
يشير تقرير جديد صادر هذا الأسبوع عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات الخمس المقبلة ستكون حاسمة لملايين العاملين حول العالم، بسبب التطور التكنولوجي والأتمتة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. استند التقرير إلى استطلاع شمل أكثر من ألف جهة توظيف كبرى حول العالم، ويتوقع أن يشهد سوق العمل تغييرات جذرية تطال 22% من إجمالي الوظائف اليوم، سواء من خلال اختفائها بالكامل أو تغير طبيعتها أو إعادة تعريفها بشكل جذري.
وبحسب التقرير، وخلال الفترة الممتدة حتى عام 2030، من المتوقع أن تختفي 92 مليون وظيفة حول العالم، في مقابل خلق 170 مليون وظيفة جديدة، أي أن الفرق سيكون 78 مليون وظيفة إضافية. غير أن التقرير يشدد على أن هذه الفرق الإيجابي بين الوظائف الجديدة والمختفية لن يعكس استقرارًا في سوق العمل، بل مرحلة من الاضطراب الشديد ستفرض على العاملين وأرباب العمل تغييرات سريعة ومؤلمة أحيانًا، ولن يتمكن الجميع من مواكبتها.
الوظائف المهددة
الوظائف الأكثر عرضة للاختفاء أو التأثر الكبير، هي تلك التي تعتمد على مهام روتينية ومتكررة يمكن أتمتتها بسهولة بواسطة البرمجيات والذكاء الاصطناعي. في مقدمة هذه الوظائف يأتي موظفو البريد، وموظفو شبابيك البنوك، ومدخلو البيانات، والعاملون على الكاشير، والمديرون الإداريون، والمحاسبون. كما تشمل أيضًا مفتشي المواصلات العامة، وبائعي المتاجر، ومصممي الغرافيكس، ومخمّني الأسعار، إضافة إلى السكرتير القانوني، والعاملين في المجال القانوني من غير المحامين، وعمال النظافة، ومهندسي الكيمياء، وحرّاس الأمن. ويشير التقرير إلى أن وظائف الموارد البشرية والمحامين تقع في تصنيف قريب، من حيث خطر التقلص أو الاختفاء، من وظائف سائقي الحافلات وسائقي الشاحنات الثقيلة، من دون الجزم بأن هذه الوظائف ستختفي فعليًا خلال الفترة نفسها.
الوظائف المطلوبة
في المقابل، يرسم التقرير صورة مختلفة تماما لمهن أخرى يتوقع أن تشهد نموا واضحا خلال السنوات الخمس المقبلة وحتى عام 2030. على رأس هذه الوظائف تأتي الوظائف في مجال البيانات الضخمة، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، وتعلم الآلة، وتطوير البرمجيات والتطبيقات، وتقنيات الأتمتة والمركبات ذاتية القيادة. كما يتوقع التقرير نموًا في الطلب على مصممي واجهات الاستخدام وتجربة المستخدم، ومهندسي البيئة والمناخ، والعاملين في مجالات الطاقة المتجددة. وبصورة لافتة، يتوقع التقرير زيادة عدد وظائف سائقي الشاحنات الخفيفة (داخل المدن) وسائقي التوصيل، بسبب صعوبة استبدالهم بحلول تكنولوجية في ما يعرف بمشكلة “الميل الأخير” (Last Mile)، والمقصود بها مرحلة إيصال الطلب من نقطة التوزيع الأخيرة إلى باب بيت الزبون، وهي المرحلة الأصعب، حيث لا تزال المركبات الذاتية القيادة والروبوتات عاجزة عن التعامل مع تعقيدات الواقع الحضري.
المهارات المطلوبة
ولا يقتصر التحول على الوظائف فقط، بل يمتد كذلك إلى المهارات المطلوبة في سوق العمل. التقرير يصف هذا الجانب بأنه من أكثر الجوانب إثارة للقلق، إذ يقدّر أصحاب العمل أن قرابة 40% من المهارات الأساسية عند العاملين اليوم ستتغير أو تفقد أهميتها خلال السنوات المقبلة. وتظهر إسرائيل في المرتبة السادسة عالميًا من حيث حجم هذا التغير، حيث يتوقع أن تصبح 43% من المهارات الأساسية التي يمتلكها الموظفون غير ملائمة لسوق العمل، مقارنة بنسبة 35% في الولايات المتحدة و28% في الدنمارك، وهي النسبة الأدنى عالميًا.
أما المهارات التي ستصبح الأكثر طلبًا خلال السنوات الخمس القادمة لدى الموظفين، فيضع التقرير القدرة على التفكير التحليلي في المرتبة الأولى، أي القدرة على فهم المعلومات وربطها واتخاذ قرارات أخلاقية واستراتيجية، وهي مهارة يرى أصحاب العمل أنها ما زالت تتفوق على قدرات الذكاء الاصطناعي رغم تطوره السريع. تلي ذلك مهارات الصمود والمرونة والقدرة على التكيف مع الأزمات والتغيرات المتسارعة، ثم مهارات القيادة والتأثير الاجتماعي، وبعدها التفكير الإبداعي، ثم الدافعية والوعي الذاتي، ثم الإلمام بالتكنولوجيا. كما يبرز التقرير أهمية التعاطف والقدرة على الإصغاء، وإدارة المواهب.
وفيما يتعلق بأكثر المهارات التي ستستثمر فيها الشركات مستقبلًا، يشير التقرير إلى أن التركيز الأكبر سيكون على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني، واستخدام التكنولوجيا بشكل عام. بعد ذلك تأتي مهارات التفكير الإبداعي، ثم المرونة والقدرة على التكيف، ثم الفضول والتعلم المستمر. ويؤكد التقرير أن المطلوب ليس أن يصبح جميع العاملين مبرمجين، بل أن يمتلكوا القدرة على العمل بكفاءة مع الأنظمة الرقمية. في المقابل، يوضح التقرير أن المهارات الجسدية البسيطة مثل الرفع والفرز، وكذلك المهارات العقلية البسيطة مثل الحسابات العادية وإدخال البيانات، تشهد تراجعا واضحًا في استثمار الشركات بها، لأنها أصبحت تُنفذ بشكل أسرع وأرخص وأكثر دقة بواسطة الخوارزميات والروبوتات.
مقالات ذات صلة: سياسة التوظيف في القطاع العام ستتغير بسبب الذكاء الاصطناعي












