
تشهد أسواق قطاع غزة تحولًا لافتًا في التعامل مع الأموال النقدية (الكاش). فبعدما كان المواطنون يدفعون عمولات مرتفعة للحصول على أموال نقدية خلال أزمة السيولة في الحرب، أصبح بعضهم اليوم يدفع عمولة كبيرة لتحويل ما لديه من أوراق نقدية إلى رصيد في حسابه البنكي أو محفظته الإلكترونية، بسبب صعوبة استخدام الكاش في عمليات الشراء.
وتصل عمولة تحويل الكاش إلى رصيد إلكتروني إلى 10%، وتختلف نسبة العمولة بحسب حالة الأوراق المالية. فالأموال الجديدة والسليمة تكون عمولتها أقل مقارنة بالأوراق الممزقة أو المهترئة، كما يرفض العديد من التجار وجامعي النقد الأوراق النقدية من الطبعات القديمة.
ويتناقض ذلك مع أزمة السيولة خلال فترة الحرب، عندما انتشرت ظاهرة عُرفت باسم «التكييش»، حيث كان المواطن يدفع عمولة للتجار والجهات التي تمتلك سيولة نقدية مقابل الحصول على الكاش من حسابه البنكي أو محفظته الإلكترونية. وفي ذروة أزمة التكييش، تجاوزت العمولة 50% في بعض الحالات، ما يعني أن الحصول على مبلغ نقدي في اليد كان يمكن أن يكلف صاحبه نصف قيمته تقريبًا. لكن المعادلة انقلبت مع تراجع الطلب على الكاش. فبدل أن يدفع المواطن مقابل الحصول على الكاش، أصبح أصحاب الكاش يدفعون عمولات مقابل تحويلها إلى رصيد بنكي أو إلكتروني يمكن استخدامه بسهولة أكبر في الشراء والتحويل.
في هذا الصدد، يقول المواطن كريم حمدان لصحيفة العربي الجديد إنه يملك 2800 شيكل نقدًا، لكنه يواجه صعوبة بالغة في استخدامها لأن التجار يرفضون الأوراق القديمة أو الممزقة والمهترئة. وتمكن حمدان من الاتفاق مع أحد العاملين في تحويل الكاش إلى رصيد بنكي على تحويل 1700 شيكل فقط من المبلغ، مقابل عمولة إجمالية بلغت 6%، وتم تحديد قيمة العمولة بحسب حالة كل ورقة نقدية. أما الـ1100 شيكل المتبقية، فرفض استلامها لأنها من طبعة قديمة. ويقول حمدان إن هذه الأموال أصبحت عبئًا عليه، لأنه لا يستطيع استخدامها بسهولة في الشراء ولا تحويلها إلى رصيد إلكتروني، ولذلك إما أن يحتفظ بها أو يبحث عن شخص آخر يقبلها مقابل عمولة أعلى.
ويشرح يحيى عطية، الذي يجمع النقد من السوق في مخيم النصيرات ويحول قيمته إلى رصيد في الحسابات البنكية، للصحيفة، أن العمولة تتحدد بحسب جودة الأوراق. فالأوراق الجديدة والسليمة يمكن أن تُقبل بعمولة 1%، بينما قد تصل العمولة إلى 10% إذا كانت الأوراق ممزقة أو مهترئة. ويؤكد عطية تفضيل الأسواق للأوراق من الطبعات الجديدة، في حين تُرفض الأوراق القديمة في أغلب الأحوال. وبعد جمع الأموال، يسلم عطية الكاش إلى تاجر كبير في السوق، ويحصل مقابل ذلك على نسبة متفق عليها، بينما يحصل صاحب هذه الأموال على رصيد في حسابه البنكي. وهكذا لا تختفي الأوراق النقدية من السوق بعد تحويل قيمتها إلى أرصدة رقمية، بل تنتقل من المواطنين إلى جامعي النقد، ثم إلى التجار الكبار، وتُستخدم لاحقًا في عمليات شراء أو تسويات مالية أخرى. وأكد مصدر تجاري يعمل في جمع الأموال أن الكاش يستمر في الدوران بين أطراف مختلفة ولا يخرج فعليًا من السوق.
ويعيش القطاع أيضًا أزمة فكّة (فراطة)، فبعض البائعين يفضلون الدفع الإلكتروني لأنه أسهل ولا يحتاج إلى إعادة باقي المبلغ، ويشترط بعض من يقبلون الدفع النقدي أن تكون قيمة المشتريات مساوية بالكامل لقيمة الكاش المدفوع، بسبب عدم توفر فراطة لإعادة باقي المبلغ.
ويحذر المختص الاقتصادي محمد بربخ في حديثه مع الصحيفة من اتساع هذه الظاهرة، ويصف دفع عمولة لتحويل النقد إلى رصيد رقمي بأنه ظاهرة حديثة آخذة في الانتشار. ويرى أن وصول العمولة إلى 10% يعني أن المواطن يخسر جزءًا من أمواله لمجرد تحويلها من أوراق نقدية إلى رصيد إلكتروني. ويشير بربخ إلى أن الوضع اليوم هو عكس ما كان عليه الحال في عام 2025. ففي ذلك الوقت كان المواطنون يدفعون للتجار مقابل الحصول على الكاش، بينما أصبحوا اليوم يدفعون جزءًا من أموالهم للتخلص من الكاش وتحويله إلى رصيد بنكي أو إلكتروني.
ويعتبر بربخ أن استمرار هذه الممارسة قد يؤدي إلى نشوء سوق موازية يتحكم فيها من يستطيعون قبول النقد وتحويله إلى أرصدة إلكترونية، ويحذر من استنزاف جديد لأموال المواطنين عبر العمولات. ويقترح أن توفر البنوك وشركات الدفع الإلكتروني إمكانية تحويل النقد إلى رصيد من دون عمولة، وأن تُتخذ إجراءات قانونية ضد من يفرضون عمولات مخالفة، لمنع تَرَسُّخ هذه الظاهرة في أسواق القطاع.










