الأربعاء, يناير 28, 2026 00:27
/
/
الاقتصاد الرقمي: هكذا قطعت الحرب أحد أهم شرايين الاقتصاد بغزة

الاقتصاد الرقمي: هكذا قطعت الحرب أحد أهم شرايين الاقتصاد بغزة

أيقون موقع وصلة Wasla
איגוד התעשיינים - גיוס עובדים - דצמבר
مشهد من الدمار في بداية الحرب على غزة - الصورة: ويكيميديا
مشهد من الدمار في بداية الحرب على غزة – الصورة: ويكيميديا

 

يشير تقرير صادر عن مركز حملة إلى أن البنية التحتية للاتصالات والاقتصاد الرقمي في غزة كانت تعاني من هشاشة شديدة حتى قبل حرب السابع من أكتوبر عام 2023، نتيجة حصار متواصل منذ 18 عامًا، تخللته حروب متكررة وجولات تصعيد وقيود صارمة على إدخال معدات الاتصالات الحديثة. هذه الظروف أبقت غزة في عزلة رقمية مقارنة بالضفة الغربية، التي بدأ العمل فيها بخدمة الجيل الثالث 3G عام 2018 وتسعى للتقدم نحو الجيل الرابع 4G، في حين لم تتجاوز غزة خدمة الجيل الثاني 2G.

عشية عام 2023، أظهرت البيانات أن 58% فقط من سكان غزة كانوا يملكون هاتفًا ذكيًا، مقارنة بـ83% في الضفة الغربية. ورغم أن 92% من الأسر في غزة كان لديها شكل من أشكال الاتصال بالإنترنت في عام 2022، إلا أن هذا الاتصال اعتمد بدرجة كبيرة على خطوط ثابتة وشبكات واي فاي عبر كابلات ADSL نحاسية، مع بنية تحتية أضعف من تلك المتوفرة في الضفة الغربية حيث تنتشر شبكات الألياف البصرية “الفايبر” الموصولة بالمنازل. في العام نفسه، استخدم 83% من سكان غزة ممن تبلغ أعمارهم 10 سنوات فما فوق الإنترنت، لكن الاستخدام بقي محدودًا بسبب ازدحام الشبكة وضعف البنية التحتية. متوسط سرعة الإنترنت في الأراضي الفلسطينية المحتلة بلغ 26 ميغابايت في الثانية، بينما كانت السرعة في غزة أقل بكثير. إضافة إلى ذلك، اعتمد اتصال غزة بالإنترنت على كابل ألياف بصري واحد فقط يمر عبر إسرائيل، مع تحكم كامل بعرض النطاق وعدم وجود مسارات بديلة، ما جعل أي عطل كفيلًا بقطع الإنترنت عن القطاع بالكامل.

איגוד התעשיינים - גיוס עובדים - דצמבר

العمل عن بعد

رغم هذا الواقع، شهد العمل عن بعد والعمل المستقل توسعًا تدريجيًا في غزة خلال العقدين الأخيرين، خاصة في ظل شح فرص العمل المحلية. في عام 2021، كانت 35% فقط من المصالح التجارية في غزة تملك حواسيب لمزاولة العمل الجاري، إلا أن 84% من أصحاب المصالح أفادوا باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الجمهور، مقارنة بـ77% في الضفة الغربية. هذا الاعتماد على أدوات بسيطة للتواصل والتسويق عكس قدرة على التكيّف، لكنه كشف في الوقت نفسه غياب بنية رقمية متقدمة مثل مواقع التجارة الإلكترونية وبوابات الدفع الفعالة. ومع مرور الوقت، توسع حضور الغزيين على منصات العمل الحر العالمية مثل Upwork وFiverr، حيث قدم مبرمجون ومصممو جرافيك ومسوقون رقميون خدماتهم لعملاء في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية، ما أتاح توليد دخل عبر ما يشبه الصادرات الرقمية.

على مستوى الاقتصاد الفلسطيني، يذكر التقرير أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات شكّل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022، بما يعادل 651 مليون دولار، ووفّر فرص عمل لحوالي 9,000 شخص في نحو 700 شركة في الضفة الغربية وقطاع غزة. صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ارتفعت من مليوني دولار عام 2000 إلى أكثر من 134 مليون دولار عام 2021. ويعتمد القطاع على رأس مال بشري شاب، إذ يتخرج أكثر من 2,500 مختص سنويًا في مجالات التكنولوجيا، وتبلغ نسبة مشاركة النساء في هذا القطاع 27%. في المقابل، يشير التقرير إلى فجوات واضحة بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات الصناعة، ما دفع إلى ظهور مبادرات تدريب وحاضنات أعمال محلية ودولية لمحاولة سد هذه الفجوات.

في ما يتعلق بوسائل الدفع والوصول إلى الأسواق، يوضح التقرير أن عدم توفر خدمات عالمية مثل PayPal للفلسطينيين في غزة يعيق تلقي الدفعات الدولية. ورغم وجود بدائل محلية مثل PalPay، إلا أن كثيرًا من الزبائن يفضّلون خدمات الدفع العالمية، ما يحد من الفرص المتاحة أمام العاملين المستقلين. كما أن التحويلات البنكية بطيئة ومكلفة، ومنصات العمل الحر لا تتعامل معها بسهولة، ما يعمّق العزل الاقتصادي الرقمي.

Images of war 23 25 from Gaza by Jaber Badwen IMG 5670
مشهد الدمار في قطاع الغزة في عام 2025، الصورة: ويكيميديا

 

أثر الحرب

بعد تشرين الأول 2023، انتقلت هذه القيود المزمنة إلى مرحلة انهيار واسع. في 8 تشرين الأول دُمّر برج “الوطن” في غزة، وهو مقر شركة اتصالات رئيسية، ما أدى إلى تعطّل نشاطها بالكامل. في اليوم التالي، دُمّر أحد مكاتب شركة “بالتل”، أكبر مزود لخدمات الاتصالات. وبحلول 10 تشرين الثاني 2023، كانت الغارات قد دمّرت خطين من أصل ثلاثة خطوط اتصالات خلوية رئيسية، واضطر السكان للاعتماد على خط واحد متبقٍ للهواتف والإنترنت، ما أدى إلى انقطاع الاتصال عن مئات آلاف السكان لفترات طويلة.

يقدّر التقرير الخسائر الإجمالية في البنية التحتية بأكثر من 18.5 مليار دولار، تشمل الأضرار التي لحقت بالمنازل والمباني التجارية والطرقات ونظام المياه والبنية الرقمية. في قطاع الاتصالات، تعطّل نحو 75% من البنية التحتية، ودُمّر ما لا يقل عن 50% منها. ومع نفاد الوقود من محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة بحلول 11 تشرين الأول ومنع إدخال الوقود، تعطلت المولدات التي كانت تعتمد عليها مواقع الاتصالات ومزودو الإنترنت. نتيجة ذلك، تراجع تدفق الإنترنت في غزة بأكثر من 80% خلال تشرين الأول 2023.

بحلول منتصف تشرين الأول 2023، واجه 83% من مستخدمي الإنترنت الثابت انقطاعًا في الاتصال، وتعطلت 50% من خطوط الألياف البصرية. وفي 27 تشرين الأول أُعلن عن انقطاع تام لجميع خدمات الإنترنت والاتصال. وبحلول 31 تشرين الأول 2023، لم يعد 15 مزودًا محليًا للإنترنت من أصل 19 قادرين على تقديم أي خدمة، وتراجع نشاط المزودين الأربعة المتبقين بشكل ملحوظ.

1024px Israeli airstrikes on the Gaza Strip on civilian homes during the Gaza War 23 25
غارات إسرائيلية على قطاع غزة، الصورة: ويكيميديا

 

الانهيار الرقمي ترافق مع انهيار اقتصادي غير مسبوق. في النصف الأول من عام 2024، تراجع الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 86% مقارنة بالعام السابق، وتراجع قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وحده بنسبة 91.7%. الدخل الحقيقي للفرد انخفض من 2,328 دولارًا عام 1994 إلى أقل من 200 دولار عام 2024. نحو 88% من المؤسسات الخاصة تضررت أو دُمّرت بالكامل. مؤشر أسعار المستهلك ارتفع بأكثر من 309% مقارنة بالعام السابق، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 448% مقارنة بأسعار تشرين الأول 2023. ووفق تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2024، ارتفع معدل البطالة في غزة إلى 79% بعد أن كان 46.6% في منتصف 2023.

يعرض تقرير مركز حملة نتائج استطلاعات ومقابلات مع عاملين رقميين توضح الأثر المباشر لهذه التطورات. 65% من المستطلعين قالوا إنهم اضطروا للتنقل بين مناطق مختلفة بحثًا عن اتصال بالإنترنت أو مصدر كهرباء. 86% أفادوا بأن زبائنهم ألغوا مشاريع بسبب عدم القدرة على تسليم العمل نتيجة انقطاع الإنترنت أو الكهرباء أو ظروف خارجة عن السيطرة. الشريحة الأوسع من العاملين خسرت بين 76% و100% من دخلها.

في ما يتعلق بوسائل الدفع، أشار 46% من المستطلعين إلى اعتمادهم على التحويلات البنكية إلى حسابات محلية، و26% إلى استخدام PayPal، و21% إلى المحافظ الرقمية المحلية، و10% إلى العملات الرقمية المشفرة. إلا أن هذه القنوات أصبحت محفوفة بالمخاطر والكلفة، مع حالات انتظار وصلت إلى 180 يومًا لسحب الأموال، وعمولات ارتفعت إلى نحو 30% خلال الحرب للحصول على سيولة نقدية.

كما يكشف التقرير عن ضعف شبكات الدعم. 46% من المستطلعين يعتمدون على الأصدقاء أو الزملاء للدعم التقني، و33% قالوا إنه لا يوجد أي دعم في محيطهم. أقل من ربع العاملين الرقميين يشاركون بفاعلية في مجتمعات داعمة، فيما تبقى الغالبية خارج هذه الأطر بسبب النزوح والظروف المعيشية القاسية.

تخلص معطيات التقرير إلى أن الاقتصاد الرقمي في غزة كان قبل تشرين الأول 2023 يعمل في ظروف قاسية لكنه مثّل شريان حياة لفئات واسعة. بعد الحرب، أدى تدمير البنية التحتية، والانقطاع الواسع للكهرباء والإنترنت، وتعطّل قنوات الدفع، إلى شلل شبه كامل في هذا القطاع، وفقدان آلاف الأسر مصدر دخلها، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الغزي انهيارًا شاملًا وارتفاعًا حادًا في البطالة والأسعار.

مقالات ذات صلة: اقتصاد الركام في غزة: حين تتحوّل الأنقاض إلى مصدر الرزق الوحيد

איגוד התעשיינים - גיוס עובדים - דצמבר

مقالات مختارة