
يواجه سوق العمل في البلاد نقصا متواصلًا في العاملين منذ سنوات، وهو نقص بات واضحًا في معظم القطاعات، وخصوصا في الأعمال التي لا تتطلب تعليمًا أكاديميا أو تأهيلًا مهنيًا خاصًا. أصحاب المتاجر الكبيرة والمطاعم وشركات الخدمات يؤكدون أن المشكلة لم تعد مؤقتة، بل أصبح لها تبعات يومية يؤثر على النشاط الاقتصادي وعلى قدرة المصالح على الاستمرار.
في هذا الصدد، نشرت صحيفة “دا ماركر” مؤخرًا تقريرًا عن صاحب مطعم في تل أبيب اضطر إلى إغلاق مطعمه بعد 14 عاما من العمل، رغم أن مطعمه كان يعمل بشكل جيد. صاحب المطعم قال للصحيفة إن السبب الرئيسي للإغلاق هو عدم قدرته على إيجاد عاملين. وضرب مثالًا بأنه عندما كان يحدد مقابلات عمل لعشرة موظفين مثلًا، كان ثمانية منهم لا يحضرون من دون أي إشعار. ومن يصل إلى المقابلة يطالب بأجر لا يقل عن 60 شيكل على الساعة حتى من دون خبرة، ويطالب من لديه خبرة بـ70 شيكل على الساعة على الأقل. وأضاف أن ظاهرة جديدة انتشرت خلال السنة الأخيرة، حيث يعمل بعض الشباب أسبوعًا واحدًا فقط، خمس أو ست ورديات، ويجمعون ما بين 2,000 و3,000 شيكل، ثمّ يحصلون على الراتب في العاشر من الشهر، وبعدها يتوقفون عن الحضور إلى العمل. ويعتقد صاحب المطعم أن هذا السلوك مرتبط بحقيقة أن كثيرًا من هؤلاء الشباب يعيشون في بيوت أهاليهم ويحصلون على دعم اقتصادي منهم يقلل عنهم حاجتهم إلى الاستمرار في العمل أو الالتزام بوظيفة ثابتة.
هذه الشهادة تتقاطع مع أرقام نشرتها دائرة الإحصاء المركزية ومصلحة التشغيل. نسبة تشغيل الشباب في البلاد أقل من مثيلاتها في الولايات المتحدة ودول OECD. بين سن 15 و19 تبلغ نسبة التشغيل 25%، بعد أن كانت 27% في عام 2017، وهي أقل من المعدلات في دول متقدمة أخرى. بين سن 20 و24 تبلغ النسبة 63%، وهي أقل من الولايات المتحدة. نسبة تشغيل الفئة العمرية 25 إلى 29 سنة في البلاد هي أقل بحوالي 5% من المعدل في دول OECD، وأقل بنحو 7% مقارنة بالولايات المتحدة. في المقابل، بعد سن 35، ترتفع نسبة التشغيل وتصبح أعلى من دول أخرى.
في الوقت نفسه، نسبة البطالة بين جميع السكان القادرين على العمل في البلاد منخفضة جدًا، وقريبة من 3%. هذا يعني أن معظم من يبحثون عن عمل يجدون وظيفة، لكن جزءًا كبيرًا من الشباب لا يدخل سوق العمل في هذه المرحلة العمرية أو يعمل ساعات أقل من السابق. تقارير مصلحة التشغيل تشير إلى أن كثيرًا من الشباب يعملون في الواقع، لكن بشكل جزئي أو مؤقت، وهو ما يخلق نقصًا فعليًا في عدد العاملين المتاحين، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على دوام كامل واستمرارية يومية مثل المتاجر والمطاعم والخدمات.
في المتاجر الكبيرة وحدها، يقدّر أصحاب المصالح النقص بعشرات آلاف العاملين. خلال الأشهر الأخيرة جرى توظيف عاملين أجانب في بعض المتاجر للتخفيف من الأزمة، لكن هذا الحل جزئي ولا يغطي جميع الاحتياجات، كما أنه يفرض على المصالح تحديات تشغيلية جديدة.
أصحاب المتاجر الكبيرة يؤكدون أن النقص أشد في منطقة المركز، وخصوصًا في تل أبيب والقدس، حيث المنافسة على العاملين عالية وكلفة المعيشة مرتفعة. مدير لإحدى المتاجر الكبيرة التي تملك عشرات الفروع قال إن لديه 550 عاملًا لكنه يحتاج إلى 50 عاملًا إضافيًا على الأقل، وإن نحو 20% من العاملين الحاليين غير مناسبين أو لا يلبون الاحتياجات، لكنه مضطر للاحتفاظ بهم لعدم وجود بدائل. وأضاف أنه لو توفر عاملون إضافيون لكان قادرًا على توظيف العشرات منهم فورًا.
أسباب عزوف الشباب عن العمل
خبراء في سوق العمل يقولون إن هناك عدة تفسيرات لنقص العاملين من فئة الشباب، من ضمنها استدعاء أعداد كبيرة من الشباب للخدمة الاحتياطية خلال العامين الأخيرين، ما أبعدهم عن أماكن العمل لفترات طويلة. إضافة إلى التغييرات الديمغرافية، وأبرزها ارتفاع عدد الشباب الحريديم، حيث إن نسبة كبيرة من الرجال الحريديم لا يعملون في عمر الشباب. في الوقت نفسه، يؤكد بعض الخبراء أن هذه العوامل لا تفسر الظاهرة بالكامل، خاصة أن مشاركة الشابات العربيات والشابات من المجتمع الحريدي في سوق العمل ارتفعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، وهو تطور كان من المفترض أن يؤدي إلى ارتفاع نسبة تشغيل الشباب بشكل عام.
تفسير آخر يطرحه مختصون يكمن في الفجوة المتزايدة بين توقعات الشباب وشروط العمل المعروضة، خصوصًا في قطاع المطاعم والتجزئة والخدمات، التي تتسم بساعات طويلة وضغط عمل كبير وعدم وجود مستقبل مهني واضح، إضافة إلى أن سنوات الكورونا والحرب غيّرت موقف كثير من الشباب من العمل، وجعلتهم أقل استعدادًا للالتزام بوظائف مرهقة حتى مع تحسن الأجور.
في المقابل، يعتقد أحد المسؤولين في مصلحة التشغيل أن السبب الأقرب لتفسير نقص أعداد الموظفين الشباب يكمن في تراجع الاستقرار الوظيفي لدى الشباب، لا في عزوف الشباب عن العمل. فالكثيرون يعملون لفترات قصيرة فقط، أو يتنقلون بسرعة بين أماكن عمل مختلفة، أو يكتفون بعدد محدود من الساعات الأسبوعية، ما يساهم بشكل مباشر في نقص أعداد العاملين، رغم وجود وظائف شاغرة وطلب مرتفع على اليد العاملة.
مقالات ذات صلة: ارتفاع الحد الأدنى للأجور في 2026












