
للمرة الثانية على التوالي، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء الضربة العسكرية الكبيرة التي كانت مقررة ضد إيران، والتي كان متوقعًا أن تستهدف منشآت الطاقة والمفاعلات النووية، بعد ضغوط من السعودية ودول خليجية أخرى. وبحسب تقرير لصحيفة غلوبس، قاد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الضعوط على ترامب لوقف الهجوم، خشية تنفيذ إيران تهديداتها باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، بعد أن نشرت وسائل إعلام إيرانية أهدافًا سيضربها الحرس الثوري في دول الخليج ردًّا على الهجوم الأمريكي المزمع.
وأثار التهديد الإيراني باستهداف منشآت الطاقة قلقًا كبيرًا لدى دول مجلس التعاون الخليجي، التي تنتج 23.2% من النفط العالمي، ما يعني أن تنفيذ تلك التهديدات كان سيعرض قرابة ربع إمدادات النفط العالمية للخطر. وللمقارنة، أشار التقرير إلى أن حقول الغاز الإسرائيلية تمثل 0.63% فقط من الإنتاج العالمي، مقابل 4% لقطر، وهو ما يفسر تمحور المخاوف الدولية حول منشآت الطاقة في دول الخليج.
وأدى تصاعد التوتر إلى ارتفاع سعر خام برنت إلى قرابة 100 دولار للبرميل قبل أكثر من أسبوع، قبل أن يتراجع إلى 80 دولارًا تقريبًا ثم يعاود الارتفاع. وأضاف التقرير أن الوجود العسكري الأميركي لم يبدد مخاوف دول الخليج، في وقت أظهرت دراسة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تراجع مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت الاعتراضية من 2,330 إلى 1,030 مع وقف إطلاق النار في 8 أبريل، ثم إلى 759-827 صاروخًا حتى 27 يوليو، فيما انخفض مخزون منظومة THAAD من 452 إلى 234-278 صاروخًا.
وتواجه السعودية أسوأ أزمة اقتصادية منذ جائحة كورونا، بعدما انكمش اقتصادها 4.8% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، نتيجة تراجع قطاع النفط 24.7%، بينما بلغ نمو القطاعات غير النفطية 0.6% والخدمات الحكومية 0.9%. كما وجدت المملكة نفسها أمام جبهتين في آن واحد، مع إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام صادراتها النفطية إلى آسيا، ومنع الحوثيين عبور سفنها عبر باب المندب، ما حدّ بشدة من قدرتها على تصدير النفط وزاد احتمالات اندلاع مواجهة شاملة مع الحوثيين. ورغم أن ارتفاع أسعار النفط ساهم في تقليص العجز المالي السعودي من 125.7 مليار ريال في الربع الأول إلى 34.3 مليار ريال (9.1 مليارات دولار) في الربع الثاني، فإن الحرب أجبرت المملكة على خفض إنتاجها النفطي من 10.1 مليون برميل إلى 6.6 مليون برميل يوميًا. كما استهدف الحوثيون منشآت تابعة لشركة أرامكو، بينها منشأة في ينبع، التي كانت تتيح تصدير 4.19 مليون برميل يوميًا، ما يهدد بحرمان السعودية من الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط. ولذلك، فإن أي ضربة جديدة لمنشآتها النفطية كانت ستهزّ اقتصادها المتأثر أصلًا منذ بداية الحرب الأمريكية على إيران.
في المقابل، استفادت الإمارات من موقع ميناء الفجيرة الواقع خارج مضيق هرمز، وحولت إليه أكبر قدر ممكن من صادراتها النفطية، ما رفع إنتاجها إلى 4.1 مليون برميل يوميًا في يونيو، بحسب وكالة الطاقة الدولية. كما أعلنت إنشاء محطتين إضافيتين في الميناء، وتعمل شركة “أدنوك” على إنشاء خط أنابيب جديد سيضاعف قدرة تصدير النفط عبر الفجيرة من 1.7 مليون برميل يوميًا. لكن رغم ذلك، تعرض الميناء للعدة هجمات خلال الحرب على إيران في مارس، ما أدى لتعطيل الانتاج النفطي فيه، وهو ما كان سيتكرر في حالة تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جديد.
أما قطر، فتقود جهود الوساطة مع إيران والولايات المتحدة حفاظًا على مصالحها الاقتصادية، إذ تعتمد بصورة كبيرة على صادرات الغاز الطبيعي. وكانت قد تجاوزت أستراليا عام 2025 لتصبح ثاني أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم بحصة 18.7% من التجارة العالمية، فيما بقيت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى بحصة تقارب 25%. لكن إيران قصفت في مارس مجمع رأس لفان، المسؤول عن 17% من صادرات الغاز القطرية، وأعلنت الدوحة أن إعادة تشغيله قد تستغرق خمس سنوات، كما فعّلت بند “القوة القاهرة” في عدد من عقود الغاز المبرمة. وإلى جانب اعتماد صادراتها بالكامل على مضيق هرمز، تخشى قطر فقدان أسواقها في الهند والصين إذا طال أمد الأزمة، رغم سماح إيران بعبور ناقلة غاز قطرية واحدة عبر المضيق.
وسجلت سلطنة عُمان، التي لا تعتمد على مضيق هرمز بفضل إطلالتها على بحر عُمان والبحر العربي، زيادة 10.6% في إنتاج النفط خلال النصف الأول من العام ليصل إلى 198 مليون برميل، أي ما يعادل 1.1 مليون برميل يوميًا، فيما ارتفعت صادراتها 2.4% إلى 155.2 مليون برميل. وأشار التقرير إلى أن السلطنة تستفيد من ارتفاع الإنتاج والأسعار معًا، ولا تستبعد إدارة مشتركة لمضيق هرمز مع إيران مستقبلًا، حيث تشرف محافظة مسندم على المضيق، وهي أراضي عمانية واقعة خارج دولة عمان نفسها ومحاطة بالأراضي الإماراتية. وتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العُماني 3.7% خلال عام 2026، بعد نمو 2.4% في 2025، كما أكدت وكالة S&P Global أن موقع السلطنة يسمح لها بتصدير النفط والغاز دون انقطاع، مع بقاء احتمال تعرضها لهجمات إيرانية قائمًا، حيث هاجمتها إيران في بداية الحرب، لكن نصيبها من الهجمات الإيرانية كان الأقل من بين دول المنطقة، نظرًا للعلاقات الوثيقة بين الجانبين.
وفيما يتعلق بالكويت، تعرّضت الإمارة الصغيرة لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أصابت محطات كهرباء ومطارات وموانئ ومنشآت تصدير النفط ومحطات تحلية المياه. وانخفض إنتاجها النفطي من 2.5-2.58 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى 1.2 مليون في مارس، ثم إلى 560-580 ألف برميل يوميًا في أبريل ومايو، قبل أن يتعافى جزئيًا إلى 1.65 مليون في يونيو. ويشكل النفط 42% من الناتج المحلي الكويتي، ما يجعل هذه الخسائر ضربة اقتصادية قاسية.
وترى الصحيفة أن البحرين هي الأكثر خشية من أي تصعيد، مشيرةً إلى اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الملك حمد بن عيسى آل خليفة والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بشأن التطورات الإقليمية. وتعتمد البحرين بصورة كبيرة على الحماية الأميركية، ولا سيما وجود مقر الأسطول الخامس، في ظل أغلبية سكانية شيعية تبلغ 70% تحكمها أسرة سنية، إلى جانب محدودية مواردها الطبيعية، إذ تمثل 1% من إنتاج النفط و1.5% من إنتاج الغاز الطبيعي في دول مجلس التعاون الخليجي. ويضيف التقرير أن إيران سعت على مدى سنوات إلى دعم مجموعات موالية لها داخل البحرين، معتبرة المملكة هدفًا استراتيجيًا مستقبليًا.









