
تدفع أوهام الربح السريع العديد من المواطنين إلى دفع آلاف الشواكل مقابل استثمارات في متاجر إلكترونية، أو استشارات تجارية، أو دورات تعليمية، بعد أن صدّقوا وعود المروّجين لهذه العروض بأنها ستغيّر حياتهم، وتدرّ عليهم أرباحًا شهرية، وتعيد رسم مسارهم المهني. ويتم ذلك عبر استخدام حيل تسويقية ونفسية تطمئن الزبون إلى سهولة استعادة أمواله متى شاء، وتضغط عليه للإسراع في المشاركة قبل فوات الأوان، موهمةً إياه بأنه سيضيّع فرصة العمر، وبأن آخرين ينتظرون الفرصة المتاحة له. لكن خلف هذه الوعود لا يوجد في كثير من الحالات سوى السراب وضياع الأموال، والدخول في نفق يصعب الخروج منه، ومسار قضائي معقد لا يعوّض الضحية إلا عن جزء يسير مما خسره.
في هذا الصدد، يتناول مقال لصحيفة «ذا ماركر» شهادات مواطنين في البلاد وقعوا ضحية لهذه الأوهام. وما يلفت الانتباه هو تنوّع خلفياتهم الاجتماعية والعلمية، وخبرة بعضهم في عالم الاستثمارات، ما يدل على أن الوقوع فريسة لهذه الوعود لا يقتصر على أشخاص يفتقرون إلى المعرفة أو الخبرة. ومن بين الحالات امرأة في الخمسينيات من عمرها، تعمل كفريلانسر ولديها ابنتان مراهقتان، دفعت عشرات آلاف الشواكل للاستثمار في متاجر إلكترونية كان يفترض أن تبيع منتجات في أنحاء العالم، حيث تم إقناعها بأن الشركة ستتولى تشغيل المتاجر نيابة عنها، وبأنها لن تحتاج إلى تخزين البضائع أو إدارتها عمليات البيع بنفسها، وستحصل مقابل استثمارها على مئات أو آلاف الشواكل شهريًا.
بدت الشركة موثوقة، وكان العرض الذي قدّمه مندوب المبيعات مقنعًا، فوقّعت العقد ودفعت المال. لكن الأرباح الموعودة لم تتحقق، وبدأت الصورة تتضح، حيث كتشفت لاحقًا أن المتاجر أُنشئت على مواقع للتجارة الإلكترونية لا تملكها الشركة نفسها، وأن هذه المواقع تستطيع إغلاق أي متجر يعمل لديها. لذلك كان من الممكن أن يُغلق متجرها في أي وقت، فتتوقف المبيعات وتخسر المال الذي استثمرته فيه، وهي مخاطرة لم يشرحها لها أحد قبل أن تدفع. خسرت المرأة معظم استثماراتها، ثم لجأت مع عشرات المتضررين الآخرين إلى حل القضية خارج المحكمة أمام محكّم، للمطالبة باستعادة أموالهم. وبعد سنتين ونصف، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بدفع تعويضات لهم، وحصلت هي على دفعة أولى ببضعة آلاف من الشواكل. لكن هذا المبلغ بالكاد غطّى ما دفعته للمحامي وللمحكّم، لذلك لم تسترد فعليًا إلا جزءًا ضئيلًا من الأموال التي خسرتها.
ويورد المقال حالة رجل آخر خسر مئات آلاف الشواكل في شركة استثمار انهارت لاحقًا. والمفارقة أن الرجل يعمل في المجال المالي ويتمتع بخبرة طويلة في عالم الأعمال، ولذلك شعر بخجل شديد لوقوعه ضحية في مجال يعرفه جيدًا. وقد أكدت له الشركة أن جزءًا من أمواله سيبقى خارج عمليات التداول ولن يكون معرضًا للخسارة. لكنه اكتشف لاحقًا أن الشركة تلاعبت بالبيانات، وأن أمواله استُخدمت لتغطية خسائر تكبدتها الشركة في استثمارات أخرى.
وفي حالة أخرى، خسر رجل 230 ألف شيكل، كان جزء منها من مدخراته التقاعدية. ومنذ ذلك الحين يحاول استرداد بعض من ماله. كما يورد المقال قصة زوجين شابين أنجبا طفلهما الثاني وبحثا عن مكان لاستثمار 50 ألف شيكل بهدف توفير المال لطفليهما، بعدما أدركا أن شراء شقة خارج إمكانياتهما. وانتهى بهما الأمر إلى استثمار أموالهما مقابل إنشاء مواقع للتسويق بالعمولة، أي مواقع تروّج لمنتجات وخدمات شركات أخرى مقابل الحصول على عمولة على المبيعات. لكن المواقع لم تحقق الأرباح المتوقعة، ولا الرواج المطلوب، وتبخّرت أموالهما.
كما يورد المقال أمثلة لأشخاص دفعوا مبالغ كبيرة مقابل دورات تعليمية أو استشارات تجارية. أحد هذه الأمثلة هو رجلٌ دفع آلاف الشواكل لمستشار تجاري كان من المفترض أن يساعده على تطوير عمله، ثم اكتشف لاحقًا أن عددًا كبيرًا من الأشخاص دفعوا للمستشار نفسه مقابل وعود لم تتحقق. ويقول الرجل إنه لم يروِ قصته لأحد لمدة 3 سنوات ونصف السنة بسبب الخوف والخجل، وإن زوجته نفسها لم تكن تعرف سوى جزء صغير مما حدث. وينتمي هؤلاء الضحايا لخلفيات متنوعة، فبينهم رجال أعمال وأكاديميون وموظفون يبحثون عن دخل آخر، وشبان في بداية حياتهم المهنية، وأشخاص يبحثون عن فرص استثمارية أو عن طريقة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية.
ويفسر البروفيسور غاي هوخمان، من جامعة رايخمان، للصحيفة أن الضغط النفسي الذي يمارسه المروّجون لهذه الاستثمارات يلعب دورًا مهمًا في دفع الناس إلى اتخاذ قرارات متسرعة. فعندما يخبرون الزبون مثلًا أنّ العرض ينتهي اليوم، أو إن عدد الأماكن محدود، وأن عليه أن يقرر فورًا، يشعر الزبون بالخوف من ضياع الفرصة بدل أن يُفكّر باحتمال فشل الاستثمار أو يبحث عن بدائل أفضل أو يقرأ شروط العقد بتأنٍ.
ويضرب المقال مثالًا عن طالب دكتوراه في العشرينيات من عمره أراد التسجيل في دورة تساعده على تحسين دخله والعثور على عمل. أرسل إليه مندوب المبيعات رابطًا على الهاتف، وقال له إن عليه إتمام التسجيل قبل الساعة 17:00، كما طلب منه ألا يستشير والديه لأنهما قد يشوشان تفكيره. وقد ظن الطالب أنه يوقّع على أوراق التسجيل في الدورة، لكن اتضح لاحقًا أنه وقّع أيضًا على اتفاق للحصول على قرض لتمويلها. ويقول إن عملية التسجيل جرت بسرعة، وإن المندوب ظل “يزنّ” عليه طالبًا منه الضغط على «موافق» و«متابعة» من دون أن يدرك أنه وقّع من أجول الحول على قرض.
وفي حالة أخرى، التقى رجلٌ مستشارًا تجاريًا عرض عليه تقديم استشارات مقابل عشرات آلاف الشواكل. وقبل مناقشة التفاصيل، عرض المستشار عليه فيلمًا ينتقد الأشخاص الذين يترددون في اتخاذ القرارات ويصوّرهم بأنهم لا يجيدون اقتناص الفرص ويختلقون الأعذار دائمًا. وفهم الرجل لاحقًا أن الفيلم كان وسيلة للضغط عليه نفسيًا، فإذا رفض الدفع مقابل الاستشارة، سيشعر بأنّ الفيلم ينطبق عليه، أي أنه هو أيضًا شخصٌ يضيّع الفرص ويتهرّب من اتخاذ القرارات.
ويشرح هوخمان أن هذه الأساليب تكون أكثر تأثيرًا عندما يكون الشخص تحت ضغط مالي أو غير راضٍ عن وضعه المهني. ففي هذه الظروف، تصبح الوعود بالزيادة السريعة بالدخل وتحسين المستقبل أكثر إغراءً، ويبدأ الشخص بالتوهّم ويعتبر أن العرض فرصة قد تغيّر حياته، لا مجرد صفقة ينبغي دراستها بعناية وحذر.

ولا تنتهي المشكلة بخسارة المال. ففي كثير من الحالات، يكتشف المتضرر أن اللجوء إلى القضاء لاسترداد أمواله قد يكلفه مبالغ أكبر مما خسرها. ومن بين الحالات التي يوردها المقال سائق شاحنة في الثلاثينيات من عمره، كان يعمل ليلًا لكسب رزقه، واستثمر في مشروع كان من المفروض أن يدر عليه عشرات آلاف الشواكل. وبعد سنة، أدرك أنه لن يحصل على الأرباح التي وُعد بها، وأنه لن يستعيد أيضًا المبلغ الذي دفعه. وعندما استشار محاميًا، طلب منه 25 ألف شيكل. ولأن الرجل كان قد خسر بالفعل مبالغ كبيرة، قرر عدم المخاطرة بمبلغ إضافي. وخاض شخص آخر تجربة مشابهة، ودفع أكثر من 1,000 شيكل مقابل استشارة واحدة مع محام. لكن المحامي أبلغه بأن رفع الدعوى سيكلفه 20 ألف شيكل على الأقل، فتراجع عن المضي في القضية.
ويشير المقال إلى أن هذه الكلفة المرتفعة تمنع كثيرين من اللجوء إلى القضاء، خصوصًا عندما تكون خسارتهم نفسها تبلغ آلاف أو عشرات آلاف الشواكل. وفي المقابل، تعرف الشركات أن جزءًا من زبائنها لن يكون مستعدًا إلى دفع المزيد من الأموال للمحامين والدخول في تعقيدات قضايا قانونية قد تستمر سنوات. وحتى من يقرر التوجه إلى محكمة الدعاوى الصغيرة بمفرده، يواجه مشكلة أخرى، تتمثّل في أن الشركات هي التي صاغت العقود، وتعرف جميع بنودها، وبعضها سبق أن واجه عشرات الدعاوى المشابهة، ما يمنحها خبرة أكبر في التعامل مع هذه القضايا.
ويورد المقال حالة شاب حصل على قرض من شركة مالية غير بنكية لدفع ثمن دورة يقول إنه لم يشارك فيها أصلًا. وعندما لم يُسدّد المبلغ، بدأت الشركة إجراءات قانونية لإجباره على دفع الدين. وفي ديسمبر 2025 خسر القضية، ومنذ ذلك الحين يدفع للشركة 500 شيكل شهريًا. وحاول الشاب استعادة المال من الكلية التي سجل في الدورة لديها، لأنه يقول إن مندوب المبيعات وعده بإمكانية إلغاء التسجيل خلال أسبوعين. إلا أن الكلية رفضت إعادة المبلغ كاملًا، وقالت إنه دخل إلى موقع الدورة واطلع بالفعل على جزء من المواد التعليمية الموجودة فيه.
رفع الشاب دعوى ضد الكلية في محكمة الدعاوى الصغيرة، وبعد سنتين حكمت له المحكمة باستعادة 10,000 شيكل تقريبًا، أي نصف المبلغ الذي دفعه. واستندت المحكمة إلى بند في العقد ينص على أن المواد التعليمية التي أصبحت متاحة له عبر الإنترنت لا يمكن استرداد ثمنها كاملًا بعد تصفحها.
وهناك مشكلة أخرى هي أن البحث عن بعض هذه الشركات على الإنترنت قد يعطي انطباعًا بأنها موثوقة وتحظى بتقييمات جيدة، رغم وجود شكاوى ودعاوى كثيرة ضدها. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن بعض الشركات تهدد من يكتب عنها انتقادات أو يروي تجربته السلبية برفع دعوى تشهير ضده، ما يدفع بعض المتضررين إلى حذف ما كتبوه خوفًا من الدخول في قضية جديدة. ففي مايو، نشرت امرأة على فيسبوك أنها تخوض إجراءً قضائيًا ضد إحدى الشركات، ونصحت من يفكر في التعامل معها بقراءة العقد جيدًا وفهم شروط الإلغاء قبل التوقيع، مشيرة إلى وجود أشخاص آخرين مروا بتجارب مشابهة. وبعد وقت قصير تلقت عبر واتساب رسالة من القسم القانوني في الشركة تطالبها بحذف المنشور خلال 48 ساعة، وتتهمها بنشر معلومات تضر بسمعة الشركة، وتحذرها من إمكانية مطالبتها بتعويض يصل إلى 100 ألف شيكل. فخافت المرأة من الدخول في قضية أخرى وحذفت المنشور.
وفي حالات أخرى لا تكتفي الشركات بالتهديد، بل ترفع دعاوى فعلية. وهكذا قد يجد الشخص الذي خسر ماله ثم حاول تحذير الآخرين نفسه مضطرًا إلى دفع أتعاب محام والدفاع عن نفسه أمام المحكمة.
وهكذا لا تقتصر المشكلة على الأشخاص الذين لم يقرأوا العقد جيدًا أو صدّقوا وعودًا مبالغًا فيها. فالمتضرر الذي يحاول استعادة ماله قد يواجه تكاليف قانونية مرتفعة وإجراءات تستمر سنوات، وقد يتردد أشخاص آخرون في نشر تجاربهم خوفًا من التعرض لدعاوى تشهير. وفي هذه الظروف، تستطيع بعض الشركات مواصلة تقديم العروض نفسها لزبائن جدد، بينما يتحمل من يدفع الضحايا معظم الثمن.











