
أعلنت منصة العملات الرقمية بينانس (Binance)، الأكبر في العالم، استئناف سحب الأموال والعملات الرقمية من حسابات زبائنها، بعد توقفها ليومين إثر اختراق إلكتروني ضخم أسفر عن سرقة عملات رقمية بقيمة 6.3 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) أن مجموعة قراصنة إلكترونيين من كوريا الشمالية تقف وراء الهجوم، في أكبر عمليات سرقة العملات الرقمية في التاريخ.
وأكدت بينانس أنها ستتحمل كامل الخسائر الناجمة عن الاختراق، وستعيد الأموال إلى زبائنها بالكامل. وأوضحت أنها تمكنت من تغطية 90% من حجم الأموال المسروقة، من خلال شراء عملات رقمية بديلة باستخدام أموال الشركة، فيما تحتاج إلى المزيد من الوقت لتأمين الأموال اللازمة لتغطية الـ10% المتبقية، بسبب صعوبة بيع بعض أصول الشركة وتحويلها إلى أموال نقدية بسرعة.
وفي بيان صدر السبت، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أن التحقيقات التي أجراها بالتعاون مع جهاز الخدمة السرية الأمريكي ومصلحة الضرائب الأمريكية كشفت أن قراصنة من مجموعة TraderTraitor الكورية الشمالية بدأوا بتحويل العملات الرقمية المسروقة إلى عملات أخرى، خصوصًا إيثريوم (Ethereum). وتوقع الـFBI أن يستخدم القراصنة منصات التمويل اللامركزي (DeFi) وخدمات التبادل الفوري لإجراء المزيد من التحويلات والمعاملات بهدف غسل الأموال المسروقة وإخفاء مصدرها وتصعيب تعقّبها.
وسبق أن اتهم مكتب التحقيقات الفيدرالي القراصنة الكوريين بتنفيذ أكبر عمليات سرقة العملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، من بينها اختراق بورصة بايبيت (Bybit) في فبراير 2025، الذي أسفر عن سرقة 1.5 مليار دولار، وعملية أخرى في عام 2022 سُرقت خلالها عملات رقمية بقيمة 620 مليون دولار. كما تستخدم كوريا الشمالية وسائل أخرى للحصول على الأموال، بينها تشغيل مواطنين كوريين شماليين عن بُعد في شركات هايتك غربية باستخدام هويات مزيفة.
وتأتي عملية اختراق بينانس في وقت يشهد فيه قطاع العملات الرقمية ارتفاعًا في عدد الهجمات الإلكترونية، بالتزامن مع زيادة قيمة العملات الرقمية. ووفق بيانات شركة الأمن السيبراني CertiK، بلغت الخسائر الناجمة عن الهجمات على منصات العملات الرقمية 1.2 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، نتيجة 255 هجومًا، مقارنة بخسائر بلغت 822 مليون دولار في 222 هجومًا خلال الفترة من أبريل إلى يونيو.
وتتجاوز قيمة العملات المسروقة من بينانس، البالغة 6.3 مليار دولار، الخسائر المسجلة في هذه الهجمات مجتمعة، كما تفوق بأكثر من 4 أضعاف قيمة العملات المسروقة في اختراق بورصة بايبيت عام 2025، الذي كان من أكبر عمليات سرقة العملات الرقمية السابقة.
ورغم تحديد المجموعة التي يُشتبه في مسؤوليتها عن الهجوم، لا تزال الطريقة الدقيقة التي تمكّن بها القراصنة من اختراق أنظمة بينانس غير واضحة. وكانت الشركة قد أشارت في البداية إلى أن القراصنة ربما تمكنوا من اختراق أحد الحواسيب التي يستخدمها مطوّر برمجيات للوصول إلى أنظمتها، لكنها لم تستبعد استخدام طرق أخرى لتنفيذ الهجوم.
وتعتمد هجمات سرقة العملات الرقمية في كثير من الحالات على أساليب الاحتيال الإلكتروني، التي يستدرج فيها المهاجمون الموظفين أو الأشخاص المخوّلين بالدخول إلى الأنظمة للكشف عن بيانات حساباتهم وكلمات المرور. وقد يستخدم المهاجمون أيضًا بيانات تسجيل دخول سُرّبت خلال اختراقات سابقة لمنصات أخرى، مستفيدين من استخدام بعض الأشخاص كلمات المرور نفسها في حسابات متعددة.
وتشمل أساليب الاختراق الأخرى استغلال الثغرات البرمجية في أنظمة البلوكشين، وهي التقنية التي تُسجل من خلالها معاملات العملات الرقمية في سجلات إلكترونية موزعة ومتاحة للاطلاع. وقد تستهدف الهجمات الأنظمة التي تربط شبكات البلوكشين المختلفة، أو المفاتيح الرقمية السرية التي تتيح لأصحاب المحافظ الموافقة على تحويل العملات.
وتُعد المحافظ الرقمية المتصلة بالإنترنت، المعروفة بالمحافظ الساخنة، أكثر عرضة للاختراق من المحافظ الباردة التي تحتفظ بمفاتيح التحكم دون اتصال مباشر بالإنترنت. ومع ذلك، لم تعد المحافظ الباردة محصنة تمامًا أمام الهجمات، إذ تمكن قراصنة في يوليو الماضي من سرقة عملات رقمية بقيمة 100 مليون دولار، بعد استغلال ثغرة في المكونات المادية لمحافظ باردة تنتجها شركة Coinkite الكندية.
وأشارت وكالة بلومبرغ إلى أن طبيعة عمل بينانس كمنصة تداول مركزية ربما سهّلت عملية الاختراق، إذ تتولى المنصة إدارة المعاملات بين زبائنها، بخلاف منصات التداول اللامركزية التي تتيح إجراء المعاملات مباشرة بين المستخدمين دون وسيط. ورجّحت الوكالة أن القراصنة ربما تمكنوا في البداية من الحصول على بيانات الدخول الخاصة بأحد الأشخاص الذين يملكون صلاحية الوصول إلى أنظمة بينانس، ثم استغلوا ثغرات أمنية أخرى لسرقة العملات الرقمية، لكن هذه الفرضية لم تتأكد بعد.
ويلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في الهجمات الإلكترونية على منصات العملات الرقمية، إذ تتيح النماذج المتقدمة للمهاجمين اكتشاف الثغرات البرمجية وتطوير أساليب الاختراق وتنفيذها بقدرات تقنية أكبر. كما تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي على جمع المعلومات عن الأشخاص المستهدفين وصياغة رسائل احتيالية مقنعة للحصول على بيانات الدخول إلى الأنظمة. وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة في قطاع العملات الرقمية، لأن نجاح الاختراق قد يتيح للمهاجمين الوصول المباشر إلى أصول مالية ضخمة، ما يفرض على منصات التداول تطوير أنظمة الحماية وتحديثها باستمرار.
وتظلّ إمكانية تعقب العملات المسروقة واستعادتها من أبرز التحديات التي تواجه المحققين. فعلى خلاف الاعتقاد بأن معاملات العملات الرقمية مجهولة تمامًا، تتيح تقنية البلوكشين تتبع حركة الأموال بين المحافظ المختلفة، لأن سجلات المعاملات متاحة للاطلاع العام. ويمكن للمحققين الاستفادة من هذه البيانات لمراقبة انتقال العملات بين المحافظ وحتى بين شبكات بلوكشين مختلفة.
لكن القدرة على تتبع الأموال لا تعني بالضرورة إمكانية تجميدها أو إعادتها إلى أصحابها. فعملات مثل بيتكوين وإيثريوم لا تخضع لجهة إصدار مركزية تستطيع وقف التحويلات، بينما يمكن للجهات المصدرة لبعض العملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار، مثل USDT التابعة لشركة Tether، تجميد العملات ومنع استخدامها في عمليات تحويل إضافية.
وحتى في الحالات التي يمكن فيها تجميد الأصول المسروقة، تتطلب استعادتها تعاونًا بين الجهة المصدرة للعملة ومنصة التداول المعنية. وفي بعض الحالات، يوافق المهاجمون على إعادة الأموال مقابل الاحتفاظ بجزء منها، بسبب الصعوبات التي قد يواجهونها في تحويل العملات المسروقة إلى أموال بالدولار أو عملات أخرى. ومع ذلك، يستطيع المهاجمون الاحتفاظ بالعملات المسروقة لفترات طويلة، أو استخدامها لشراء سلع وخدمات، أو تمريرها عبر سلسلة معقدة من المعاملات قبل محاولة تحويلها إلى أموال تقليدية، ما يزيد صعوبة استعادتها.
وفي السياق ذاته، علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اختراق بينانس خلال حديث مع الصحفيين في البيت الأبيض يوم الجمعة، معتبرًا أن صعوبة رؤية الأموال وتتبعها في عالم العملات الرقمية تمثل مصدرًا للمخاطر، مقارنة بوسائل الدفع التقليدية مثل الشيكات. وجاءت تصريحاته في ظل حديثه خلال الأسابيع الأخيرة عن إمكانية استئناف الاتصالات مع كوريا الشمالية، وحتى عقد لقاء مع زعيمها كيم جونغ أون في وقت لاحق من العام، رغم أنه كان قد خفّض التوقعات بشأن إمكانية عقد مثل هذا اللقاء خلال أكتوبر.











