أثارت حادثة الرحلة FZ1073 التابعة لشركة «فلاي دبي»، التي كانت في طريقها من دبي إلى تل أبيب وعلى متنها نحو 180 إسرائيليًا، موجة من التساؤلات الأمنية والاقتصادية في إسرائيل، بعدما غيّرت الطائرة مسارها وأرسلت إشارة طوارئ ثم رمزًا يشير إلى احتمال وقوع عملية خطف، قبل أن تهبط اضطراريًا في السعودية. وبينما لم تتضح بعد جميع ملابسات الحادث، تحدثت تقارير إسرائيلية عن مواجهة عنيفة بين الطيارين داخل قمرة القيادة وإصابتهما، فيما يجري فحص احتمال أن يكون أحدهما حاول إسقاط الطائرة عمدًا.
وتناولت الصحافة الإسرائيلية الحادث من زوايا مختلفة؛ من تأثيره الفوري في شركات الطيران الإسرائيلية، والاعتماد المتزايد على شركات الطيران الخليجية، إلى الأسئلة التي قد يثيرها بشأن آليات الرقابة والأمان في «فلاي دبي» ومكانة قطاع الطيران في اقتصاد دبي.

ارتفاع الطلب على الشركات الإسرائيلية
في هذا الصدد، ذكرت صحيفة «ذا ماركر» أن الساعات التي أعقبت الحادث شهدت ارتفاعًا في الطلب على رحلات شركات الطيران الإسرائيلية، بالتوازي مع ارتفاع أسهمها في بورصة تل أبيب، حيث صعد سهم «يسرائير» بنحو 8.8%، وسهم «الـ-عال» بنحو 7.9%. ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ظل عدم السماح حاليًا لشركات الطيران الإسرائيلية بتسيير رحلات إلى دبي، رغم استمرار الإقبال الكبير للإسرائيليين على السفر إليها.
وأعلنت «إل عال»، في أعقاب الحادث، أنها تلقت عددًا كبيرًا من الطلبات من إسرائيليين موجودين في الخارج يرغبون في العودة إلى البلاد على متن رحلاتها، بمن فيهم مسافرون غادروا إسرائيل أصلًا مع شركات طيران أخرى. وقالت إنها ستطلق خدمة عبر «واتساب» لحجز رحلات من مختلف الوجهات التي تعمل فيها، كما تستعد لتسيير طائرة من بانكوك إلى إسرائيل خلال الأيام المقبلة لإعادة إسرائيليين موجودين في تايلاند.
من جانبه، دعا المدير العام لشركة «أركيع»، عوز برلوفيتش، إلى السماح مجددًا لشركات الطيران الإسرائيلية بتسيير رحلات إلى دبي، معتبرًا أنه لا ينبغي أن يعتمد أحد أهم الخطوط وأكثرها حساسية بالنسبة إلى المسافرين الإسرائيليين بصورة شبه كاملة على شركات أجنبية. وشدد على أن مطلب الشركات الإسرائيلية لا يتمثل في إبعاد الشركات الأجنبية عن هذا الخط، بل في خلق توازن ومنافسة تتيح للمسافر الإسرائيلي الاختيار، مضيفًا أن المسألة، من وجهة نظره، لا تقتصر على المنافسة والأسعار، بل تنطوي أيضًا على أهمية استراتيجية وأمنية.
وفي وقت سابق، أفادت مصادر إسرائيلية للصحيفة بأن إشارة الطوارئ أُطلقت إثر مواجهة جسدية بين الطيارين، لكن مصدرًا إسرائيليًا قال للصحيفة لاحقًا إن احتمال أن تكون للحادث خلفية إرهابية لم يُستبعد، وإن السلطات تفحص ما إذا كان أحد الطيارين قد حاول إسقاط الطائرة.
اعتماد متزايد على شركات الخليج
وأفادت صحيفة «غلوبس» بأن الحادث أعاد إلى الواجهة حجم اعتماد الإسرائيليين على شركات الطيران الخليجية، في وقت لا يسمح فيه جهاز «الشاباك» للشركات الإسرائيلية بالهبوط في الإمارات بسبب ما يصفه بـ«مخاطر أمنية».
وبحسب الصحيفة، تحتل «فلاي دبي» و«الاتحاد للطيران» المرتبتين السادسة والسابعة بين شركات الطيران من حيث عدد المسافرين في مطار بن غوريون منذ بداية العام. فقد سافر نحو 423 ألف مسافر مع «فلاي دبي»، ونحو 333 ألفًا مع «الاتحاد»، لتستحوذ الشركتان معًا على نحو 7% من حركة المسافرين في المطار. ويمثل ذلك ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالفترة من يناير إلى أغسطس 2023، حين بلغ عدد المسافرين مع «فلاي دبي» من مطار بن غوريون نحو 218 ألفًا، مقابل 76 ألفًا فقط مع «الاتحاد».
وتسير «فلاي دبي» عشر رحلات يوميًا بين تل أبيب ودبي، فيما تسير «الاتحاد» ست رحلات يوميًا بين تل أبيب وأبو ظبي. ويعتمد الكثير من المسافرين الإسرائيليين على الإمارات كنقطة عبور لمواصلة السفر إلى وجهات أخرى. وقال اللواء في الاحتياط غيورا آيلاند، الرئيس السابق لشعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، في حديثه مع الصحيفة إن دبي أصبحت خلال السنوات الأخيرة بديلًا مهمًا لإسطنبول كبوابة للإسرائيليين إلى الشرق، بعد تراجع العلاقات مع تركيا.
وأضاف أن «فترة من الأسئلة الصعبة» ستبدأ الآن، متوقعًا تراجعًا في الطلب الإسرائيلي على الرحلات إلى دبي وعبرها. وقال إن إسرائيل والإمارات ستحتاجان إلى الاتفاق على إجراءات واضحة وملزمة بشأن هوية الطيارين وجنسياتهم، والشروط التي تحكم عملهم على الرحلات بين البلدين.

«أركيع»: خسائر بمليون دولار شهريًا
وكشفت الصحيفة أن المدير العام لشركة «أركيع»، عوز برلوفيتش، كان قد أرسل في بداية سبتمبر رسالة إلى رئيس «الشاباك»، دافيد زيني، طالب فيها باستئناف الرحلات الإسرائيلية إلى دبي. وذكر برلوفيتش في رسالته أن الجهات الأمنية في إسرائيل تنتظر التوصل إلى اتفاق بين البلدين ينظم المسائل الأمنية المتعلقة بالرحلات، لكنه أشار إلى أن من غير الواضح ما إذا كانت لدى الإمارات مصلحة في الإسراع في التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، في ظل استفادة شركات الطيران الإماراتية من الوضع القائم.
وأشارت «أركيع» إلى أن خط دبي يشكل خطًا رئيسيًا بالنسبة إليها، وأنها بنت عليه جدول رحلاتها وخصصت له طائرات وباعت تذاكر سفر. وكان من المخطط، بحسب الشركة، تسيير نحو 60 رحلة شهريًا إلى المنطقة خلال موسم الشتاء. وتقدّر الشركة أن كل شهر يستمر فيه توقف الخط خلال الشتاء يكبدها خسائر بنحو مليون دولار، وتصفه بأنه «أهم خطوط الشركة في هذا الموسم».
وفي حديثه إلى الصحيفة عقب الحادث، قال برلوفيتش إن ما جرى يعزز، من وجهة نظره، أهمية عودة شركات الطيران الإسرائيلية إلى دبي، معتبرًا أن تشغيل الخط بصورة شبه كاملة من جانب شركات أجنبية ليس وضعًا مناسبًا على المدى الطويل.

هل يؤثر الحادث في خيارات المسافرين؟
في المقابل، قدّم الدكتور عوزي فرويند-فاينشتاين، خبير الطيران والمسؤول البارز في قسم إدارة السياحة والفندقة في أكاديمية كنيرت، موقفًا أكثر تحفظًا بشأن أهمية عودة شركات الطيران الإسرائيلية إلى خط الإمارات. وقال للصحيفة إن معظم حركة الطيران بين إسرائيل ودول الخليج تعتمد حاليًا على الشركات الأجنبية، وخصوصًا الشركات الإماراتية، التي تملك أفضلية لأنها تتيح للمسافرين الوصول إلى دبي أو أبو ظبي ثم مواصلة رحلاتهم منها إلى وجهات أخرى بأسعار منخفضة نسبيًا.
وأضاف أن الحادث قد يدفع بعض الإسرائيليين إلى تجنب السفر مع هذه الشركات قدر الإمكان. وأوضح أن الطائرة، فور دخولها المجال الجوي لدولة أجنبية، تصبح خاضعة لإدارة سلطات الطيران في تلك الدولة. وإذا واجهت خطرًا أو أعلنت حالة طوارئ، تتولى أجهزة مراقبة الحركة الجوية هناك متابعة وضعها، ويمكنها إرسال طائرات لمرافقتها واتخاذ الإجراءات اللازمة لمساعدتها على الهبوط بأمان. وأشار إلى أن قواعد الطيران الدولية تلزم الدول بمساعدة أي طائرة تهبط اضطراريًا في أراضيها، حتى إذا كان ركابها أو طاقمها يحملون جنسية دولة لا تربطها علاقات دبلوماسية بالدولة التي هبطت فيها الطائرة.
اختبار يتجاوز رحلة واحدة ويطرح أسئلة هامة
وركزت صحيفة «كالكاليست» على البعد الأوسع للحادث، معتبرة أنه لا يتعلق بسلامة رحلة واحدة فقط، بل قد يثير أسئلة بشأن الرقابة والثقة في شركة طيران حكومية تعمل في قطاع يشكل أحد الأعمدة الرئيسية لاقتصاد دبي. وانتقدت الصحيفة اكتفاء «فلاي دبي» بعد ساعات من الحادث، بالإعلان أن الرحلة FZ1073 شهدت «حادثًا خلال الرحلة»، وأنها هبطت بسلام في تبوك وأن جميع الركاب بخير، دون إزاحة الغموض عمّا حدث بالفعل أو التعليق على ما ورد في تقارير الصحافة الإسرائيلية.

وتعتقد الصحيفة أن أهمية الحادث تنبع أيضًا من مكانة «فلاي دبي» نفسها. فالشركة ليست شركة طيران صغيرة أو هامشية، بل شركة مملوكة لحكومة دبي، وتشكل جزءًا مهمًا من قطاع الطيران في الإمارة. ويرأس الشركة الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، الذي يرأس أيضًا مجموعة «طيران الإمارات».
وفي عام 2025 سافر على متن طائراتها نحو 15.7 مليون مسافر إلى 140 وجهة، وشغّلت أكثر من 126 ألف رحلة، وبلغت إيراداتها نحو 3.7 مليارات دولار وصافي أرباحها نحو 531 مليون دولار. وكانت «فلاي دبي» أول شركة طيران من دبي تبدأ تسيير رحلات تجارية منتظمة إلى تل أبيب بعد اتفاقية التطبيع بين البلدين، في نوفمبر 2020، ولذلك يكتسب أي حادث أمني على هذا الخط حساسية إضافية.
وربطت الصحيفة الحادث أيضًا بالمكانة المركزية لقطاع الطيران في اقتصاد دبي. فقد استقبل مطار دبي الدولي 95.2 مليون مسافر في عام 2025، فيما تستثمر الإمارة نحو 35 مليار دولار في توسيع مطار آل مكتوم، مع خطط لرفع قدرته الاستيعابية إلى 150 مليون مسافر سنويًا خلال العقد المقبل. وترى الصحيفة أن هذه المعطيات تفسر لماذا قد تتجاوز تداعيات الحادث شركة «فلاي دبي» نفسها، إذ يعتمد جزء مهم من مكانة دبي الاقتصادية على صورتها كمركز آمن وموثوق للسفر والتجارة والاستثمار.
ولفتت «كالكاليست» إلى أن «فلاي دبي» تتمتع عمومًا بسجل سلامة جيد نسبيًا، وأن أخطر حادث في تاريخها وقع عام 2016، حين تحطمت الرحلة FZ981 في روسيا وقُتل 62 شخصًا. لكن الصحيفة شددت على أن الأمر سيكون مختلفًا إذا أثبت التحقيق الحالي أن أحد أفراد الطاقم تصرّف بعدوانية متعمدة داخل قمرة القيادة. ففي هذه الحالة، سيتمد التحقيق إلى كيفية اختيار الطيارين ومتابعتهم، وإجراءات العمل داخل قمرة القيادة، ومدى قدرة الشركة على اكتشاف المخاطر المرتبطة بأفراد الطاقم أنفسهم.
كما أثارت الصحيفة تساؤلًا بشأن جنسية مساعد الطيار. وأوضحت أن تشغيل «فلاي دبي» طيارين من جنسيات مختلفة أمر طبيعي، لكن إذا تأكد أن أحد أفراد الطاقم عُماني، فقد يُطرح سؤال بشأن عمله على متن رحلة متجهة إلى مطار بن غوروين، في ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وعُمان.










