
على مدار أربعين عاماً، كان كلّ ما على موسى جربان أن يفعله ليعيل أولاده هو النزول إلى شاطئ جسر الزرقاء، وتشغيل قارب الصيد للخروج به إلى البحر، ثم العودة بما يجود به البحر في ذلك اليوم. أحيانًا كان يحالفه الحظ فيعود بكمية من الأسماك تُباع بمئات الشواكل، وفي بعض الأحيان كان يعود خالي الوفاض. لكن في العامين الماضيين، سُلِبَ منه مصدر رزقه هذا، بعد أن احتجزت السلطات قاربه على إثر اتهامه بالصيد خلال فترة الحظر – وهي تهمة ينفيها جربان- ومنذ ذلك الحين، كما يقول، انهارت سلسلة الحياة التي بناها حول البحر: الصيد، المطعم الصغير، والقدرة على العودة إلى المنزل ولو بدخلٍ يسير لسدّ رمق أسرته. “القارب هو لقمة عيشنا”، يقول. “لمّا صادروه مني، صادروا مصدر رزقي”.
“لما أقول إنو البحر سكّر في وجوهنا، فأنا بعني الي بحكيه بالحرف… لما تتطلّع عالبحر من الشط بتفكرو مفتوح، بس في الواقع هو مقسم إلى حدود: هون ممنوع، هناك منقدرش نقرّب، وفي النص بتتقلّص المساحة الباقية إلنا للصيد أكتر فأكتر”
يتحدّث يوسف نعيم هو الآخر عن قاربه كما لو كان فرداً من العائلة، فقد وُلِد لعائلة من الصيادين في جسر الزرقاء، وورث المهنة عن والده وإخوته. “خِلِقِت بالبحر”، يقول، لكنّ قاربه هو الآخر محتجز لدى السلطات. “طلعت أصيد واعترضني قارب مفتشين سلطة الطبيعة والحدائق وأبلغوني إني متواجد في محمية طبيعية ممنوع الصيد فيها. شرحتلهم إنو مش مزبوط الحكي هاد بس عالفاضي، صادروا القارب والمعدات، وقدّموا ضدي لائحة اتهام وأجبرتني المحكمة أدفع 18 ألف شيكل فش عندي أي قدرة على دفعها، عشان هيك حجزوا القارب وضل عندهم”.

في جسر الزرقاء، القرية الفلسطينية الساحلية الوحيدة التي بقيت بعد النكبة، وإحدى أفقر البلدات في البلاد (العنقود الاجتماعي-الاقتصادي 2 من أصل 10) – المجاورة لإحدى أغنى البلدات في البلاد، قيسارية – شكّل الصيد على مدى أجيال قطاعًا مزدهرًا لكسب الرزق، ومصدر للغذاء ومكوناً أساسياً في هوية وثقافة سكان القرية. وبحسب سامي العلي، الأمين العام لـ”منظمة الصيد البحري” وصياد من أبناء القرية، كان واحد من كل خمسة من سكان جسر الزرقاء يعمل في الصيد كمصدر رزق رئيسي حتى نهاية الستينيات، ونحو 40% من الأسر كانت تعتمد عليه كمصدر غذاء رئيسي. وكان الصيد يتم آنذاك في البحر، وفي مصب وادي التماسيح وفي المستنقعات المحيطة بالقرية. ومنذ ذلك الحين، نما عدد سكان البلدة إلى ثلاثة أضعاف – حيث يقطنها اليوم نحو 16 ألف نسمة – إلا أن عدد الصيادين تراجع اليوم إلى بضعة عشرات فقط.

“أنا بقول لك 60 حتى أعطيك رقم كامل ومتفائل شوي”، يقول العلي. “رسمياً، في 60 صياد في القرية معهم رخصة صيد، ولكن عملياً في 32 صياد بشتغلوا فعليًا في هذا القطاع كمصدر دخل أساسي. الباقي بحمل رخصة بس بمارسوا الصيد لتحقيق دخل إضافي لأنهم ببساطة استسلموا بسبب الصعوبات والتحديات من كل اتجاه اللي يمكن تفكر فيها، بس ما بتنازلوا عن الصيد لأنه بالنسبة إلنا إرث وجزء من هويتنا وروايتنا“.
إحدى الشهادات الصارخة على انهيار الصيد في جسر الزرقاء تأتي من حمامة جربان، الصيادة المحترفة الوحيدة في البلدة، والتي تقول إنها أيضًا الصيادة الوحيدة في البلاد. حمامة ابنة عائلة صيادين عريقة: فوالدها، جميل “المختار”، كان صياداً ومُنقذاً معروفاً في القرية، وقد نشأت على الشاطئ بين القوارب وشباك الصيد، وقضت صباها في السباحة وركوب الأمواج. “سألت حالي ليش لازم يكون الصيد مهنة للرجال فقط”، تقول حمامة، وتضيف: “بما أني ربيت في البحر، ليش ما أصير صيادة أنا كمان؟”.
وتؤكد حمامة أن ما يحدث اليوم للصيادين في جسر الزرقاء يقطع صلة الجيل الشاب بالبحر. “زمان، كان الأطفال والأولاد يطلعوا مع أهاليهم عالقوارب، بتعلموا رمي الشبك، وقراءة البحر والمواسم. الي بصير اليوم مش بس بأثّر على مصدر رزقنا، هو كمان ضربة لإرثنا الفريد كقرية صيادين”.

“شو ضلّلنا؟ هون ممنوع، وهناك منقدرش نقرّب”
لم تبدأ أزمة قطاع الصيد في جسر الزرقاء في يوم واحد، ولم تنجم عن عامل واحد، فهي نتيجة لعدة تراكمات: دولة لم تستثمر في هذا القطاع ولم تنشئ له بنية تحتية أساسية؛ وسلطات تخطيط حوّلت القرية إلى منطقة خاضعة لقيود تسودها حالة من عدم اليقين؛ وإصلاحات وأنظمة شددت شروط العمل في البحر؛ وتقليص مستمر لمناطق الصيد. “لما أقول إنو البحر سكّر في وجوهنا، فأنا بعني الي بحكيه بالحرف”، يقول العلي. “الصياد الي بطلع من جسر الزرقاء مش ممكن ببساطة يختار جهة ويرمي شباكه. من الشمال في عتليت، وفي مناطق بالبحر مُعرفة كمنطقة عسكرية وممنوع نقرّب منها. وبمنطقة الطنطورة في صيادي الفريديس، وهذا مكان عملهم. ومن الغرب، على بعد عشر كيلومترات داخل البحر، في منصات الغاز، وهناك في قيود كمان. ومن الجنوب محطة الطاقة في الخضيرة، وكمان ممنوع نقرّب منها. طيّب.. شو ضلّلنا إحنا؟ لما تتطلّع عالبحر من الشط بتفكرو مفتوح، بس في الواقع هو مقسم إلى حدود: هون ممنوع، هناك منقدرش نقرّب، وفي النص بتتقلّص المساحة الباقية إلنا للصيد أكتر فأكتر”.
“في الماضي كان في محلّات نروح عليها للصيد بشكل عادي، وما حدا كان يسألنا شو منسوي هون”، يروي موسى جربان الذي صودر قاربه. “اليوم، إذا تواجدت في مناطق معينة في البحر، بصادروا منك قاربك وبغرموك. مناطق كاملة أصبحت ممنوعة”. وبحسب جربنا، فإن الفجوة بين ما كان عليه الوضع قبل عام 2016 وبين الوضع اليوم واضحة: “وقتها كنا ندخل البحر ونعود بحال أفضل. الرزق كان أفضل، وكان هناك وفرة أكبر. اليوم الخير أقل، وتشديد السلطات أقسى بكتير”.
“الناس بتساءلو: ليش لما بدنا نسوي إشي في جسر الزرقاء بكنش مسموح، بينما كل شي بمشي تمام في معجان ميخائيل؟”
جاء في رد صادر عن سلطة الطبيعة والحدائق أن “السلطة تنفذ إجراءات إنفاذ قانون الصيد وفقاً للصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون. أنظمة الصيد تقع ضمن صلاحيات وزير الزراعة والأمن الغذائي. للاستفسار عن أنظمة الصيد التي تقيّد الصيد بالقرب من أنابيب الغاز، ينبغي التوجه إلى وزارة الزراعة والأمن الغذائي”.

“لم نعارض تنظيم القطاع”
في كلّ حديث مع أهالي جسر الزرقاء، يَرِدُ ذكر عام 2016. ففي حين تقول وزارة الزراعة إن هذا هو العام الذي دخلت فيه حيز التنفيذ الإصلاحات التي تهدف إلى تنظيم قطاع الصيد، وتقليص الضرر الواقع على النظام البيئي البحري، وحماية الثروة السمكية، وإتاحة إدارة أكثر مسؤولية لمورد محدود؛ فإن هذا العام بالنسبة لصيادي جسر الزرقاء هو العام الذي تحول فيه البحر من مصدر رزق شاق، لكنهم اعتادوا عليه كجزء من حياتهم، إلى مساحة تقيّدها الرخص، وأوامر المنع، والغرامات، ومواسم الإغلاق، والقيود على أنواع الأسماك المسموح صيدها، والقيود على ساعات العمل، والخوف الدائم من مصادرة المعدات والقوارب.
“ما عارضنا مبدأ التنظيم”، يؤكد العلي. “على مدى سنوات طلبنا من وزارة الزراعة تنظيم مواسم الصيد زي دول أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط. طلبنا تكون هناك فترة بتقلَّص فيها الصيد أو نستخدم فيها أساليب تقليدية وأكثر استدامة. لكن فقط لمّا طالبت المنظمات البيئية بالحظر، استجابت الوزارة فورًا. وبحسب الأنظمة الجديدة، يمكن للمسؤول الرئيسي عن قطاع الصيد يختار من الفترة الممتدة بين أبريل ويونيو، من 60 لـَ71 يوم، أي تقريبًا شهرين، ويعلنها فترة ممنوع فيها الصيد بحجة أنها موسم التكاثر”.
ويؤكد العلي، أنّه بعد كلّ هذه القيود -من فترات الحظر، إلى القيود الموسمية، إلى حظر الصيد الليلي، وحتى القيود على مناطق الصيد- فإنّ أيام الصيد الفعلية في السنة قد تقلّصت بشكل كبير. ويقدّر العلي أنه لم يتبقَ للصيادين سوى ما يزيد قليلاً عن مئة يوم صيد فعلي في السنة، ويشكو من غياب التعويض من الدولة للصيادين: “بحرمونا من حق أساسي ومن حرية مزاولة العمل المكفولة بموجب قانون أساس لمدة شهرين، من دون ما يعطونا تعويض ثابت ومناسب”.
جاء في رد وزارة الزراعة: “عندما تتوفر معلومات جديدة تتعلق بالميدان، تجري الوزارة تعديلات تنظيمية بهدف الحفاظ على التوازن بين حماية الثروة السمكية وبين استمرار نشاط قطاع الصيد التجاري والترفيهي. هكذا على سبيل المثال، وبناء على المعلومات والمعرفة المتراكمة، مُنحت في موسم التكاثر هذا العام تسهيلات لم تكن موجودة في سنوات سابقة، وذلك بالتعاون مع مجتمع الصيادين. حيث سُمح بالصيد بأساليب معينة وفي مناطق تبين أنه يمكن فيها تقليص الضرر الواقع على الأنواع التي تمر بفترة تكاثر، مع الحفاظ على أهدافنا المتمثلة في حماية هذا القطاع واستمرار نشاطه”.

الصيادون يطالبون بتنظيم لمدة 49 عامًا، والدولة مستعدة لنصف المدة
لا تقتصر أزمة الصيد في جسر الزرقاء على أعماق البحر. فالقرية نفسها، التي تشكل نقطة انطلاق الصيادين من البر إلى عملهم، وتشكّل المكان الذي تُحفظ فيه القوارب والشباك والمعدات، وتشكّل حيّزًا تطوّر فيه اقتصاد الصيد المحلي على مدى أجيال، تحولت هي الأخرى إلى إحدى ساحات الصراع مع السلطات.
فعلى سبيل المثال، قبل نحو عام ونصف نشر موقع “شومريم” تحقيقًا يُظهِر أن جسر الزرقاء طلبت في عام 2016 من وزارة الداخلية نقل أراضٍ من كيبوتس معجان ميخائيل إليها، بما في ذلك مساحة تبلغ 215 دونمًا تضم بركتي أسماك يديرهما الكيبوتس. وقد طلبت القرية هذه الأرض لأغراض التطوير الاقتصادي، ومن بين ذلك تخصيص مكان تستطيع نساء القرية إقامة مشاريع صغيرة فيه والعمل بالقرب من أماكن سكنهن. إلا أن ممثلي الكيبوتس رفضوا الطلب بحجة أن “برك الأسماك تشكل مصدر رزق هام لمعجان ميخائيل”.
بيّن ذلك التحقيق أيضًا أنه في عام 2023 وحده بلغت أرباح مصنع البلاستيك “بلاساون” (פלסאון) التابع للكيبوتس نحو 128 مليون شيكل – أي أكثر من مئة ضعف أرباح بركتي الأسماك – وأنه في وقت لاحق، وافق الكيبوتس على تجفيف جزء من إحدى برك الأسماك تبلغ مساحته نحو 50 دونماً، عندما طلب إقامة مئات الوحدات السكنية الإضافية.
حينها انتقد العلي، في حديث مع “شومريم” هذا “التناقض الأخلاقي: من جهة بحكوا عن مصدر رزق ومن جهة أخرى بجففوا برك الأسماك لصالح البناء. بعد ما تخلّصوا من تهديد إنو ناخد منهم أراضي، سمعنا فجأة أنهم بدهم يبنوا على برك تانية في الكيبوتس. الناس عنا بتساءلوا ليش لما بدنا نسوي إشي في جسر الزرقاء بكنش مسموح، بينما كل شي بمشي تمام في معجان ميخائيل؟”.

لم تكن تلك المرة الوحيدة التي تصطدم البلدة فيها بجدار من العقبات، وهو ما يؤكده العلي قائلًا: “في عام 2015، أجانا مسؤولين من سلطة الطبيعة والحدائق وعرضوا علينا مخطط أقرّوه عام 2010”. كان المخطط يقضي بتحويل منطقة قرية الصيادين إلى محمية طبيعية تديرها جمعية حماية الطبيعة. ويضيف: “كان معنى المخطط تحويل المنطقة الممتدة من مصب نهر التماسيح وحتى شاطئ السباحة إلى حديقة وطنية. بالنسبة إلنا كان الإشي بعني تغيير كاملًا لكلّ قواعد اللعبة؛ فقرية الصيادين التي كانت موجودة هون من عشرات السنين تحولت فجأة إلى منطقة بديرها طرف ثاني”.
ولم يقتصر النضال ضد المخطط على المستوى التخطيطي فقط. ففي إطار المواجهة مع السلطات، جرى هدم عدد من مخازن وأكواخ الصيادين. ويروي العلي: “اقتحموا القرية بأعداد كبيرة، أكثر من 200 شرطي ومعهم آليات ثقيلة، وهدموا مخزني ومخزن والدي، وكل شي في المخزنين”.

واليوم، لم يعد الصراع في جسر الزرقاء يدور أساسًا حول أوامر الهدم، بل حول مسألة التسوية الدائمة لوضع المنطقة. فبعد أن نجح الصيادون، بحسب قولهم، في إحداث تغيير في المخطط الأصلي والحفاظ على الأكواخ القائمة، نُفذت في المكان أعمال بنية تحتية شملت شق طرقات، وتوفير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات. إلا أن الأكواخ ما زالت غير موصولة بهذه البنى التحتية، كما أن الاتفاق النهائي مع السلطات لم يُوقَّع بعد.
وتتمحور نقطة الخلاف الرئيسية حول مدة الحقوق التي ستُمنح للصيادين. فهم يطالبون بتسوية تمتد 49 عامًا، بينما تقول سلطة أراضي إسرائيل، بحسب العلي، إنها مستعدة لمنحهم 25 عامًا مع إمكانية التجديد. وبالنسبة للصيادين، فإن الفارق ليس مجرّد تفصيل ثانوي؛ إذ يؤكدون أنه من دون ضمان طويل الأمد لا يمكن الاستثمار في القرية، أو تطوير مشاريع اقتصادية مرافقة، أو ضمان بقاء الصيد جزءًا من الحياة الاقتصادية والنسيج الاجتماعي والتاريخي لجسر الزرقاء.

بقية الردود:
جاء في رد وزارة الزراعة: “هدفت الإصلاحات التي أُدخلت على قطاع الصيد عام 2016 إلى تنظيم إدارة الثروة السمكية في إسرائيل، والحد من الضرر الذي يلحق بالنظام البيئي البحري، وضمان استدامة قطاع الصيد على المدى الطويل. وفي إطار ذلك، جرى للمرة الأولى تنظيم قطاع الصيد بصورة شاملة؛ إذ نُظمت رخص الصيد، ووُسعت المناطق المحظور فيها الصيد، وخُفضت جهود الصيد، وجرى تقليص أسطول السفن التي تصيد بطريقة الجرّ* وإبعاده عن الشاطئ، كما يُمنَع صيد الجرّ سنويًا خلال فترة تجمّع الأسماك الصغيرة. ونتيجة لذلك، تحقق تقدم ملموس في حماية الأنواع المحمية، ومنها السلاحف البحرية وأسماك القرش والشفنينيات والهامور. وتواصل الوزارة اليوم العمل على تطوير قطاع الصيد في إسرائيل، مع التركيز على تحسين محصول الصيد وتعزيز اليقين والاستقرار لدى جمهور الصيادين”.
وجاء في رد سلطة الطبيعة والحدائق: “تعمل سلطة الطبيعة والحدائق بتعاون وثيق مع مجتمع الصيادين في إسرائيل بهدف تحسين العلاقة بين جهات الإنفاذ والرقابة وبين الصيادين الذين يشكل البحر مصدر رزقهم. وترحب السلطة بأي انتقاد، وهي منصتة تصغي لمشكلات الصيادين”.
*الصيد بالجرّ: هو أسلوب صيد تُسحب فيه شبكة كبيرة خلف القارب أو السفينة لجمع الأسماك من قاع البحر












