
شكّلت الزيادة الكبيرة في نسبة التصويت في المجتمع العربي إحدى أبرز نتائج انتخابات الكنيست التي جرت الثلاثاء، إذ حقّقت القائمتان العربيتان، القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، إنجازًا بحصولهما معًا على 19 مقعدًا، قبل الانتهاء من فرز الأصوات في المغلفات المزدوجة. وسجّلت بلدات عربية نسب تصويت مرتفعة، وصلت في بعضها إلى ضعف النسبة المسجّلة في انتخابات 2022، بل تجاوزت في عدد من البلدات المعدّل العام للتصويت في البلاد. ومن شأن هذه النتائج أن تقلّص الفجوة بين نسبة المواطنين العرب من إجمالي السكان ونسبة تمثيلهم في الكنيست.
ورغم أن ارتفاع نسبة التصويت يُفسَّر إلى حدّ كبير باعتباره ردّ فعل على سياسات الحكومة العنصرية وتصريحات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزراء آخرين ضد العرب، فإن العوامل الاقتصادية لعبت دورًا مهمًا أيضًا. فقد شهدت السنوات الأخيرة تقليصًا للميزانيات المخصّصة للبلدات العربية، وتراجعًا في قدرة السلطات المحلية على تقديم الخدمات، إلى جانب تفاقم أزمة غلاء المعيشة، والتمييز في السكن و منح القروض البنكية، إضافة إلى اتساع نفوذ منظمات الجريمة وفرض الخاوة على المصالح التجارية. وفي هذا الصدد، تحدّثت صحيفة «ذا ماركر» مع عدد من الخبراء المطلعين على الأوضاع الاقتصادية في المجتمع العربي، لمعرفة أثر هذه العوامل في دفع المواطنين العرب إلى الإقبال الكبير على التصويت.
في حديثها مع الصحيفة، قالت الدكتورة نسرين حداد حاج يحيى، الباحثة والمديرة الشريكة في شركة “ناس” للأبحاث والاستشارة، إن السياسة الاقتصادية للحكومة تجاه المجتمع العربي تتضمّن سلسلة من القرارات التي ألحقت أضرارًا كبيرة بفرص النمو والتطوّر والاندماج في الاقتصاد. وأوضحت أن تدهور الأمن الشخصي في البلدات العربية ترافق مع اتساع نفوذ منظمات الجريمة، التي باتت تفرض الخاوة على أصحاب المصالح التجارية وتجبي منهم الأموال بصورة ممنهجة، حتى أصبحت، على حدّ وصفها، بمثابة «سلطة ضرائب» في المجتمع العربي. وأضافت أن فرض الخاوة والتهديدات المرتبطة بها أدّيا إلى انهيار مصالح تجارية صغيرة وعزوف المستثمرين عن الاستثمار في البلدات العربية، في ظل غياب أي استجابة من الشرطة والحكومة لمواجهة هذه الظاهرة.

وتُظهر نتائج استطلاع أُجري عام 2025 ضمن مؤشر «الفنار» المتعلق بالتشغيل في المجتمع العربي، شاركت حاج يحيى في إعداده، أن 47.6% من أصحاب المصالح التجارية أفادوا بأن للجريمة أثرًا سلبيًا على أعمالهم، سواء بسبب فرض الخاوة أو خشية الزبائن من التردّد على المناطق التجارية خوفًا من التعرّض للعنف. وبلغت هذه النسبة 49.1% بين أصحاب المصالح في البلدات العربية، مقابل 40.4% في البلدات اليهودية أو المختلطة.
وأشارت حاج يحيى إلى أن تجميد وتقليص ميزانيات الخطة الحكومية الخمسية 550، التي وُضعت أساسًا لدعم التشغيل والتعليم والنمو الاقتصادي في المجتمع العربي، إلى جانب التأخير المستمر في تحويل ميزانيات التطوير وموازنات الدعم المالي للسلطات المحلية، أضعفا بشدّة قدرة السلطات العربية على توفير الخدمات الأساسية للسكان وتطوير البنية التحتية.

أثر الخطط الحكومية في اندماج المجتمع العربي
من جانبها، قالت الدكتورة ماريان تحاوخو، مديرة معهد السياسات الاقتصادية للمجتمع العربي في معهد أهرون، للصحيفة، إن العقد الأخير شهد تحوّلًا غير مسبوق منذ قيام الدولة في اندماج المجتمع العربي في الاقتصاد، نتيجة خطتين حكوميتين استهدفتا تعزيز هذا الاندماج وحقّقتا نتائج ملموسة. وأوضحت أن هذه السياسات أسهمت في ارتفاع دخل الفرد وتحسين جودة الحياة وزيادة مساهمة المجتمع العربي في الاقتصاد الإسرائيلي.
وانتقدت تحاوخو قرار الحكومة تقليص الميزانيات التي أسهمت في تحقيق هذه النتائج، رغم تحذيرات الجهات المهنية من تداعيات الخطوة، معتبرة أن الحكومة تتعمّد عدم معالجة ظاهرتَي العنف والجريمة في المجتمع العربي، لأن استمرار هذا الوضع يخدم مصالح بعض السياسيين. وأضافت أن هذه التطورات عزّزت إدراك المواطنين العرب لأهمية القوة السياسية في التأثير على ظروفهم المعيشية، مشيرة إلى أن مشاركة حزب عربي في الحكومة السابقة أسهمت في إقرار الخطة 550. وقالت إن هناك إدراكًا متزايدًا بأن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي مرتبط أيضًا بالعمل السياسي.
التصويت كاحتجاج على تقليص الخطة الخمسية
بدوره، قال رئيس بلدية أم الفحم، الدكتور سمير محاميد، للصحيفة إن رؤساء السلطات المحلية العربية بذلوا جهودًا كبيرة لتشجيع المواطنين العرب على المشاركة في الانتخابات. وأوضح أن الإقبال الكبير على التصويت كان تعبيرًا عن الاحتجاج على سياسات الحكومة، ولا سيما قرارها تقليص ميزانيات الخطط الخمسية المخصصة لتقليص الفجوات بالمجتمع العربي.
وانتقد محاميد بشدّة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، قائلًا إنه يعتبر المجتمع العربي عدوًا له، رغم أنه المسؤول عن الميزانيات الحكومية. وأوضح أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير اكتفى بإطلاق تصريحات ضد المجتمع العربي، بينما اتخذ سموتريتش إجراءات فعلية، إذ جمّد ميزانيات مخصّصة للمجتمع العربي، وألحق أضرارًا كبيرة بالسلطات المحلية العربية. وأضاف أن هذه الإجراءات دفعت السلطات المحلية إلى التوجّه للمحاكم، ولا تزال بعض القضايا التي رفعتها قيد النظر.

وأوضح محاميد أن الأوضاع الاقتصادية للسلطات المحلية العربية تدهورت خلال السنوات الأربع الأخيرة، فيما اتسع نشاط السوق السوداء للقروض ومنظمات الجريمة. وقال إن المواطنين العرب خرجوا للتصويت احتجاجًا على سياسات الحكومة التي أضرّت بالتعليم والبنية التحتية، وأضعفت قدرة السلطات المحلية على تقديم الخدمات للسكان وتطوير البلدات العربية. وأضاف أن غلاء المعيشة أثّر في جميع المواطنين، لكن الأوضاع الاقتصادية للمواطنين العرب تراجعت، وأصبحت تكاليف المعيشة تشكّل عبئًا أكبر عليهم. وأشار أيضًا إلى تأثير التصريحات المعادية للأطباء العرب، وإلى وجود آلاف المعلمين العرب العاطلين عن العمل، رغم أن الدولة تعاني نقصًا في المعلمين.
وتؤكد نتائج استطلاع أجراه مركز فيتربي التابع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ونُشرت قبل أسبوع، أهمية الاعتبارات الاقتصادية في قرارات الناخبين العرب. فقد اعتبر 43.5% من المشاركين العرب أن مكافحة غلاء المعيشة هي العامل الأكثر تأثيرًا في قرارهم الانتخابي، مقابل 22% من المشاركين اليهود. وفي المقابل، كانت القضايا الأمنية العامل الأبرز في قرار التصويت لدى 42.5% من المشاركين اليهود، مقارنة بـ19% من المشاركين العرب.

أزمة السكن لدى الشباب
وفي سياق مواز، أوضح المحامي أمير بشارات، المستشار لتعزيز العمليات المجتمعية في القسم الجماهيري بمركز «أكورد»، للصحيفة، إن التمييز الاقتصادي ضد المواطنين العرب يحدّ من فرصهم في تحسين أوضاعهم الاقتصادية وبناء مستقبل أفضل. وقال إن الشباب العرب يواجهون قيودًا على بناء المساكن أو شرائها في بلداتهم، ما يجعل البلدات المختلطة خيارًا متاحًا أمامهم، إلى جانب التمييز في الحصول على القروض، الذي يدفع بعضهم إلى الاقتراض من السوق السوداء، ويسهم بذلك في تغذية الجريمة.
وأضاف بشارات أن فرص الشباب العرب في الحصول على عمل تتقلّص أيضًا، مشيرًا إلى أن المواطنين العرب باتوا يدركون أن سياسات الحكومة لا تقيّد حرية التعبير عن آرائهم فحسب، بل تؤثّر أيضًا في فرصهم الاقتصادية، بما في ذلك الحصول على عمل وبيت وقروض. واعتبر أن هذه القيود، السياسية والاقتصادية معًا، كانت من الأسباب التي دفعت المواطنين العرب إلى المشاركة بكثافة في الانتخابات.

العنصرية تبقى عاملًا حاسمًا
لكن هذا التفسير لا يحظى بإجماع الخبراء. فقد قدّم البروفيسور سامي ميعاري، الأستاذ المشارك للاقتصاد في قسم دراسات العمل بجامعة تل أبيب، تفسيرًا مختلفًا لارتفاع نسبة التصويت، معتبرًا أن الخوف من العنصرية والتحريض كان العامل الحاسم، وليس الظروف الاقتصادية. واعتبر أن تصاعد التحريض ضد المواطنين العرب منذ 7 أكتوبر، وسياسات الحكومة التي تعمّق الانقسامات، وانتشار العنصرية، دفعت المواطنين إلى الإقبال على التصويت، ليس بالضرورة بسبب ثقتهم بالأحزاب العربية، وإنما “نتيجة الخوف من بن غفير ومن تصاعد الخطاب العنصري ضدهم”.
مقالات ذات صلة: الجمود السياسي بعد الانتخابات قد يكلّف الاقتصاد 12 مليار شيكل










