
عندما وصل كامل جبارين (42 عامًا)، من مخيم شعفاط، إلى مركز الاقتراع في مدرسة عبد الله بن الحسين بحي الشيخ جراح، فوجئ بأعداد الناخبين. “كان هناك عدد كبير من الناس، بعضهم انتظر قرابة ساعتين للإدلاء بصوته. وكان هناك أيضًا مستوطنون حاولوا فتح أحاديث مع الناخبين وجرّهم إلى مشادات، لكننا حرصنا على عدم الانجرار وراء الاستفزازات”.
لم يكن جبارين ينوي أصلًا المشاركة في انتخابات الكنيست الأخيرة. فقد سبق له أن صوّت مرة واحدة، عندما تشكّلت القائمة المشتركة للمرة الأولى، لكنه لم يخطط للتوجّه إلى صناديق الاقتراع هذه المرة. ويقول: “أشخاص أعرفهم شجّعوني على التصويت. في النهاية ذهبت مع زوجتي، ثم اصطحبت ابني أيضًا”. منح جبارين صوته للقائمة العربية الموحدة.
“الوضع في القدس صعب جدًا، وعلينا أن نحاول تغييره”، يقول جبارين. ويضيف أن هذه هي المرة الأولى التي يلمس فيها تأييدًا اجتماعيًا واسعًا للمقدسيين الذين يقررون المشاركة في انتخابات الكنيست. ويقول: “ربما تكفّر لنا هذه المشاركة عن إثم حصولنا على الجنسية الإسرائيلية”.

لم تكن مشاركة جبارين حالة استثنائية في انتخابات الكنيست الأخيرة. فقد أدلى أكثر من 10 آلاف فلسطيني من القدس الشرقية بأصواتهم، في أعلى نسبة مشاركة منذ عام 1967. وبحسب معطيات نُشرت في وسائل الإعلام، بلغت نسبة التصويت في حي صور باهر 56%، مقارنة بـ16% في انتخابات عام 2022. أما في صناديق الاقتراع بمدرسة عبد الله بن الحسين، حيث صوّت جبارين، فقد بلغت نسبة المشاركة 53%، مقابل 16% في الانتخابات السابقة. وحصدت القائمة المشتركة أكثر من 80% من الأصوات.
معظم الفلسطينيين في القدس الشرقية يحملون صفة الإقامة الدائمة، التي لا تمنحهم حق التصويت للكنيست. ووفقًا لتقرير مراقب الدولة الصادر عام 2019، كان نحو 22 ألف فلسطيني من سكان القدس الشرقية يحملون الجنسية الإسرائيلية. ومع ذلك، لا يوضح التقرير عدد من تجاوزوا سن الثامنة عشرة من بينهم ويحق لهم التصويت. ويشكّل ذلك تحولًا حقيقيًا في مدينة ظلّ التصويت في انتخابات الكنيست فيها من المحظورات السياسية والاجتماعية على مدى عقود.
بين كسر المقاطعة التاريخية والتصدّي لليمين المتطرف
منذ عام 1967، دأب أصحاب حق الاقتراع في القدس الشرقية على مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية بصورة واسعة ومتواصلة، سواء انتخابات الكنيست أو الانتخابات البلدية، التي يحق أيضًا لجميع سكان القدس الشرقية ممن يستوفون شروط الاقتراع المشاركة فيها. ونظر كثير من المقدسيين إلى المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها شكلًا من أشكال الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المدينة. وعلى مدار السنوات، دعت حركات سياسية فلسطينية إلى مقاطعة الانتخابات، وكانت المشاركة فيها تُعرّض أصحابها أحيانًا للانتقاد ولتحمّل ثمن اجتماعي. لكن في الانتخابات الأخيرة، يبدو أن شيئًا ما بدأ يتغيّر في هذا الموقف.
بالنسبة إلى جبارين، كان الدافع الأساسي وراء قراره التصويت هو إبعاد أحزاب اليمين المتطرف عن الحكم. “الكراهية تجاه العرب تتزايد يومًا بعد يوم. وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها حتى الأطباء العرب متهمين بتسميم المرضى. سياسات بن غفير وسموتريتش، وما يحدث للفلسطينيين في الضفة الغربية، جعلتني أشعر بأن عليّ أن أفعل شيئًا”.
ماذا تتوقع من أعضاء الكنيست العرب أن يفعلوا من أجل المقدسيين؟
“أول شيء، أن يغيّروا تعامل الشرطة معنا. نحن نتعرض لمضايقات، وهناك أشخاص اعتُقلوا بحجة أنهم كانوا ينوون تنفيذ عمليات، رغم أنه، بحسب معرفتي، لم تكن لديهم مثل هذه النية”.
ويطالب جبارين أعضاء الكنيست العرب أيضًا بالعمل على منع إقامة الصلوات اليهودية في المسجد الأقصى. وهو يعمل في جمعية “كلنا مقدسيون”، وقد صوّت للقائمة العربية الموحدة لاعتقاده بأن تجربة منصور عباس في الائتلاف الحكومي تمنح حزبه أفضلية في التعامل مع الأحزاب اليهودية والقدرة على تحقيق إنجازات ملموسة.
أما سارة (اسم مستعار)، وهي منسّقة برامج من شعفاط، فقد شاركت في انتخابات الكنيست للمرة الأولى في حياتها. حصلت سارة على الجنسية الإسرائيلية قبل نحو أربع سنوات، وقررت هذه المرة منح صوتها للقائمة المشتركة. وتقول: “أشعر أنهم يمثلوننا، ويعبّرون عن مواقفنا وعن المشاكل التي تشغل أهل القدس. حتى طريقتهم في الحديث قريبة منا، سواء من حيث الأفكار التي يطرحونها أو اللغة واللهجة التي يتحدثون بها. أشعر أنهم صوتنا في الكنيست”.

لكن بالنسبة إلى سارة، لا تقتصر أهمية التصويت على القضايا التي تمس حياة المقدسيين، بل تأمل أن يتمكن التمثيل العربي في الكنيست من التأثير أيضًا على أوضاع الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتقول: “أتمنى أن يتمكن أعضاء الكنيست العرب من تخفيف الضغوط التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، وأن يكشفوا عن أوضاعهم. هناك عائلات لا تعرف منذ سنوات ما حلّ بأبنائها، ولا تعرف حتى ما هي ظروفهم داخل السجون. وأتمنى أيضًا أن يعملوا على إعادة العمال الفلسطينيين إلى العمل في إسرائيل. أوضاعهم صعبة جدًا”.
“القدس ليست الأقصى فقط”
داود عليان، محامٍ من بيت صفافا. وهو بخلاف كثيرين من سكان القدس الشرقية، يشارك في انتخابات الكنيست منذ سنوات. وقد منح صوته هذه المرة أيضًا للقائمة العربية الموحدة، رغم إدراكه أن أعضاء الكنيست العرب لا يستطيعون تغيير الواقع في القدس من جذوره. “أنا أصوّت لأنني لا أرى أمامي خيارًا آخر. لا أريد أن أرى بن غفير يركب جرافة ويهدم بيوت الفلسطينيين، كما حدث في سلوان”. ويضيف أن القيود المفروضة على رفع الأذان في القدس الشرقية، ومنعه في بعض الحالات، كانت أيضًا من الأسباب التي دفعته إلى التصويت. ويقول: “أنا أبحث عن نتائج، وليس فقط عن خطابات. أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة يصعدون إلى المنبر، يتحدثون عن حقوقنا ويقتبسون أشعار محمود درويش. لكن ماذا يستفيد الناس من كل هذا؟ أنا لا أقول إنهم لم يفعلوا شيئًا، لكن بعد كل هذه السنوات، حان الوقت لتجربة نهج مختلف. أحمد الطيبي موجود في الكنيست منذ 27 عامًا، وأعتقد أن الوقت حان ليفسح المجال لغيره”.
ويقول عليان إنه عمل لسنوات في القطاع الصحي بالقدس، بما في ذلك صناديق المرضى وافتتاح أقسام طبية جديدة، وشاهد عن قرب أثر الميزانيات التي خُصصت للمجتمع العربي خلال مشاركة القائمة العربية الموحدة في الائتلاف الحكومي. ويضيف: “رأيت ما يمكن تحقيقه عندما تعمل من داخل الحكومة. أريد أن تنعكس السياسة على حياة الناس، وألّا تبقى مجرد شعارات”.
ويضيف: “أتوقع من أعضاء الكنيست العرب أن يهتموا بالقضايا التي تشغلنا في حياتنا اليومية: مخططات البناء، والميزانيات، والجريمة، ومشاكل السكان الذين يُطلب منهم باستمرار إثبات أن مركز حياتهم في القدس. الناس يعيشون في خوف من فقدان إقامتهم. لا أتوقع من أعضاء الكنيست أن يحلّوا جميع المشاكل، لكن على الأقل أن يحاولوا التخفيف عنا”. وفي السياق ذاته، يعود كامل جبارين إلى التأكيد على ضرورة اهتمام أعضاء الكنيست العرب بالمشاكل اليومية للمقدسيين. ويقول: “أعرف أن القائمة المشتركة ترى في القدس عاصمة فلسطين المستقبلية، لكن هذا لا يعفيها من مسؤولية الاهتمام بالناس الذين يعيشون هنا اليوم. نحن بحاجة إلى مدارس جيدة، وحدائق عامة، وأحياء خالية من المخدرات، والمزيد من تراخيص البناء. القدس ليست الأقصى فقط”.

لكن المشاركة في انتخابات الكنيست، بالنسبة إلى الفلسطينيين في القدس الشرقية، لا تتعلق فقط بالتمثيل السياسي وتحسين ظروف الحياة، بل تمس أيضًا هويتهم الوطنية وما تعنيه المشاركة في مؤسسات الحكم الإسرائيلي. يحيى السيد (31 عامًا)، من البلدة القديمة بالقدس، ويقيم حاليًا في أبو غوش، منح صوته للقائمة المشتركة. وهو يرى في المشاركة بالانتخابات وسيلة للتعامل مع الواقع القائم، وليس تعبيرًا عن القبول به. ويقول: “أنا فلسطيني، وتصويتي للكنيست لا يغيّر من هويتي، ولا يعني أنني أقبل بالواقع السياسي القائم. في النهاية، القرارات التي تُتخذ في الكنيست تؤثر بشكل مباشر على حياتنا، وعلى قضايا البناء والخدمات وحقوقنا الأساسية. فلماذا لا نستخدم الأدوات المتاحة لنا لنحاول التأثير في هذه القرارات؟”.
ويؤكد السيد أنه يتفهم أيضًا موقف الذين يختارون مقاطعة الانتخابات. ويقول: “أنا أحترم قرارهم والأسباب التي دفعتهم إليه. لكنني أرى أن التصويت هو إحدى الوسائل لإسماع صوتنا، من دون أن نتنازل عن مواقفنا الوطنية”. أما عليان، فيطرح موقفًا أكثر تعقيدًا، ويقول: “أخشى أن ندفع على المدى البعيد ثمن هذه المشاركة من هويتنا الفلسطينية. لكن ما البديل المتاح أمامنا اليوم؟ نحن بحاجة إلى الدفاع عن حقوقنا، وليس لدينا ما يكفي من الوسائل لتحقيق ذلك”. ويشير إلى أن المواقف متباينة حتى بين رجال الدين في القدس: “أعرف رجال دين يعتبرون أن من لا يصوّت يرتكب إثمًا، وآخرين يرون أن المشاركة في الانتخابات نفسها حرام وإثم”.
في المقابل، يعارض بلال أحمد (اسم مستعار)، من سكان البلدة القديمة في القدس، المشاركة في الانتخابات، ولم يسبق له أن أدلى بصوته في انتخابات الكنيست. “أنا لا أؤمن بأن الكنيست يمكن أن يمثلنا أو يعبّر عن تطلعاتنا الوطنية. الامتيازات التي قد نحصل عليها من خلال التصويت هي امتيازات وهمية، وقد ندفع مقابلها ثمنًا باهظًا في المستقبل”، يقول أحمد.
وينتقد أحمد أيضًا أعضاء الكنيست العرب، الذين يرى أنهم لم يولوا قضايا القدس الشرقية ومشاكل سكانها الاهتمام الكافي على مدار السنوات الماضية. لكن معارضته للمشاركة تتجاوز ذلك إلى موقف مبدئي: “عندما نشارك في الانتخابات، فإننا نساعد إسرائيل على تقديم نفسها أمام العالم كدولة ديمقراطية، في الوقت الذي ترتكب فيه إبادة جماعية. أنا لا أريد أن أكون شريكًا في ذلك”.
اختبار الانتخابات البلدية: هل يمتدّ التحوّل إلى بلدية القدس؟
تثير التحولات الكبيرة في أنماط المشاركة وارتفاع نسبة التصويت في انتخابات الكنيست تساؤلًا رئيسيًا بشأن انعكاساتها المحتملة على الانتخابات المقبلة لبلدية القدس. وفي هذا السياق، ثمة فارق قانوني جوهري بين الانتخابات البلدية وانتخابات الكنيست؛ فبينما تشترط الأخيرة حمل الجنسية الإسرائيلية، يتيح القانون للفلسطينيين الذين يحملون صفة الإقامة الدائمة أيضًا التصويت في الانتخابات البلدية.
وتتمتع هذه الشريحة السكانية بثقل انتخابي كبير؛ إذ قُدّر عدد الفلسطينيين الحاصلين على الإقامة الدائمة في القدس عام 2024 بنحو 250 ألف شخص، يشكّلون نحو 36% من إجمالي أصحاب حق الاقتراع في المدينة. ورغم هذه النسبة الكبيرة، ظلّت نسبة مشاركتهم في انتخابات البلدية منخفضة للغاية، ولم تتجاوز نحو 2% في الانتخابات السابقة.
يرى يحيى السيد أن ارتفاع نسبة التصويت في انتخابات الكنيست قد يشجّع على المشاركة أيضًا في الانتخابات البلدية. ويعتقد أن المقاطعة تركت آثارًا سلبية واضحة على واقع المدينة، مشيرًا إلى أن غياب التمثيل الفلسطيني في مجلس البلدية ينعكس بصورة خاصة على إهمال البنية التحتية والخدمات في أحياء مثل كفر عقب وشعفاط وقلنديا. ويتوقع السيد حدوث تحوّل في مواقف السكان المحليين، قائلًا: “سيعيد المزيد والمزيد من المقدسيين النظر في مسألة المشاركة في الانتخابات البلدية، خصوصًا أن التصويت فيها لا يتطلب الحصول على الجنسية الإسرائيلية. فالناس يدركون مدى أهمية وجود ممثل لهم في مراكز صنع القرار، وهذا لا يعني أننا نتخلى عن هويتنا الفلسطينية”.

في المقابل، لا يرى بلال أحمد أن هناك بالضرورة ارتباطًا بين التصويت في انتخابات الكنيست والمشاركة في الانتخابات البلدية. ويقول: “أعتقد أن الذين صوّتوا في انتخابات الكنيست أرادوا إثبات أمرين؛ الأول للدولة، وهو أنهم مواطنون يمارسون حقوقهم تمامًا كما يؤدون واجباتهم، وكأنهم يقولون للحكومة: لقد حصلنا أخيرًا على الجنسية، ونريد أن نُظهر أننا مواطنون كاملو الحقوق والواجبات. أما الأمر الثاني، فهو أنهم يريدون إقناع الجمهور العربي بأنهم يؤدون دورًا وطنيًا من خلال التصويت لإبعاد نتنياهو وآخرين عن الحكم. ومن الممكن أن يصوّت الذين شاركوا في انتخابات الكنيست في الانتخابات البلدية أيضًا، وربما ينضم إليهم عدد إضافي من الناخبين، وربما يكون العدد أقل”.
يُنشر هذا التحقيق بالعبرية في موقع “شومريم”











