
قبل ساعات من انطلاق نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا على ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، قفزت أسعار التذاكر المعروضة لإعادة البيع بشكل غير مسبوق ليصل سعر بعضها إلى 2.3 مليون دولار، كما سجلت منصات التوقعات والمراهنات تداولات بمليارات الدولارات على هوية المنتخب الذي سيرفع الكأس الذهبية.
ونفدت جميع تذاكر المباراة من منصة البيع الرسمية التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، وعرضت منصة إعادة البيع الرسمية عدد محدود من التذاكر، بأسعار تبدأ من 10 آلاف دولار وتصل إلى 2.3 مليون دولار للتذكرة الواحدة. ويعكس هذا الارتفاع الطلب الكبير على حضور المواجهة التاريخية بين الأرجنتين وإسبانيا، ولا سيما مع المشاركة الأخيرة لليونيل ميسي في كأس العالم، إلى جانب المشاركة الأولى للنجم الإسباني الشاب لامين جمال، الذي جمعته مع ميسي صورة تاريخية يقوم بتحميمه فيها وهو طفل رضيع.
وبالتوازي مع السباق على التذاكر، سجلت منصات التوقعات نشاطًا قياسيًا. وبلغ حجم التداول على نتيجة المباراة في منصة «كالشي» أكثر من 1.27 مليار دولار منذ تأهل الأرجنتين إلى النهائي بعد فوزها على إنجلترا في الدور نصف النهائي. ومنح المتداولون إسبانيا فرصة فوز بلغت 61%.
وبلغ إجمالي التداول في التوقعات المرتبطة بنتائج كأس العالم 25 مليار دولار، وهو حجم لم يُسجل سابقًا في أي حدث رياضي. وللمقارنة، بلغت قيمة التداولات المرتبطة بنهائي دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين 2 مليار دولار، وسجل نهائي دوري كرة القدم الأمريكية مليار دولار فقط.
وفي منصة «بوليماركت»، بلغت فيمة التداولات التراكمية 4 مليار دولار على هوية بطل كأس العالم منذ يوليو، لتصبح هذا التداول الأكبر في تاريخ المنصة، متجاوزًا حجم التداول على الفائز في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2024. كما بلغ إجمالي التداول في «بوليماركت» خلال يوليو 11 مليار دولار، وهو رقم قياسي، مدفوعًا بصورة أساسية بالمراهنات على مباريات البطولة.
أسعار التذاكر ارتفعت مع تقدم البطولة
كانت تذاكر كأس العالم قد طُرحت في البداية بأسعار تبدأ من 575 دولارًا لمباريات دور المجموعات، وهو أكثر من ضعف أعلى سعر للتذاكر في الدور ذاته خلال مونديال قطر عام 2022. واعتمد «فيفا» في هذه البطولة نظام التسعير الديناميكي للمرة الأولى، بحيث تتغير الأسعار وفق حجم الطلب، ما أدى إلى ارتفاعها تدريجيًا مع تقدم المنافسات واقتراب المباراة النهائية.
وعلى الرغم من المخاوف التي سبقت انطلاق البطولة بشأن ارتفاع الأسعار، وقيود التأشيرات، والاضطرابات التي شهدتها الولايات المتحدة، جاء الإقبال الجماهيري أكبر من المتوقع. وأقيمت أكثر من نصف مباريات دور المجموعات، البالغ عددها 72 مباراة، في ملاعب مدرجاتها ممتلئة بالكامل، فيما بلغت نسبة إشغال المقاعد المتاحة خلال المرحلة الأولى 99.7%.
وقال الخبير في سوق التذاكر سكوت فريدمان إن «فيفا» نجح في تقدير حجم الطلب، مشيرًا إلى أن المشجعين كانوا مستعدين لدفع أسعار باهظة لحضور مباريات البطولة، وليس النهائي فقط. وأضاف أن التوقعات بانخفاض الإقبال بسبب الظروف السياسية وقضايا الهجرة لم تتحقق، إذ تجاوزت شعبية كأس العالم هذه المخاوف.
وأوضح فريدمان أن طرح دفعات إضافية من التذاكر قبل المباراة النهائية لا يدل على ضعف الطلب، بل يرتبط بسياسة «الطرح التدريجي»، التي تعتمد على حجب جزء من التذاكر ثم طرحه في مراحل لاحقة، بما يعزز الإحساس بندرتها ويزيد الطلب عليها.
جدل بشأن التسعير وغياب الشفافية
أثار نظام التسعير الديناميكي انتقادات بسبب غياب الوضوح بشأن طريقة تحديد الأسعار. وقال أستاذ الهندسة الصناعية في جامعة كولومبيا آدم إلماختوب إن المستهلكين اعتادوا التسعير المتغير في قطاعات مثل الطيران والتجارة الإلكترونية، إلا أن تطبيقه في حدث عالمي بحجم كأس العالم يتطلب شفافية أكبر.
ودفعت الانتقادات «فيفا» إلى طرح عدد محدود من التذاكر بأسعار منخفضة، استجابة لضغوط سياسية ومطالب مسؤولين محليين في نيويورك بإتاحة الفرصة لجمهور أوسع لحضور المباريات. لكن هذه الخطوة لم تغيّر الصورة العامة، في ظل استمرار الأسعار المرتفعة في السوق الرسمية لإعادة البيع والمنصات الأخرى.
كما ساهم المستوى الفني للبطولة في زيادة الطلب، بعدما بلغت المنتخبات الأربعة الأولى في التصنيف العالمي الدور نصف النهائي للمرة الأولى منذ بدء العمل بالتصنيف الدولي، إضافة إلى وصول ميسي إلى نهائي جديد، ما رفع القيمة الجماهيرية والتجارية للمباراة.

أسواق التوقعات لم تنجح دائمًا في قراءة النتائج
على الرغم من المبالغ القياسية المتداولة في أسواق التوقعات، لم تكن تقديرات المتداولين دقيقة في عدد من المباريات الحاسمة. فقد منحت منصة «كالشي» فرنسا وإنجلترا أفضلية بلغت 10% في مباراتي الدور نصف النهائي، لكن المنتخبين خسرا أمام إسبانيا والأرجنتين. وسجلت «بوليماركت» تقديرات مشابهة، بفوارق أقل.
كما أخفقت الأسواق في توقع بعض نتائج الدور ربع النهائي. فقد منحت «كالشي» المغرب فرصة فوز بلغت 76% أمام فرنسا، وبلغت النسبة في «بوليماركت» 62%، لكن فرنسا حسمت المباراة. ومالت التوقعات أيضًا إلى بلجيكا في مواجهتها مع إسبانيا، قبل أن تتأهل إسبانيا إلى الدور نصف النهائي.
وتعكس هذه النتائج أن الحجم الكبير للأموال المتداولة لا يضمن دقة التوقعات، إذ تعتمد هذه الأسواق على رهانات المشاركين بشأن نتائج المباريات.
نهائي بعيد عن متناول المشجعين
ساعدت القوانين الأمريكية المرنة بشأن إعادة بيع التذاكر في ارتفاع الأسعار، إذ تسمح للبائعين بتحديد السعر بحرية، بخلاف دول مثل المكسيك التي تحظر إعادة البيع بسعر يتجاوز السعر الأصلي.
ورغم انخفاض متوسط الأسعار على بعض المنصات مع اقتراب موعد المباراة، تجاوز متوسط سعر التذكرة في منصة «سيت غيك» 11 ألف دولار، ليصبح نهائي كأس العالم الأغلى في تاريخ المنصة، متجاوزًا نهائي «سوبر بول» عام 2024 بنسبة 8%.
وانتقدت منظمات حقوقية وروابط مشجعين تحول البطولة إلى حدث لا يستطيع تحمّل تكاليفه إلا الأثرياء، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار التذاكر وصعوبة الحصول على التأشيرات حرما أعدادًا كبيرة من الجماهير من الحضور، رغم تعهدات «فيفا» بأن تكون نسخة 2026 الأكثر شمولًا في تاريخ البطولة.
وقالت منظمة «اتحاد مشجعي كرة القدم في أوروبا» إن البطولة أصبحت عمليًا «كأس عالم لفئة قليلة محظوظة»، بعدما حالت التكاليف المرتفعة دون مشاركة كثير من المشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم.
وبين تذكرة معروضة بملايين الدولارات وتداولات بعشرات المليارات في أسواق التوقعات، يدخل نهائي الأرجنتين وإسبانيا التاريخ ليس فقط بوصفه المباراة التي ستحدد بطل العالم، بل أيضًا باعتباره أحد أضخم الأحداث الرياضية من حيث حجم الأموال المتعلقة به.












