
فاز روبرت موجابي، دكتاتور زمبابوي السابق، بالجائزة الكبرى في اليانصيب الوطني في بلده عام 2000. وقد فاز لسبب بسيط: لأنه كان قادرا على ذلك. بمجرد تدمير المؤسسات التي تقيد سلطتك، كما فعل موجابي خلال فترة حكمه التي دامت 37 عاما، يصبح بوسعك أن تَحكُم سعيا إلى الثراء الشخصي، أو تعظيم الذات، أو ببساطة الترفيه الشخصي. فهل توجد طريقة لإظهار القوة غير المقيدة أفضل من إظهار نظام القواعد الحالي بوصفه مجرد مهزلة؟ الواقع أن الضرر الذي قد يُلحِقه مثل هذا السلوك بالمعايير والمؤسسات هو جزء من التصميم.
تتردد أصداء يانصيب موجابي في قرارين اتخذتهما مؤخرا إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكل منهما يدفع بأجندة تسعى إلى إزالة كل القيود المفروضة على سلوك ترمب وحلفائه في المستقبل.
كان القرار الأول هو شن هجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران وقتل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي. وبغض النظر عن الخسائر في الأرواح والفوضى المباشرة، ينبغي أن يكون من الواضح أن الهجوم سيشعل شرارة فترة طويلة من انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط.
من المؤكد أن النظام الإيراني كان قمعيا، ودمويا، ومخربا لرفاهة الإيرانيين الاقتصادية والاجتماعية. لا شك أن خامنئي، والنخبة الحاكمة، والحرس الثوري الإسلامي المخيف ملطخة أيديهم بالدماء، بما في ذلك قتل واعتقال عشرات الآلاف من المتظاهرين منذ بداية عامنا هذا فقط.
لكن لا شيء من هذا يبرر شن حرب جديدة في الشرق الأوسط تفتقر إلى دعم الحلفاء الدوليين أو أي نوع من التأييد الداخلي. لا تزال الولايات المتحدة تعتبر ديمقراطية حيث يجب أن تكون آراء الشعب مهمة من حيث المبدأ، لكن مع إقدام ترمب على المجازفة بإحداث مذبحة على مستوى منطقة بأسرها، يبدو أن القشرة الديمقراطية تزداد رِقّة يوما بعد يوم.
مهما كان مدى سوء سجل خامنئي، فإنه لم يكن مثل نيكولاس مادورو، الذي لم يكن لديه سوى عدد قليل من المؤيدين المتشددين حتى في الجيش الفنزويلي عندما تدخل ترمب لأسرِه في يناير/كانون الثاني. في إيران، لن يتسنى زرع نظام عميل، حيث المؤسسات الحكومية والمشاعر القومية قوية. عندما انهار نظام الشاه في مواجهة الثورة الإيرانية في عام 1979، ظل جهاز الدولة سليما إلى حد كبير ونقل ولاءه إلى الجمهورية الإسلامية الجديدة.
علاوة على ذلك، كان خامنئي، بحكم دوره الديني، يحظى بالاحترام والسلطة بين المسلمين الشيعة في الداخل، حيث يشكلون أغلبية ساحقة من السكان، وفي الخارج. وفي نظر كثيرين، يجعله قتله شهيدا ــ وهو آخر ما تحتاج إليه إيران أو المنطقة.
القرار الآخر الخطير والمزعزع للاستقرار الذي اتخذه ترمب، والذي سبق القرار الأول مباشرة، كان تصنيف شركة الذكاء الاصطناعي أنثروبك (Anthropic) على أنها من مخاطر سلاسل التوريد. هذا التصنيف، الذي عادة ما يقتصر على الشركات التابعة لأعداء أجانب، مثل شركة هواوي الصينية، يمنع المقاولين الفيدراليين من استخدام نماذج شركة Anthropic ويفرض قيودا كبيرة على ما يمكن أن تفعله الشركة في المستقبل. وقد أعلن وزير “الحرب” (الدفاع) بيت هيجسيث أن أي مقاول، أو مورد، أو شريك يتعامل مع الجيش الأميركي لا يجوز له “اعتبارا من الآن” مزاولة أي نشاط تجاري مع Anthropic”.
ولكن ما السبب؟ كانت شركة Anthropic تريد ضمانات ضد استخدام نماذجها في المراقبة الجماعية للأميركيين وأنظمة الأسلحة المستقلة. لم يكن أي من هذين الشرطين ليفرض قيودا حقيقية على وزارة الدفاع في الممارسة العملية. الواقع أن المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين غير قانونية بموجب القانون الأميركي، وأنظمة الأسلحة المستقلة ليست احتمالا في الأمد القريب. لكن من منظور ترمب وهجسيث، ما يهم هو استعراض القوة وترهيب شركة Anthropic. يجب أن يثبتا أنهما قادران على فعل ما يشاءان، تماما مثل موجابي.
ولكن على عكس اليانصيب المزور في زيمبابوي، سيكون للقرار بشأن شركة Anthropic عواقب كبرى، ربما تكون أبعد مدى من العواقب التي سيخلفها الهجوم على إيران. بصرف النظر عن تصوراتنا بشأن قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية، لا أحد يشك في أن من يتحكم في الذكاء الاصطناعي في المستقبل سيكون له تأثيرات مهولة على الديمقراطية، والأعمال، والاتصالات، والخصوصية. قد يفسر كثيرون في الصناعة حظر Anthropic على أنه يعني أن حكومة الولايات المتحدة، وليس القطاع الخاص، هي التي ستتحكم في الذكاء الاصطناعي.
لقد دفعت ديناميكيات “الفائز يستأثر بكل شيء” (سواء كانت حقيقية أو متصورة) المنافسة بين OpenAI، وAnthropic، وGoogle إلى ذروة الحماس. في غضون ساعات من إعلان Anthropic، سارع سام ألتمان، رئيس OpenAI، إلى إبرام صفقة مع وزارة الدفاع ــ وهي صفقة تشير إلى أن هذه المنافسة على وشك الوصول إلى مستويات جديدة خطيرة. الواقع أن ألتمان على استعداد لمنح هيجسيث كل ما رفضته Anthropic، بما في ذلك القدرة على انتهاك القانون الأميركي والاستعداد للعمل على تطوير أنظمة أسلحة مستقلة.
وقد تكون التداعيات المترتبة على الإجراء المتخذ ضد Anthropic أبعد من ذلك. فالآن، بات بوسع هذه الإدارة، وربما الإدارات المقبلة، أن تفرض عقوبات غير متناسبة على أي مقاول لا تتفق معه. الآن، أصبح أمن حقوق الملكية الخاصة أكثر هشاشة. من ناحية أخرى، أشار البنتاجون للعالم أنه عازم على المراقبة الجماعية وتطوير أنظمة أسلحة مستقلة (وإلا فلماذا يهتم بهذين البندين غير الفعالين في العقد؟).
بوسعنا أن نقول إن ترمب بلغ مستوى من العبثية يضاهي ما كان عليه موجابي بهجومه العسكري على إيران وهجومه القانوني على Anthropic. لقد أطلق رئيس وصل إلى السلطة واعدا بتجنب أي تورط خارجي جديد، خاصة في الشرق الأوسط، حربا قد تكون أشد خطورة من حرب العراق قبل جيل، وبمبررات أكثر هشاشة. رئيس يكيل الانتقادات ضد “الاشتراكية” و”الديمقراطيين اليساريين المتطرفين”، ورغم ذلك يستخدم الدولة لسحق شركة خاصة.
ولكن في كل من الحالتين، العبثية هي بيت القصيد ــ كما كانت الحال مع موجابي. إن قيمة الصدمة وسَحق الأعراف تجسيد لعقيدة ترمب الشخصية والسياسية: القواعد للسذج فقط.
ترجمة: إبراهيم محمد علي
دارون عاصم أوغلو حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد لعام 2024 وأستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هو المؤلف المشارك (مع سيمون جونسون) لكتاب “القوة والتقدم: صراعنا الذي دام ألف عام حول التكنولوجيا والرخاء” (PublicAffairs, 2023).
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org












