
“في إطار السياسة التي أقودها، تطبّق الشرطة الإسرائيلية القانون بشأن مخالفات الضوضاء الصادرة عن المساجد في جميع أنحاء البلاد… منذ توليت منصبي غيّرت السياسة المتبعة”، كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في منشور على منصة “إكس”. يكشف تحقيق أجراه “وصلة” عن نتائج هذا التغيير على أرض الواقع، إذ رصد موجة غير مسبوقة من عشرات المخالفات التي حُرّرت بحق مساجد في بلدات عربية، من بينها مخالفات سُجّلت دون قياس مستوى الضوضاء، وخارج ساعات الحظر القانونية، واستنادًا إلى بنود لا تنطبق على الوقائع المعنية، وبأسماء أشخاص لم يشغّلوا مكبّرات الصوت أصلًا.
يتولى الشيخ مسعد أبو غانم إمامة مسجد الزيتونة في الرملة منذ سنوات طويلة. لكن ما حدث معه خلال العامين الأخيرين كان غير مسبوق، إذ اكتشف ذات يوم أنه مطالب بدفع آلاف الشواكل بسبب 23 مخالفة حُرّرت على خلفية رفع الأذان من المسجد. ولم يتسلّم أبو غانم هذه المخالفات، ولم يُبلَّغ بها بصورة مباشرة، بل اكتشفها مصادفة في صفحته الشخصية على الموقع الحكومي. غير أنه ليس مؤذّن المسجد أصلًا، ويقول إنه لم يكن موجودًا فيه في بعض المواعيد التي سُجّلت فيها المخالفات باسمه.
ويقول أبو غانم: “لم يحضر أي شرطي للتحقق ممن شغّل نظام مكبّرات الصوت أو من رفع الأذان، لكن المسؤولية أُلقيت عليّ شخصيًا لمجرد أنني مسجّل لدى السلطات بصفتي إمام المسجد”. وحدث ذلك رغم خفض مستوى صوت مكبّرات الصوت مرارًا، إلى درجة أن المصلّين بدأوا يشتكون من عدم سماع الأذان، ورغم أن الشرطة نفسها لم ترصد أي تجاوز في فحص سابق، بحسب قوله. وهكذا وجد أبو غانم نفسه مطالبًا بدفع غرامات عن أذان لم يرفعه، والاستعانة بمحامٍ للتعامل مع سيل من المخالفات التي لا يعرف متى ستتوقف. ويقول: “نعيش في توتر دائم. أصبحت أفكّر بالفعل في المخالفة المقبلة: من أين سأدفع أتعاب المحامي، ومن أين سأدفع الغرامات؟”

“واقع لا نقبل به”
حالة الشيخ مسعد أبو غانم ليست مجرد واقعة محلية استثنائية أو خلاف محدود بشأن مستوى صوت مسجد واحد. فقد رصد التحقيق الذي أجراه “وصلة”، استنادًا إلى مخالفات وغرامات وشهادات أئمة ومسؤولين عن مساجد، ما لا يقل عن 38 مخالفة على خلفية رفع الأذان، خلال فترة قصيرة، في ثماني بلدات عربية ومدن مختلطة. ويُظهر التحقيق أنه إلى جانب الانتشار الجغرافي الواسع، يتكرر نمط واحد في تسجيل المخالفات، إذ تُحرّر بصورة متتالية بأسماء أئمة أو مسؤولين لا يرفعون الأذان بأنفسهم، دون تحذير واضح أو فحص موثّق لمستوى الصوت، وأحيانًا حتى بعد خفض المساجد صوت مكبّراتها. ويشير تراكم هذه الحالات وتكرار النمط نفسه إلى أنها ليست حوادث عشوائية، بل جزء من موجة واسعة من إجراءات إنفاذ القانون بحق المساجد.
وفي يافة الناصرة، يقول الشيخ خالد أحمد محمود، إمام المسجد القديم، إن المخالفتين اللتين تلقاهما هما الأوليان من نوعهما منذ بدأ العمل في وزارة الخدمات الدينية عام 1988. وبحسب قوله، لم تُجرِ الشرطة أي فحص، ولم تتواصل مع القائمين على المسجد قبل تسجيل المخالفتين. ويقول: “لم تأتِ الشرطة يومًا لتقول لنا إننا نُحدث ضوضاء أو إن علينا خفض مستوى صوت مكبّرات الصوت. طوال هذه السنوات لم نتلقَّ أي مخالفة، إلى أن تلقّينا المخالفتين الأخيرتين”.

وفي حيفا، سُجّلت خمس مخالفات على خلفية رفع الأذان في مسجد الاستقلال باسم كايد خطبا، رغم أنه ليس إمامًا أو مؤذّنًا في المسجد. ويقول: “ليس لدي أي منصب رسمي في المسجد. أنا ناشط في لجنة خيرية، لكنني لست مؤذّنًا ولا إمامًا”. وبحسب قوله، استجاب القائمون على المسجد في السابق لتوجّهات الشرطة وخفضوا مستوى الصوت، مضيفًا: “كانوا يتصلون بي من الشرطة، وكنت أحضر اجتماعات معهم، وكنا نخفض مستوى الصوت، لأن هدفنا ليس الدخول في مواجهة مع أي طرف”. لكن خطبا قرر هذه المرة عدم دفع الغرامات، وطلب إحالة المخالفات إلى المحكمة، قائلًا: “لم أدفع، لأن الدفع يعني الإقرار بالمخالفات، وهذا ما نرفضه رفضًا قاطعًا”.

وفي عكا، يصف سليم نجمي، رئيس لجنة أمناء الوقف الإسلامي، تزايد المخالفات بأنه تطور تتجاوز أبعاده مسألة قيمة الغرامات. ويقول: “ما يحدث يثير لدينا قلقًا عميقًا، ليس بسبب قيمة المخالفة بحد ذاتها، بل لأن الأذان يتحوّل إلى هدف لملاحقة متكررة، وإلى وسيلة للضغط على المساجد والمسؤولين عنها”. وبحسب نجمي، دفعت اللجنة في السابق إحدى الغرامات لتجنّب تفاقم التوتر في المدينة، لكنها غيّرت موقفها بعدما استمر تسجيل المخالفات. ويضيف: “عندما أصبحت المخالفات أمرًا متكررًا، أدركنا أن الصمت والدفع في كل مرة قد يُفسَّران على أنهما قبول بواقع لا نقبل به. لذلك قررنا الاعتراض على المخالفات وطرح القضية أمام المحكمة”.

ماذا يقول القانون؟
لا يحظر القانون رفع الأذان بحد ذاته، لكنه لا يستثنيه من الأنظمة المتعلقة بالضوضاء. وتحظر هذه الأنظمة إحداث ضوضاء باستخدام مكبّرات الصوت في المناطق السكنية بين الساعة 14:00 و16:00، وبين الساعة 23:00 و07:00. وخلال هذه الساعات، يمكن تحرير مخالفة حتى دون قياس مستوى الصوت بالديسيبل، لكن الشرطة تبقى ملزمة بإثبات توقيت سماع الصوت ومكانه ومصدره، وهوية الشخص المسؤول عن تشغيله.
يُرفع الأذان في المساجد خمس مرات يوميًا، في أوقات تتغيّر تبعًا لشروق الشمس وغروبها. ويُرفع أذان الفجر في ساعات الصباح الباكر، قبل شروق الشمس، ولذلك يقع ضمن ساعات الحظر، التي يمكن خلالها تحرير مخالفة دون الحاجة إلى إثبات تجاوز مستوى محدد من الضوضاء بالديسيبل.
خارج ساعات الحظر، لا يُعد رفع الأذان بحد ذاته مخالفة قانونية. أما إذا استندت الشرطة إلى تجاوز مستوى الضوضاء الحد المسموح به لتحرير مخالفة، فيتعين عليها إجراء قياس لمستوى الصوت وفقًا للأنظمة المعمول بها، إذ لا يكفي الاعتماد على الانطباع الشخصي وحده. وعليه، فإن تحرير مخالفة دون إجراء هذا القياس، ودون الاستناد إلى أساس قانوني آخر، يثير تساؤلات جدية بشأن قانونيتها.
“خفضنا الصوت إلى درجة بات من الصعب معها سماع الأذان”
في ضوء هذه القواعد، تشير شهادة خليل شدافنة، المفتش في قسم الطوائف والأديان بمنطقة الناصرة والمروج، إلى تغيير منهجي في أسلوب تطبيق القانون. ويقول: “في منتصف عام 2025، أجرت الشرطة جولة على معظم المساجد، وطلبت رقم بطاقة الهوية ورقم هاتف كل إمام. لم يخطر ببالنا أن وراء ذلك سوء نية”. وبعد بضعة أشهر، بحسب قوله، بدأت التحذيرات، ثم تلتها المخالفات. وخفضت مساجد عديدة مستوى صوت مكبّراتها، لكن ذلك لم يوقف إجراءات الشرطة. ويضيف: “في بعض الأماكن خفضنا الصوت إلى درجة أن سكان البلدة لم يعودوا يسمعون الأذان. ورغم ذلك، أُرسلت مخالفات دون قياس مستوى الصوت، ودون الحضور إلى المسجد أو التحقق ممن رفع الأذان. وفي بعض الحالات، لم يكن التوقيت المسجّل في المخالفة حتى موعدًا للصلاة”.

والتغيير الذي يصفه شدافنة يؤكده عمليًا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير نفسه. فقد كتب في منشور نشره مؤخرًا على منصة “إكس“: “الأمر لا يقتصر على تل السبع. في إطار السياسة التي أقودها، تطبّق الشرطة الإسرائيلية القانون بشأن مخالفات الضوضاء الصادرة عن المساجد في جميع أنحاء البلاد. طوال عقود، جرى تجاهل هذه الظاهرة. ومنذ توليت منصبي غيّرت السياسة المتبعة”. وكان بن غفير أكثر صراحة خلال مؤتمر انتخابي، إذ قال: “للمرة الأولى منذ 40 عامًا، بدأوا في عهدي بتحرير مخالفات لهم… اليوم تُحرَّر مخالفات لعدد كبير جدًا من المؤذنين، واليوم تصادر الشرطة منهم مكبّرات الصوت”.

لا يُعد قرار تشديد إجراءات إنفاذ القانون مخالفًا للقانون بحد ذاته، لكن كل مخالفة يجب أن تستوفي الشروط التي يحددها القانون، وأن تستند إلى فحص ملابسات كل حالة على حدة. وهنا تظهر الفجوة بين السياسة المعلنة وتطبيقها على أرض الواقع. ففي مخالفتين سُجّلتا في الرملة، ورد التوقيتان 11:30 و16:17، رغم أن البند القانوني الذي استندتا إليه يتعلق بساعات الحظر. وفي مخالفة سُجّلت في يافة الناصرة، استُخدم بند قانوني يتعلق بأجهزة الإنذار، رغم أن الواقعة المنسوبة إلى متلقي المخالفة كانت رفع الأذان. كما سُجّلت مخالفات أخرى بأسماء أئمة وأعضاء لجان لم يشغّلوا مكبّرات الصوت، بل إن بعضهم لم يكن موجودًا في المسجد أصلًا.
وجاء في رد وزارة حماية البيئة:
“تعمل وزارة حماية البيئة والشرطة الإسرائيلية على إنفاذ القانون الرامي إلى منع الإزعاج الناجم عن الضوضاء. وتُحرَّر الغالبية العظمى من الغرامات، بما فيها الغرامات المتعلقة بالضوضاء الصادرة عن دور العبادة، على أيدي أفراد الشرطة، وفقًا لصلاحياتهم وسلطتهم التقديرية. وتُفحص طلبات إلغاء الغرامات أو طلبات المحاكمة من جانب مدّعٍ، بصورة متساوية، ودون تمييز على أساس الدين أو القومية أو هوية الشخص أو مصدر الضوضاء.
بين الساعة 00:00 و06:00، يقيّم الشرطي مستوى الضوضاء من عنوان مقدّم الشكوى، ولا يُشترط إجراء قياس لمستوى الصوت من أجل تحرير الغرامة. أما في الساعات الأخرى، فتُجري الوزارة قياسات عندما يُشتبه في تجاوز مستويات الضوضاء المسموح بها”.
وبحسب الوزارة، سُجّلت في البلاد 14,008 غرامة على مخالفات تتعلق بالضوضاء، خلال الفترة من الأول من يناير حتى 31 يوليو 2026. ومن بينها، فُرضت 7,961 غرامة بسبب الغناء أو الصراخ أو تشغيل أجهزة صوت بين الساعة 00:00 و06:00. وأوضحت الوزارة أن الغرامات الـ33 التي شملتها المراسلة الموجّهة إليها تندرج ضمن هذه الفئة، وتشكل 0.4% من إجمالي الغرامات فيها. وأضافت أن 85% من الغرامات ضمن هذه الفئة سُجّلت بحق أشخاص يحملون أرقام هويات مختلفة. وترى الوزارة أن هذه المعطيات تنفي وجود إنفاذ انتقائي للقانون.
وجاء في رد هاتفي من الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية: “نعمل على فحص الموضوع”.











