في وسائل التواصل خلال العقد الأخير، ويزنون جيداً كل عبارة يكتبونها في مجموعات “الواتساب” المتعلقة بعملهم. وبحسب إفاداتهم، باتوا أثناء تواجدهم في العمل يشعرون بأنّهم ملزمون بأن يكونوا حذرين عند فتح تطبيقات وصفحات الأخبار على هواتفهم، وبأن يلتزموا الصمت حين يتحدث زملاؤهم اليهود في مواضيع سياسية.
مأزق الولاء
يصف التقرير واقعاً تحولت فيه المستشفيات إلى ساحة معركة لـ “اختبارات الولاء” وللانقسامات بين الموظفين. بدأت العديد من جلسات الاستماع بناءً على شكاوى ضد الموظفين العرب قدّمها زملاؤهم اليهود، حيث قام بعضهم بالبحث والنبش الدقيق في حسابات التواصل الاجتماعي لزملائهم العرب. يقول أحد الموظفين العرب المشاركين في التقرير: “أنت في مأزق دائم، يجب عليك دائماً إثبات أنك ‘عربي جيد’. ينظرون إليك بنظرات مريبة ومتفحصة في اجتماعات العمل، وكأنك تخضع لتحقيق جهاز الشاباك”. وأفاد بعض الموظفين بأن زملاء يهود وجهوا لهم عبارات مثل: “على العرب أن يشكرونا لأننا نسمح لهم بالتواجد هنا”. وروت طبيبة يهودية لمعدي التقرير أن موظفات وصفن زميلة عربية بأنها “مخربة”.
في الوقت نفسه، كانت المنظومة الصحية تطالب الموظفين العرب بـ”أفعال لإثبات الولاء”: إذ روت إحدى الموظفات العربيات أن المديرة طلبت تحديداً من الممرضات العربيات تعليق أعلام إسرائيل في القسم. وتحدثت أخرى عن المطالبة بالوقوف في المراسم وحمل صور الأسرى الإسرائيليين في غزة لإثبات الولاء. كما روى بعض الموظفين أنهم وجدوا أنفسهم في معضلة عندما طُلب منهم وضع دبابيس تحمل علم إسرائيل، أو عندما يتم الدعوة في المجموعات التي تضم طواقم العمل إلى الخروج بحملات تبرع، أو تقديم هدايا أو مساعدة للجنود وزوجاتهم. وأفاد أحدهم بأن زميلة له أخبرته وهي تبكي أنه طُلب منها حمل لافتة مكتوب عليها “معاً ننتصر” والتقاط صورة بها، مباشرة بعد تلقيها خبراً بمقتل عمتها في غزة.
تناول جزء أساسي من التقرير الجهود البالغة التي بذلتها منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” للحصول على بيانات رسمية من المؤسسات. وذكر التقرير أن محاولة الحصول على صورة كاملة عن موجة جلسات الاستماع واجهت مماطلة وتستراً، وكانت المؤسسات الطبية حريصة على عدم كشف المعلومات والإحصاءات المتعلقة بإجراءاتها التأديبية. قدمت المنظمة التماسات للمحكمة ضد عدة مؤسسات، من بينها صناديق المرضى “كلاليت”، “مكابي”، و”لئوميت”، ومستشفيي “وولفسون” و”شيبا”. وبحسب التقرير، فإن المعطيات التي تم الحصول عليها من المؤسسات التي قدّمت بياناتها أظهرت ارتفاعًا في عدد الموظفين العرب الذين اتُّخذت بحقهم إجراءات تأديبية بعد أكتوبر 2023. ففي “المركز الطبي للجليل”، قفزت النسبة من 34% إلى 59%، وفي مستشفى “برزيلاي” في عسقلان، قفزت النسبة من 2.4% إلى 27%.
كانت الإجابات التي قدمتها المؤسسات لمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” جزئية ومضللة في بعض الأحيان. فقد سلم صندوق المرضى “كلاليت” البيانات فقط بعد تقديم التماس للمحكمة، وحتى حينها بدت المعلومات ناقصة. وقالت موظفة كبيرة في لواء الشمال التابع للصندوق، والتي اطلعت على التقرير الرسمي الذي يزعم عدم وجود جلسات استماع بسبب التعبير عن الرأي، لمعدي التقرير: “أنا شخصياً أعرف أكثر من عشر حالات، لقد أعطوكم فقط ما وصل إلى وسائل الإعلام”. كما أفاد مستشفى “زيف” في صفد بعدم وجود جلسات استماع لديه، لكن طبيبة من المؤسسة شهدت بوجود “طرق عديدة لتخويف وإذلال العرب” لا تُسجل كجلسات استماع رسمية.
وفي المراسلات التي كشف عنها التقرير، واصل ممثلو المؤسسات الصحية التمسك بشعارات التعايش المشترك؛ حيث كتب ممثل مستشفى “شمير” (أساف هروفيه): “يسود في مركزنا جو من التعايش المشترك… ونحن نضحك مع بعضنا البعض”. ومع ذلك، امتنعت المؤسسة في الوقت ذاته عن تسليم البيانات الكاملة حول قومية الموظفين الذين خضعوا للمحاكمات التأديبية. ويخلص التقرير إلى أن “المعلومات المتعلقة بتكميم الأفواه، يتم إسكاتها هي أيضاً”.

ازدواجية المعايير
ينبع الإحباط الرئيسي للعرب المشاركين في الاستطلاع من التطبيق الانتقائي للمادئ الأخلاقية والحياد الطبي. فبينما تم إسكاتهم، طغت النزعة القومية والعسكرية على الجهاز الصحي؛ وفي الوقت الذي تُستدعى فيه طبيبة عربية لجلسة استماع بسبب كلمة “إبادة جماعية” في منشور شخصي، نشر أطباء يهود بارزون رسالة تدعو إلى قصف مستشفى الشفاء في مدينة غزة. كما وصف أطباء آخرون الفلسطينيين بأنهم “فئران سامة” أو “مخربي المستقبل” دون أن يتعرضوا لأي عقوبة من نقابة الأطباء. يقول طبيب يهودي ورد ذكره في التقرير: “يُسمح لجانب واحد أن يقول ‘يجب قتل الجميع’، بينما الجانب الآخر الذي يحاول عرض صورة مركبة، يتم وصمه كداعم للإرهاب”.
تحدثت الدكتورة لينا قاسم حسان، وهي طبيبة عائلة من شمال البلاد وناشطة حقوقية وعضوة في منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، لصحيفة “هآرتس” قائلة إن الموظفين العرب يشعرون بأنهم غير مرئيين في المستشفيات. وأضافت: “أن يجلس اليهود والعرب في غرفة الطاقم ويأكلوا الحمص واللبنة – هذا ليس تعايشاً مشتركاً. ما يحدث فعلياً هو أنك تضطر في كثير من الأحيان للبقاء صامتاً دون إبراز نفسك. في الفضاء المشترك داخل الجهاز الصحي، لا يوجد مكان لاحتواء أو الاعتراف برواية تاريخية أخرى. القصص وجلسات الاستماع منذ بداية الحرب جعلت الناس يلتزمون الصمت، حتى عندما تفاقمت الحرب وتحولت إلى إبادة جماعية وقتل للأطفال”.
كذلك روى “د”، وهو ممرض من شمال البلاد، لصحيفة “هآرتس” عن تكميم الأفواه في الجهاز الصحي قائلاً: “لم أعد أشارك أي شيء على شبكات التواصل، أنا أعلم أن هناك أشخاصاً ينتظرون ذلك فقط، لذا خفضت نشاطي على هذه المنصات. لكن في مرحلة معينة لم أعد أستطيع الصمت أمام تجويع وموت الأطفال؛ كتبت منشوراً قصيراً عن ذلك أقول فيه إنه ليس من الإنسانية أن يموت الأطفال الصغار من الجوع، بغض النظر عن دينهم. وفي الرد، تلقيت تعليقاً من ممرضة أعرفها تعمل في قسم الخدج بأحد المستشفيات: ‘طالما أنك تتحدث عن أطفال يموتون جوعاً، فأنت بالنسبة لنا منبوذ'”.
وقالت معدة التقرير، الدكتورة شاني بار-توفيا، إن التقرير “يظهر أن الأمر لا يقتصر فقط على موجة ملاحقة غير مسبوقة، بل هي ظاهرة ما زالت تصوغ وتُشكِّل الحياة المهنية للموظفين الفلسطينيين حتى اليوم في الجهاز الصحي الإسرائيلي. لقد أُجريت عشرات جلسات الاستماع في عشرات المؤسسات، وطُلب من الموظفين مراراً وتكراراً الخضوع لاختبارات الولاء وتجنب حتى التحدث باللغة العربية. وفي الوقت الذي يقدم فيه كبار مسؤولي الجهاز الصحي المنظومة الصحية على أنها منارة للمساواة والتعايش المشترك، يشعر الكثير من الموظفين الفلسطينيين أنهم، على وجه التحديد، قد تُركوا في الظلام. إن الخطوة الأولى نحو المساواة هي الاعتراف بأن المساواة ببساطة غير موجودة”.










