البورصة ما زالت ترقص على أنغام ترامب… لكن مؤشرات الفقاعة تتراكم

الأحد, يوليو 19, 2026 23:06
/
/
البورصة ما زالت ترقص على أنغام ترامب… لكن مؤشرات الفقاعة تتراكم

البورصة ما زالت ترقص على أنغام ترامب… لكن مؤشرات الفقاعة تتراكم

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

قيمة الشركات السوقية تصل إلى مستويات غير مسبوقة، البورصات والأسواق المالية تتحول تدريجيًا إلى كازينوهات للمراهنة، فيما تحقق شركات عملاقة أرباحًا هائلة من دون أن “تعمل حساب” لأي رقابة تنظيمية حقيقية. في أجواء كهذه، لم يعد حتى اقتراح شركة «ترامب ميديا» ببيع “خدمة” الوصول المُبكّر لتغريدات ترامب أمراً مستهجنًا أو غريبا.

دونالد ترامب يحمل منشورًا مطبوعًا من منصة Truth Social، الصورة: ويكيميديا

 

هذه ست إشارات إلى أن أسواق المال قد تكون في مرحلة فقاعة آخذة في التضخم 

لنفترض أنك مستثمر تشتري وتبيع الأسهم من حين إلى آخر. هل كنت ستدفع 100 ألف دولار شهريًا للحصول على تغريدات دونالد ترامب قبل بقية المستثمرين ببضعة ثواني أو أجزاء من الثانية، بحيث تتمكن من تنفيذ صفقتك قبل الجميع؟

قد يبدو السؤال عبثيًا، لكن الفكرة ليست بعيدة عن الواقع.

بحسب تقرير نشرته «فايننشال تايمز»، تدرس شركة «ترامب ميديا آند تكنولوجي»، التي تشغّل شبكة Truth Social ويملك ترامب حصة الأسد فيها، بيع  خدمة الوصول المبكر إلى منشوراته لجهات مالية مقابل مبالغ ضخمة.

الفكرة بسيطة: عندما ينشر ترامب تغريدة إيجابية عن شركة أو قطاع، يتمكن المشتركون من شراء الأسهم قبل أن يقرأ بقية السوق التغريدة. وعندما يكتب تغريدة سلبية أو يهدد بإجراء سياسي قد يهز الأسواق، يمكنهم البيع قبل الآخرين.

من يمتلك المعلومة أولًا، ويملك أنظمة تداول سريعة مرتبطة مباشرة بالبورصة، يستطيع أن يربح. أما المستثمر العادي، فيجد نفسه على الطرف الآخر من الطاولة، في لعبة لم تعد قواعدها منصفة أو متساوية.

هذه الفكرة قد لا تتحول في النهاية إلى منتج فعلي، لكنها تعكس روح الأيام التي نعيشها: أسواق عند مستويات قياسية، تقييمات سوقية مرتفعة يصعب تبريرها، مضاربات متزايدة، وشركات مالية تحقق أرباحًا ضخمة من سوق يتحرك أحيانًا بفعل تغريدة واحدة

المشكلة أن هذا النوع من الجنون لا يستمر إلى الأبد.

يعرف كثير من مديري البنوك والوسطاء أن السوق أصبح مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر، لكنهم لا يستطيعون ببساطة أن يعلنوا خروجهم منه. العملاء يريدون مواصلة الصعود، وأي مؤسسة ترفض المشاركة قد تخسرهم لصالح منافس آخر.

وهكذا، يواصل الجميع الرقص، حتى لو كانوا يدركون أن الموسيقى قد تتوقف في لحظة ما.

nasdaq
يواصل الجميع الرقص، حتى لو كانوا يدركون أن الموسيقى قد تتوقف في لحظة ما.

 

  1. الأسهم أصبحت غالية جدا

يقيس المستثمرون أسعار الشركات عادةً من خلال مؤشرات مثل مضاعف الربحية ومضاعف المبيعات، أي مقارنة سعر السهم بأرباح الشركة أو بإيراداتها. أحد المؤشرات المعروفة هو CAPE، الذي طوّره الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت شيلر، ويعتمد على متوسط أرباح الشركات خلال عشر سنوات.

منذ عام 1881، بلغ متوسط هذا المؤشر في شركات S&P 500 نحو 17.8. لكن المؤشر وصل إلى مستويات استثنائية قبل أزمات تاريخية: نحو 32.6 قبل انهيار عام 1929، وحوالي 44 قبل انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000.

في يونيو/حزيران 2026، وصل المؤشر إلى نحو 41.4، أي إلى مستوى قريب من أعلى القمم المسجلة في التاريخ.

حتى توقعات أرباح الشركات الأميركية أصبحت مرتفعة للغاية، وتفوق المتوسطات التاريخية بفارق كبير. وهذا يعني أن الأسعار الحالية لا تعتمد فقط على أرباح قوية، بل على افتراض أن الشركات ستواصل تحقيق نتائج استثنائية لسنوات طويلة.

wall street
توقعات أرباح الشركات الأميركية أصبحت مرتفعة للغاية، وتفوق المتوسطات التاريخية بفارق كبير.

 

  1. نصف السوق تقريبًا يراهن على الذكاء الاصطناعي

يفترض بمؤشر S&P 500 أن يعكس قطاعات الاقتصاد الأميركي المختلفة. لكن الارتفاع الكبير في أسهم التكنولوجيا والرقائق ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي جعل المؤشر أكثر تركّزًا من أي وقت مضى.

تشكل أكبر عشر شركات تكنولوجية اليوم نحو 40% من قيمة المؤشر بأكمله، وهي نسبة غير مسبوقة. أما شركات الرقائق وحدها، فقد تضاعف وزنها في المؤشر أربع مرات منذ عام 2020، وأصبحت تمثل نحو خمس قيمته.

لا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا تاريخيًا، وسيغير قطاعات واسعة من الاقتصاد. لكن الاعتماد الشديد على مجموعة محدودة من الشركات يجعل السوق كله حساسًا لأي خبر سلبي في هذا المجال. فعندما تنخفض أسهم شركات الرقائق بسبب ظهور منافس جديد أو تقنية أرخص، لا تتراجع تلك الشركات وحدها، بل يتأثر المؤشر كله. هذا التركّز يجعل الاستثمار في السوق الأميركي أقل تنوعًا مما يبدو، وأكثر عرضة للصدمات.

4a3c725d aba8 4f74 9208 b940506b5a9a
التركّز في الذكاء الاصطناعي يجعل الاستثمار في السوق الأميركي أقل تنوعًا مما يبدو، وأكثر عرضة للصدمات، صورة توضيحية

 

  1. المبالغات المالية تعود من جديد

في كل فقاعة مالية، تظهر أدوات تسمح بإدخال شركات ضعيفة أو غير ناضجة إلى البورصة بأسعار مرتفعة. خلال سنوات جائحة كورونا، انتشرت شركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص، المعروفة باسم SPAC هذه الشركات تجمع الأموال أولًا من المستثمرين، ثم تبحث لاحقًا عن شركة خاصة لدمجها وإدخالها إلى البورصة. عندما انتهت موجة الحماس، خسرت غالبية شركات SPAC عشرات النسب المئوية من قيمتها، وأُغلق بعضها تمامًا. بعد ذلك، اختفت الظاهرة تقريبًا.

اليوم، بدأت هذه الشركات بالعودة. ويحاول بعض المبادرين الماليين، جمع الأموال من خلال هذا المسار، فيما ترى فيه شركات ناشئة لا تملك مبيعات أو أرباحًا كافية طريقًا أسهل للوصول إلى البورصة. عودة هذه الظاهرة ليست دليلًا قاطعًا على وجود فقاعة، لكنها إشارة معروفة من دورات سابقة: عندما تصبح الأسواق متساهلة، يجد المال طريقه حتى إلى الشركات التي لا تستطيع اجتياز شروط الاكتتاب العادي.

 

  1. “فذلكات” تُذكّر بما سبق أزمة 2008

لم تبدأ الأزمة المالية العالمية عام 2008 من سوق الأسهم، بل من سوق الديون والرهون العقارية. في ذلك الوقت، جرى تجميع قروض ضعيفة داخل منتجات مالية معقدة، ثم بيعها للمستثمرين على أنها أدوات متنوعة وآمنة. وعندما انهار سوق العقارات، اتضح أن التنويع كان وهميًا، لأن جميع القروض كانت معرضة للخطر نفسه.

مؤخرًا، بدأت أدوات شبيهة بالعودة، من بينها ما يعرف باسم CLO، أي التزامات القروض المضمونة. في هذه الأدوات، تُجمع ديون شركات متعددة، مثل ديون شركات التكنولوجيا والبرمجيات والشركات الناشئة، داخل منتج واحد يُفترض أنه أكثر أمانًا بفضل التنويع. لكن إذا كانت الشركات كلها تعمل في القطاع نفسه، وتعرضت للصعوبة نفسها، فلن يفيد التنويع كثيرًا.

فإذا أدت تطورات الذكاء الاصطناعي مثلًا إلى أزمة في شركات البرمجيات التقليدية، فقد تتراجع قدرتها جميعًا على سداد ديونها في الوقت نفسه، وعندها قد تنهار قيمة هذه الأدوات كما حدث في أزمات سابقة.

shutterstock 2090787709
لم تبدأ الأزمة المالية العالمية عام 2008 من سوق الأسهم، بل من سوق الديون والرهون العقارية، صورة توضيحية

 

  1. الاكتتابات الضخمة تسحب الأموال من السوق

تستعد شركات تكنولوجية عملاقة لجمع عشرات المليارات من الدولارات من المستثمرين، سواء من خلال بيع الأسهم أو إصدار السندات. المشكلة أن الأموال التي ستتدفق إلى هذه الشركات لن تأتي من الفراغ. المستثمرون سيبيعون أسهمًا أو سندات أخرى من أجل المشاركة في الاكتتابات الجديدة. كل اكتتاب ضخم يسحب السيولة من بقية السوق، وقد يضغط على أسعار شركات أخرى.

ومع اقتراب اكتتابات محتملة لشركات كبرى في مجالات الفضاء والذكاء الاصطناعي، مثل OpenAI وAnthropic، قد تضطر الأسواق إلى استيعاب موجة هائلة من الإصدارات الجديدة. الحماس تجاه هذه الشركات كبير، لكن قدرتها على جذب مبالغ ضخمة قد تتحول أيضًا إلى عامل ضغط على بقية الاستثمارات.

سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI- الصورة: ويكيميديا
سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI- الصورة: ويكيميديا

 

  1. هل ما يجري استثمار أم مقامرة؟

في يونيو/حزيران الأخير، تداول المستثمرون الأفراد في الولايات المتحدة خيارات على الأسهم بقيمة تقارب 7 مليارات دولار يوميًا عبر منصة تابعة لشركة «سيتاديل»، بزيادة بلغت نحو 65% مقارنة بالعام السابق. أكثر ما يثير القلق هو أن نحو ثلث هذه الصفقات كان على خيارات تنتهي صلاحيتها في اليوم نفسه. هذه ليست استثمارات طويلة الأجل، بل رهانات قصيرة جدًا على اتجاه السوق خلال ساعات.

يبدو أن جزءًا من المستثمرين الشباب بات ينظر إلى البورصة باعتبارها الفرصة الوحيدة لتحقيق قفزة اقتصادية، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار السكن وتراجع القدرة على تحقيق الأمان المالي من خلال العمل العادي. بالنسبة للبنوك وشركات الوساطة، تمثل هذه الظاهرة فرصة مربحة. فزيادة التداول تعني زيادة العمولات، وارتفاع السيولة، ومزيدًا من النشاط.

لكن جيشًا من المستثمرين الشباب الذين يتداولون بالديون، ويشترون خيارات يومية، ويتخذون قراراتهم بناءً على منشورات في وسائل التواصل أو استشارات من أدوات الذكاء الاصطناعي، لا يستطيع دعم السوق إلى الأبد.

كونوا “متشائلين”

الرسالة الأساسية ليست أن الانهيار سيحدث غدًا، ولا أن كل من يستثمر اليوم سيخسر. الأسواق قد تظل مرتفعة فترة طويلة، حتى عندما تكون الأسعار مبالغًا فيها. وقد تستمر شركات التكنولوجيا في تحقيق أرباح قوية تبرر جزءًا من تقييماتها. لكن تراكم هذه المؤشرات يفرض الحذر.

مديرو البنوك والمؤسسات المالية سيواصلون غالبًا إطلاق تصريحات متفائلة، لأنهم يستفيدون من استمرار النشاط ومن بقاء المستثمرين داخل السوق. هم يعرفون المخاطر، لكنهم لا يملكون مصلحة في إيقاف آلة الأرباح.

ولهذا، قد يكون السؤال الأهم بالنسبة للمستثمر العادي ليس: متى ستنفجر الفقاعة؟ بل: هل يستطيع تحمّل الخسائر عندما تتوقف الموسيقى؟

*ترجمة بتصرّف عن مقال لإيتان أفريئيل نُشر في «ذا ماركر».

مقالات مختارة

Skip to content