الإثنين, مايو 4, 2026 13:17
/
/
طهران أم واشنطن: من سيسقط أولًا في لعبة شدّ حبل الطاقة؟

طهران أم واشنطن: من سيسقط أولًا في لعبة شدّ حبل الطاقة؟

أيقون موقع وصلة Wasla
سفينة خفر سواحل أمريكية ووراءها سفينة شحن في مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا
سفينة خفر سواحل أمريكية ووراءها سفينة شحن في مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا

 

تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتمثّل في حرب استنزاف في سوق الطاقة، حيث تحوّل الصراع العسكري إلى معركة على النفط والتصدير، عنوانها القدرة على الصمود تحت الضغط والحصار. إذا أدى الحصار البحري الأميركي في مضيق هرمز، الذي بدأ في 13 أبريل، إلى تراجع حاد في صادرات النفط الإيرانية، مع امتلاء سريع لمرافق التخزين، ما دفع طهران إلى تقليص الإنتاج تدريجيًا لتفادي الوصول إلى نقطة الاختناق.

الولايات المتحدة تراهن على أن خنق صادرات النفط سيجبر إيران على التراجع، باعتبار أن النفط هو المصدر الأساسي لإيراداتها، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران تخسر 170 مليون دولار يوميًا نتيجة تراجع صادرات الطاقة. كما أن صور الأقمار الصناعية تُظهر انخفاضًا في عمليات تحميل النفط، واحتشاد عدد كبير من الناقلات قرب جزيرة خرج، مركز التصدير الرئيسي، في إشارة إلى صعوبة تصدير هذه الشحنات.

لكن في المقابل، لا تتعامل إيران مع هذا الوضع كأزمة مفاجئة، بل كجزء من سيناريو استعدت له منذ سنوات. فخلال العقود الماضية، خاصة بعد العقوبات الاقتصادية في عام 2018 على إثر ولاية ترامب الاولى، طوّرت طهران خبرة واسعة في إدارة إنتاج النفط تحت الضغط، بما في ذلك إيقاف الآبار دون إحداث ضرر دائم وإمكانية إعادة تشغيلها بسرعة. مسؤولون إيرانيون يؤكدون أن بإمكانهم التحكم بعملية خفض الإنتاج بشكل مدروس، حتى لو شمل ذلك ما يصل إلى 30% من الآبار.

وبحسب تقرير لصحيفة بلومبرغ، تتمثّل المشكلة الأساسية التي تواجه إيران اليوم في التخزين، فمع تراجع الصادرات، بدأت المخازن تمتلئ بسرعة، ما يفرض على طهران خفض إنتاجها، حيث تشير التقديرات التي أوردتها الصحيفة إلى أنّ أمام إيران نافذة زمنية تقارب شهرًا قبل أن تصل إلى الحد الأقصى لقدرتها على التخزين، في حال استمرت الأوضاع الحالية كما هي. وفي محاولة لتوسيع هذه النافذة، تعتمد إيران بشكل متزايد على التخزين العائم، حيث يوجد في الخليج ومحيطه 18 ناقلة قادرة على استيعاب 35 مليون برميل، ضمن قدرة إجمالية تتراوح بين 65 و75 مليون برميل.

في الماضي، نجحت إيران في الالتفاف على العقوبات الأمريكية عبر بيع النفط للصين باستخدام “أسطول الظل”، وهو شبكة من ناقلات النفط التي تعمل خارج الرقابة الدولية. لكن الوضع الحالي مختلف، إذ أن الحصار الأميركي يغلق فعليًا طرق الملاحة في مضيق هرمز في وجه هذه الناقلات، ما يجعل تصدير النفط أكثر صعوبة، ويؤدي إلى احتجاز عشرات ملايين البراميل في البحر.

رغم ذلك، لا تزال لدى طهران بعض الخيارات، وإن كانت محدودة. أحدها نقل النفط برًا إلى دول مثل تركيا وباكستان وأوزبكستان، حيث يمكنها نقل ما يتراوح بين 250 ألف و300 ألف برميل يوميًا. خيار آخر يتمثل في النقل بالقطارات إلى الصين، لكنه أقل جدوى اقتصاديًا ويواجه تحديات لوجستية، خاصة أن المصافي الصينية تعتمد على نفط منخفض السعر وهوامش ربح ضيقة.

في المقابل، لا تخلو الاستراتيجية الأميركية من المخاطر. ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى في 4 سنوات يعني أن الضغط على إيران ينعكس أيضًا على الأسواق العالمية، ما يرفع كلفة الطاقة ويزيد من الضغوط التضخمية، وهو ما تدركه إيران جيدًا بحسب التقرير، حيث تراهن على إطالة أمد الأزمة لرفع الكلفة الاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها.

في الداخل الإيراني، تواجه طهران ضغوطًا اقتصادية متزايدة، فالعملة المحلية وصلت إلى أدنى مستوى تاريخي لها مقابل الدولار، وارتفاع تكاليف الإنتاج في قطاعات مثل الصلب والبلاستيك أصبح ينعكس مباشرة على الأسعار، ويزيد من عمق أزمة المعيشة التي يعاني منها المواطنون الإيرانيون. وفي مواجهة ذلك، اضطرت الحكومة الإيرانية إلى تقييد صادرات غير نفطية للحفاظ على التوازن الاقتصادي. كما تعتمد طهران على ما تسميه “اقتصاد المقاومة”، أي التركيز على تحمّل الضغط والعقوبات بدل تحقيق نمو اقتصادي. ويساعدها في ذلك خبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات والضغوطات، وقدرتها على تخزين النفط في السفن، ما يتيح لها الصمود لفترة محدودة.

في المحصلة، نجح الحصار الأميركي في تقليص صادرات النفط الإيرانية وفرض ضغط فعلي على الاقتصاد الإيراني، لكنه لم يحقق حتى الآن الهدف الأساسي المتمثل في إجبار طهران على التراجع السريع. في المقابل، تملك إيران أدوات للمناورة وكسب الوقت، لكنها تواجه حدودًا واضحة، أبرزها سعة التخزين والضغوط الداخلية المتنامية.

مقالات مختارة

Skip to content