
تصادف اليوم الذكرى السنوية الأولى لقمة شرم الشيخ لـ”إنهاء الحرب” في غزة، ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة لإعادة إعمار القطاع تصل إلى 71 مليار دولار خلال عشر سنوات، لا تزال وعوده حبرًا على ورق، بينما يواصل سكان القطاع مواجهة الجوع والنزوح والقصف الإسرائيلي. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «إيكونوميست»، يواجه «مجلس السلام» الذي أسّسه ترامب للإشراف على إعادة الإعمار نقصًا في التمويل وعقبات تفرضها إسرائيل أمام تنفيذ المشاريع. وللمفارقة، بلغت تكلفة تقديم الوجبات المجانية للعاملين في مقر المجلس بمدينة كريات غات 9 مليون دولار خلال ستة أشهر، وهو مبلغ يكفي لتشغيل 1,800 مطبخ مجتمعي يقدّم الطعام للجائعين في غزة.
وكان ترامب قد أنشأ «مجلس السلام» قبل عام، بمشاركة قادة دوليين، للإشراف على خطط إعادة إعمار غزة وتطويرها. ووصف يوم الإعلان عن الخطة -التي ظلّت حتى الآن إعمارًا على الورق- بأنه أحد أعظم الأيام في تاريخ الحضارة. وفي حينها، أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، عضو إدارة المجلس، أن المجلس أمضى عامًا في الاستعدادات المكثفة، وأنه جاهز للانتقال إلى مرحلة تنفيذ المشاريع.
وفي 23 سبتمبر 2026، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد أبرز المسؤولين عن تنفيذ خططه، عن برنامج لإعادة إعمار غزة بميزانية تبلغ 2.45 مليار دولار، وتحدّث مجددًا عن استثمارات بقيمة 71 مليار دولار على امتداد عشر سنوات. وأوضح أن المجلس سيشرف على تنفيذ 66 مشروعًا خلال الأشهر الستة المقبلة، في إطار خطة تهدف “إلى بناء غزة مزدهرة ومتصلة بالعالم، توفّر الأمن والكرامة والفرص لسكانها” بحسب تعبيره.
لكن هذه الوعود تصطدم بواقع مختلف تمامًا على الأرض. فقد نزح سكان غزة من ثلثي مساحة القطاع، وتنتشر مواقع الجيش في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وتعمل الجرافات الإسرائيلية على إزالة الأنقاض، ما يؤدي إلى طمس الحدود الفاصلة بين عقارات وأراضي السكان، ومحو الأدلة والآثار المتبقية في المناطق المدمّرة.
ويستمر القصف الإسرائيلي يوميًا على القطاع، الذي ذهب ضحيته أكثر من 1,400 مواطن خلال العام الذي أعقب إعلان وقف إطلاق النار، في وقت لا يُتوقع البدء في بناء أي مساكن جديدة لإيواء النازحين قبل حلول الشتاء. وتمنع إسرائيل إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة 68 مليون طن من الأنقاض، وإصلاح المدارس والمستشفيات، وإعادة خدمات الكهرباء والصرف الصحي، بحجة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية. وتشمل القيود حتى الأعمدة المستخدمة في إقامة الخيام، ما يزيد صعوبة توفير المأوى للسكان الذين فقدوا منازلهم.
تراجع سيطرة حماس وتصاعد التفكك الاجتماعي والعنف
وتحذّر الصحيفة من انزلاق غزة مجددًا إلى الفوضى الأمنية التي شهدتها في مطلع الألفية، بعد انهيار السلطة الفلسطينية آنذاك. وتهاجم مجموعات مسلحة فلسطينية مدعومة من إسرائيل حركة حماس، بينما عادت مجموعات عائلية مسلّحة إلى الشوارع مع تراجع سيطرة الحركة. وحتى أبسط الخلافات بين السكان خلال الانتظار للحصول على الخبز والمياه تتحوّل أحيانًا إلى اشتباكات مسلّحة، في وقت ارتفعت فيه معدلات حوادث السرقة والسطو. ويعكس هذا الواقع حجم التفكّك الاجتماعي الذي خلّفته الحرب، في ظل الجوع وانعدام الأمن وتراجع قدرة العائلات على توفير القوت لأطفالها.
ومن بين أكثر الظواهر قسوة بحسب التقرير، اضطرار بعض العائلات إلى تزويج الفتيات في سن صغيرة بسبب الفقر وعدم القدرة على إعالتهن، خصوصًا مع ارتفاع أعداد الأطفال الأيتام. ووفقًا لتقرير للأمم المتحدة صدر في 19 سبتمبر 2026، لا يتجاوز عمر بعض الفتيات اللواتي يجري تزويجهن 12 عامًا. وروت امرأة من خان يونس أن أبًا زوّج ابنته البالغة من العمر 14 عامًا مقابل كيسين من الطحين، ليتمكّن من إطعام أطفاله الآخرين خلال المجاعة. وأفادت ست نساء بوقوع حالات مشابهة، في ظل تدهور الظروف المعيشية واستمرار النزوح. وفي وصف للتغيّرات التي أصابت المجتمع تحت وطأة الحرب، قال مسؤول في حركة حماس للصحيفة إن سكان غزة “فقدوا روح الكرم والتضامن التي كانت تميّزهم”، مضيفًا: «لقد أصبحنا قساة».

مجلس السلام: وعود لا تطعم خبزًا
في مدينة كريات غات، التي تبعد 20 كيلومترًا عن غزة، يعمل عسكريون وضباط مخابرات ودبلوماسيون وموظفو إغاثة داخل مقر أنشأه مجلس السلام قبل عام، لتنسيق جهود إعادة الإعمار مع إسرائيل. لكن مسؤولًا غربيًا أمضى أشهرًا في الموقع قال إن الزخم الذي رافق انطلاق المجلس قد توقّف. فعلى الرغم من إعلان كوشنر عن مشاريع بمليارات الدولارات، يعاني المجلس نقصًا في التمويل اللازم لتنفيذها، بعدما فضّلت دول خليجية مانحة توجيه مواردها لتلبية احتياجاتها الداخلية التي تصاعدت بعد الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وبحسب مسؤولين يعملون في مقر كريات غات تحدثوا للصحيفة، العقبة الأساسية أمام تنفيذ خطة إعادة الإعمار هي إسرائيل، وليس نقص الأموال وحده. فقد انخفض عدد منظمات الإغاثة العاملة في غزة بفعل السياسات الإسرائيلية، ولم يحصل الجنود الذين عرضت خمس دول إرسالهم للمشاركة في قوة استقرار دولية على الموافقة لدخول القطاع. وكان من المفترض أن تتولى هذه القوة مراقبة وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي.
كذلك، لا تزال “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وهي الهيئة الفلسطينية التي عيّنها مجلس السلام لتولّي إدارة القطاع بدلًا من حماس، عالقة في مصر، إلى جانب 450 شرطيًا فلسطينيًا خضعوا للفحص الأمني وحصلوا على الموافقة، لكنهم لم يتمكنوا من دخول غزة لمباشرة مهامهم.

وفي ظل تعثّر خطط إعادة الإعمار واستمرار أزمة الجوع في غزة، يسخر مسؤولون مطّلعون على عمل مجلس السلام في كريات غات من أن أبرز «إنجازات» المجلس في التعامل مع المجاعة في غزة تتمثّل في تقديم وجبات مجانية بنظام البوفيه المفتوح للعاملين في مقره، بتكلفة بلغت 9 ملايين دولار خلال ستة أشهر، وهو مبلغ يكفي لتوفير ميزانية لتشغيل 1,800 مطبخ مجتمعي في غزة. وانتقد مسؤول غربي يزور المقر باستمرار طريقة عمل المجلس، قائلًا إنه يسعى دائمًا إلى إرضاء الإسرائيليين، في إشارة إلى طبيعة التنسيق القائم بين الطرفين والعقبات التي تواجه تنفيذ المشاريع داخل القطاع.
قشة الغريق: آمال معلّقة على الانتخابات الإسرائيلية
وفي ظل استمرار العقبات السياسية والأمنية، يعلّق بعض المسؤولين آمالهم على احتمال حدوث تغيير بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، بما قد يتيح تحريك خطط إعادة الإعمار المتعثّرة.
لكن التقرير يشير إلى أن أي تغيير سياسي لن يضمن بالضرورة تحوّلًا سريعًا في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة. فحتى إذا خسر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الانتخابات، قد يستمر في منصبه لأشهر إضافية. كما أن نتائج الانتخابات قد تؤدي إلى تعزيز نفوذ اليمين بدلًا من إضعافه.
وهكذا، تبقى خطط إعادة إعمار غزة معلّقة بين وعود استثمارية بعشرات مليارات الدولارات، ومشاريع لم تبدأ بعد، وقيود إسرائيلية تمنع دخول المعدات والمساعدات والجهات المكلّفة بإدارة القطاع، بينما يواصل السكان مواجهة القصف والجوع والنزوح وتدهور الأمن المجتمعي، دون حلول قريبة لأزماتهم اليومية.
مقالات ذات صلة: من البحث عن الكاش إلى التخلص منه، كيف انقلب الحال في غزة؟











