الثلاثاء, مارس 17, 2026 18:29
/
/
الجاهزيّة للطوارئ بالبلدات العربيّة: عندما يكون الإهمال سياسة

الجاهزيّة للطوارئ بالبلدات العربيّة: عندما يكون الإهمال سياسة

أيقون موقع وصلة Wasla
التاء المزبوطة مبادرة، مؤثرة، قائدة 1200 x 150 px 5 scaled
f26ce726 aaaa 4480 ae4a 4de0ba8f8863
وصال رعد – مركّزة مشروع الجاهزيّة للطوارئ في المجتمع العربيّ في جمعيّة سيكوي-أفق

 

في كلّ مرّة تندلع فيها حرب أو حالة طوارئ في البلاد، يتكرّر المشهد ذاته: صفّارات إنذار، تعليمات حماية، واستنفار في مؤسّسات الدولة. لكن بالنسبة لعشرات آلاف العائلات في البلدات العربيّة في الداخل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أين نحتمي؟ وأين هي الخدمات التي يفترض أن تحمينا؟ فحالات الطوارئ لا تكشف فقط عن ضعف منظومات الحماية في بلداتنا، بل تفضح أيضًا الفجوات العميقة بين المواطنين. وما يظهر بوضوح في كلّ مرة هو أنّ البلدات العربيّة ما تزال في أسفل سلّم أولويّات الدولة ومؤسّساتها عندما يتعلّق الأمر بالأمان والحماية.

إنّ الجاهزيّة لحالات الطوارئ ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي جزء أساسيّ من مسؤوليّة الدولة تجاه مواطنيها، وتتطلّب استعدادًا مسبقًا على المستوى المحلي من خلال التخطيط وتوفير الموارد والبنى التحتية اللازمة قبل وقوع الأزمات. غير أنّ الواقع في البلدات العربيّة يشير إلى صورة مغايرة تمامًا؛ إذ تعاني هذه البلدات منذ سنوات طويلة من تهميش بنيويّ في التخطيط والميزانيّات والبنى التحتية نتيجة سياسات حكومية مجحفة، ممنهجة ومتراكمة. وفي ظلّ شحّ الموارد، تجد السلطات المحلية العربية نفسها في حالة طوارئ دائمة حتى في الأوقات العادية، حيث يحدّ العجز المالي من قدرتها على تطوير الخدمات الأساسية وتعزيز الجاهزية. ويزداد هذا الواقع تعقيدًا مع تفاقم الجريمة المنظّمة التي تفرض حالة ضغط وتهديد مستمرين، ومع تكرار الحروب في المنطقة، ما يضع على كاهل السلطات المحلية أعباءً تفوق بكثير قدرتها على التعامل معها وفق المعايير التي تفرضها مؤسسات الدولة. والنتيجة مع كل جولة تصعيد جديدة هي مجتمع أقلّ حماية وحصانة، وسلطات محلية مثقلة بالأعباء، وسكان يُتركون لمواجهة المخاطر بإمكانات محدودة.

أبرز مظاهر هذا الإهمال يظهر في مسألة الملاجئ العامّة. في إطار تقريرٍ لمراقب الدولة صدر قبل نحو شهرين، نُشرت معطيات تشير إلى وجود 37  ملجأً عامًّا فقط في البلدات العربيّة من أصل 11,775  ملجأً في أنحاء البلاد، أي ما يعادل 0.3%  فقط، في حين أنّ ثمانية من بينها غير صالحة للاستخدام. هذا الرقم الصادم يكشف حجم الفجوة في أبسط مقوّمات الحماية المدنيّة. ويأتي ذلك في الوقت الذي تُلزم فيه قيادة الجبهة الداخليّة السلطات المحلّيّة بتوفير أماكن حماية يُمكِن للسكّان الوصول إليها خلال 15  ثانية إلى ثلاث دقائق من لحظة إطلاق الإنذار. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك في بلدات تفتقر أصلًا إلى الملاجئ العامّة، وتعاني من نقص الأراضي العامّة والميزانيات اللازمة لبنائها؟

ولا يقتصر الخلل على الملاجئ، بل يمتدّ إلى خدمات الطوارئ الأساسيّة: حسب دراسةٍ حديثة لجمعيّة سيكوي-أفق ومركز إنجاز فحصت جاهزيّة البلدات العربية لحالات الطوارئ – فقط  7.3٪  من محطّات الإطفاء و10.1٪  من محطّات نجمة داود الحمراء تقع في بلدات عربيّة، رغم أنّ هذه المحطّات تقدّم خدمات لنحو 13.8٪ من المواطنين، وهي نسبة السكّان الذين يعيشون في البلدات العربيّة. هذه الفجوة تعني عمليًّا أنّ وقت الاستجابة يُصبِح أطول، وأن الخطر يكون أكبر على الحياة والممتلكات. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوائق البنيويّة، أبرزها نقص الأراضي المخصّصة للاستخدام العامّ، وغياب التمويل الكافي لتخصيص الأراضي وتنظيم التخطيط لإقامة هذه المحطّات.

حتّى في المجال الذي يُفترض أن يعالج آثار الأزمات النفسيّة، تتجلّى الفجوات بوضوح وفقًا لما كشفه البحث: فقط 6.1٪  من عيادات الصحّة النفسيّة تقع في بلدات عربيّة، رغم أنّها تخدم نسبة أكبر من السكّان. أمّا مراكز الحصانة النفسيّة في حالات الطوارئ، التي تخدم المجتمع العربيّ، فإنّ خدماتها توزّع على عدد كبير من السلطات المحلّيّة يتراوح بين 9 و 18 سلطة محلّيّة، في حين تخدم المراكز المخصّصة للمجتمع اليهوديّ عادة سلطة محلّيّة واحدة فقط. والأكثر إشكاليّة أنّ التمويل المخصّص لهذه المراكز غير متكافئ بشكل واضح؛ إذ يبلغ التمويل حوالي 7 شواكل للفرد في مراكز الحصانة النفسيّة في المجتمع العربيّ، مقابل نحو 16 إلى 170  شيكلًا للفرد في المراكز الأخرى.

عندما تتراكم هذه المعطيات، يصبح من الصعب اعتبار ما يحدث مجرد نقص عابر في الموارد. ما نشهده هو فجوة بنيويّة في توزيع وسائل الحماية والخدمات، تجعل حياة المواطنين في البلدات العربيّة أقلّ أمانًا في أوقات الطوارئ. والأسوأ من ذلك أنّ السلطات المحلّيّة العربيّة مطالَبة بالالتزام بالمعايير نفسها التي تفرضها الدولة، من دون أن تحصل على الموارد اللازمة لتحقيقها. وهكذا تتحمّل هذه السلطات عبئًا يفوق قدراتها، بينما تبقى الفجوات البنيويّة من دون معالجة حقيقية.

في ظلّ هذا الواقع، تصبح الحروب المتواصلة عبئًا مضاعفًا على مجتمع يعاني أصلًا من نقص الخدمات، ومن تصاعد الجريمة المنظّمة التي فرضت بدورها حالة طوارئ يوميّة في كثير من البلدات العربيّة. وعندما تجتمع الحرب مع الجريمة المنظّمة ومع نقص البنى التحتية للحماية، تتحوّل حياة المواطنين إلى سلسلة متواصلة من الأزمات التي تُدار غالبًا بإمكانات محدودة.

إنّ الأمان ليس امتيازًا، بل حقّ أساسيّ لكلّ إنسان ومن واجب الدولة أن توفّر الحماية والخدمات لجميع المواطنين على قدم المساواة، لا أن تترك مجتمعًا كاملًا يواجه الأخطار بموارد وحماية أقلّ. فالمسألة هنا لا تتعلّق بالملاجئ أو بالمحطات فحسب، بل تتعلّق بالسؤال الأعمق: هل حياة المواطنين العرب تحظى بالقيمة نفسها التي يتمتّع بها المواطنون اليهود في سياسات الدولة؟

الحروب المتواصلة والجريمة المنظمّة ليست أحداثًا عشوائيّة، بل نتاج مباشر للسياسات الحكوميّة التي تركت المجتمعات الأكثر هشاشة وحدها تواجه الأخطار. ولا يقتصر النقاش هنا على بناء المزيد من الملاجئ والتزوّد بالمعدّات وتحسين الخدمات، بل السؤال الحقيقيّ هو: لماذا نُجبر على بناء هذه الملاجئ أصلاً؟ ومتى سيحين الوقت الذي لن نحتاج فيه إليها، ويتوقف مسلسل الحرب والعنف الذي يهدّد حياتنا وأمننا؟ إن ما نطالب به ليس مجرّد حقوق المواطنين وفقًا لموقعهم الجغرافيّ أو قوميّتهم، بل حقوق الإنسان بحدّ ذاتها: لكلّ إنسان الحقّ في الحياة والأمان والحماية، بغضّ النظر عن هويّته أو مكانه.

*وصال رعد – مركّزة مشروع الجاهزيّة للطوارئ في المجتمع العربيّ في جمعيّة سيكوي-أفق

**المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع وصلة للاقتصاد والأعمال.

366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi

مقالات مختارة