
اهتزت صورة دولة الإمارات كواحة للاستقرار اقتصادي في الشرق الأوسط مع اندلاع الحرب وتعرضها لهجمات إيرانية عديدة بالصواريخ والمسيرات. فالدولة التي بنت خلال عقود سمعة تقوم على الأمن والاستقرار وجذب الاستثمارات الدولية بدأت تواجه اهتزازًا واضحًا في ثقة الأسواق والمستثمرين، مع ظهور مؤشرات أولية على تأثير الحرب على قطاعات حيوية من اقتصادها.
يتناول تقرير لموقع كالكاليست الاقتصادي التأثيرات الاقتصادية للحرب على الإمارات، مشيرًا إلى أن النموذج الذي اعتمدت عليه الدولة بوصفها مركزًا تجاريًا وماليًا آمنًا في المنطقة يواجه اختبارًا صعبًا مع تصاعد المواجهة العسكرية والضغوط الجيوسياسية. ويعتبر التقرير أن أحد أخطر التهديدات الحالية يتمثل في احتمال تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية الموجودة داخل الإمارات. هذه الأصول الإيرانية موزعة داخل الإمارات على عدة مستويات، تشمل شركات تعمل داخل الدولة الخليجية، واستثمارات كبيرة لإيرانيين في سوق العقارات في دبي، إضافة إلى ودائع وأموال موجودة في البنوك الإماراتية تُستخدم لتمويل صفقات تجارية دولية مرتبطة بإيران. صحيح أن تجميد هذه الأموال قد يضر بالاقتصاد الإيراني، لكنه قد يعرّض أيضًا البنوك في الإمارات لهزة مالية بسبب حجم هذه الأموال داخل النظام المصرفي.
العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإيران قوية للغاية، ففي السنة الفارسية التي انتهت في 20 مارس 2025 بلغ حجم التجارة غير النفطية بين البلدين 29.1 مليار دولار. وتشمل هذه الأرقام صادرات إيرانية إلى الإمارات بقيمة 7.2 مليار دولار، مقابل صادرات إماراتية إلى إيران (أو إعادة تصدير عبر الإمارات) بقيمة 21.9 مليار دولار، ما جعل الإمارات بوابة اقتصادية رئيسية استخدمتها إيران للوصول إلى الأسواق العالمية رغم العقوبات.
وفي الأسواق المالية ظهرت آثار الحرب بسرعة، فقد اضطرت السلطات في دبي وأبوظبي إلى تعليق التداول في البورصات لمدة يومين في محاولة لمنع انهيار واسع. وعند استئناف التداول تراجع مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 4.7% في يوم واحد، وهي أكبر خسارة يومية منذ مايو 2022، قبل أن يصل التراجع الأسبوعي إلى 9%. كما سجل مؤشر أبوظبي انخفاضًا تجاوز 5%.
كما يشير المقال إلى أن أسهم شركات تُعد من ركائز الاقتصاد الإماراتي، مثل شركة إعمار العقارية وشركة الاتصالات “اتصالات”، تعرضت لموجة بيع في البورصة مع تصاعد الحرب، بعدما بدأ المستثمرون الأجانب إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الإمارات.
ويوضح المقال أن القلق الأكبر لدى القيادة الإماراتية يتعلق بمستقبل الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فقد بنت الإمارات مكانتها على الاستقرار السياسي والتنظيمي في منطقة مضطربة، وهو ما جذب شركات متعددة الجنسيات لإنشاء مقارها الإقليمية فيها. لكن ارتفاع المخاطر قد يدفع بعض هذه الشركات إلى إعادة التفكير في استثماراتها أو نقلها إلى أسواق أكثر استقرارًا.
قطاع الطيران والسياحة، الذي يُعد أحد أهم محركات الاقتصاد الإماراتي، تأثر أيضًا بشكل واضح. فقد عادت شركات الطيران الكبرى مثل طيران الإمارات والاتحاد وفلاي دبي إلى العمل بشكل جزئي فقط، بينما أظهرت بيانات حركة الطيران أن النشاط في مطار دبي الدولي وصل إلى نحو 25% فقط من مستواه المعتاد.
كما يذكر المقال أن قطاع السياحة تلقى ضربة مباشرة، إذ ارتفع عدد الحجوزات السياحية الملغاة إلى 8,450 في اليوم الأول للحرب، وقفزت نسبة الإلغاءات إلى 43.8% مقارنة بمعدل طبيعي يبلغ نحو 14.5%.
التوتر في مضيق هرمز انعكس أيضًا على التجارة البحرية. فميناء جبل علي في دبي تمر عبره بضائع (غير النفط) بقيمة تبلغ 530 مليون دولار يوميًا، ويمر عبر ميناء خليفة في أبوظبي يوميًا بضائع قيمتها 200 مليون دولار. ولذلك، فإن أي تعطّل في حركة الملاحة قد يؤدي إلى خسائر بمئات ملايين الدولارات في سلاسل الإمداد.
وفي قطاع الطاقة تواجه شركة النفط الوطنية في أبوظبي “أدنوك” تحديًا مختلفًا. فتعطل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز يخلق فائضًا في المعروض داخل الدولة بسبب صعوبة تصديره، رغم ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب.
في المحصلة يشير المقال إلى أن الأسبوع الأول من الحرب أظهر مدى تأثر الاقتصاد الإماراتي بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة. فالنموذج الذي جعل الإمارات مركزًا عالميًا للتجارة والاستثمار والسياحة يواجه الآن اختبارًا حقيقيًا، وقد يكون لذلك تأثير طويل الأمد على صورة الدولة الاقتصادية إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
مقالات ذات صلة: هل تمتلك دول الخليج منظومة دفاع جوي أقوى من إسرائيل؟











