تُظهر الأسواق المالية العالمية في المرحلة الحالية قراءة مزدوجة لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط: من جهة، لا تزال تراهن على أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة سيكون مؤقتًا، ومن جهة أخرى بدأت ترفع مستوى المخاطر المرتبطة بالسياسات النقدية في الفترة المقبلة.
وبحسب تحليل صادر عن كبير الاقتصاديين في بيت الاستثمار IBI، رافي غوزلان، فإن تسعير الأسواق يشير إلى أن اضطراب إمدادات النفط سيبقى محصورًا في المدى القريب، مع توقع عودة الأسعار إلى مستويات أكثر اعتدالًا لاحقًا. ونتيجة لذلك، تتركز الضغوط التضخمية حاليًا في المدى القصير، بينما تبقى توقعات التضخم على المدى المتوسط والطويل مستقرة نسبيًا.
هذه الاستقرار النسبي في توقعات التضخم يُعد عاملًا حاسمًا، إذ يسمح للبنوك المركزية بتفسير ارتفاع أسعار النفط على أنه صدمة مؤقتة، وبالتالي تجنب رفع أسعار الفائدة في هذه المرحلة. ومع ذلك، تشير الأسواق إلى ارتفاع في احتمالات تشديد السياسة النقدية في بعض الاقتصادات، وهو ما يراه غوزلان سيناريو أقل ترجيحًا، نظرًا لأن استمرار صدمة الطاقة لفترة طويلة سيؤدي في النهاية إلى إضعاف النمو والطلب، ما يحد من الضغوط التضخمية.
النفط يتجاوز 100 دولار… والأسواق تحت الضغط
شهدت الأسواق العالمية خلال الأسبوع الأخير استمرارًا في الاتجاه السلبي، بالتوازي مع تصاعد الحرب مع إيران. وارتفعت أسعار النفط بنحو 10% أسبوعيًا لتتجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، في ظل تراجع شبه كامل لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز واستمرار الهجمات في منطقة الخليج. هذا الارتفاع في أسعار الطاقة دفع إلى زيادة توقعات التضخم، خصوصًا في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، حيث تشير التقديرات إلى تضخم يقارب 3% خلال العام المقبل، قبل أن يتراجع إلى مستويات أقرب إلى 2–2.5% في السنوات التالية. في المقابل، انعكست هذه التطورات في ارتفاع عوائد السندات العالمية، وتراجع أسواق الأسهم، إلى جانب استمرار قوة الدولار في الأسواق الدولية.
من التضخم إلى النمو: تحول في تركيز الأسواق
حتى الآن، ركزت الأسواق بشكل أساسي على الأثر التضخمي لارتفاع أسعار الطاقة، لكن مع استمرار الأزمة، يُتوقع أن يتحول التركيز تدريجيًا نحو التأثير السلبي على النمو الاقتصادي. ويحذر التقرير من أن نقطة الانطلاق الحالية للأسواق، التي تتسم بمستويات منخفضة نسبيًا من علاوة المخاطر، تجعلها أكثر حساسية لأي صدمة ممتدة. كما أن تشديد الأوضاع المالية – سواء عبر ارتفاع الفائدة أو تراجع الأسواق – قد ينعكس سلبًا على الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي على وتيرة النمو العالمي.
في إسرائيل، أظهر مؤشر أسعار المستهلك لشهر فبراير ارتفاعًا بنسبة 0.2%، ليرتفع معدل التضخم السنوي إلى نحو 2%، وهو مستوى يقع في منتصف النطاق المستهدف. لكن هذه البيانات تعكس وضع الاقتصاد قبل تجدد الحرب. ومع عودة القتال، يتوقع التقرير ارتفاعًا إضافيًا في التضخم خلال الأشهر المقبلة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، وزيادة الإنفاق الحكومي. وعليه، رفع IBI توقعاته للتضخم خلال العام المقبل إلى 2.4%، مع الإشارة إلى أن المخاطر في المدى القريب تميل نحو الارتفاع. كما سجلت أسعار الإيجارات تسارعًا ملحوظًا حتى قبل الحرب، حيث ارتفعت بوتيرة سنوية بلغت 4.5%، مع زيادات أكبر في العقود الجديدة، ما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية في هذا القطاع.
سياسة نقدية حذرة وانتقادات للسياسة المالية
في ظل هذه الظروف، يُتوقع أن يُبقي بنك إسرائيل على أسعار الفائدة دون تغيير في قراره المرتقب، مدفوعًا بارتفاع حالة عدم اليقين الجيوسياسي، إلى جانب الضغوط التضخمية. وأشار التقرير إلى أن السياسة المالية للحكومة تثير قلقًا إضافيًا، بعد إقرار ميزانية تتضمن زيادة في الإنفاق تتجاوز 7% (نحو 50 مليار شيكل)، مع رفع هدف العجز إلى 5.1% من الناتج المحلي. وقد انتقد بنك إسرائيل هذه السياسة، معتبرًا أنها تفتقر إلى الحذر المالي، خاصة في ظل ارتفاع النفقات الأمنية وعدم وجود التزام واضح بخفض نسبة الدين إلى الناتج.
تباطؤ متوقع في النمو
تشير التقديرات إلى أن الحرب ستؤثر سلبًا على النشاط الاقتصادي في إسرائيل، حيث انخفض الإنفاق عبر بطاقات الائتمان بنحو 15% منذ بداية القتال. ويتوقع IBI أن يؤدي ذلك إلى خفض النمو الاقتصادي في عام 2026 إلى نحو 4%، مع احتمال ارتفاع العجز إلى 5.5% من الناتج المحلي. ورغم أن الأسواق لا تزال تراهن على أن صدمة الطاقة مؤقتة، إلا أن استمرار الحرب قد يغير هذه المعادلة، ويدفع نحو بيئة اقتصادية أكثر تعقيدًا تجمع بين تضخم أعلى ونمو أبطأ، وهو السيناريو الذي تراقبه الأسواق عن كثب في المرحلة المقبلة.












