الدولة لا تعرف كم معلمًا عربيًا ينتظر فرصة عمل

الخميس, سبتمبر 3, 2026 08:09
/
/
الدولة لا تعرف كم معلمًا عربيًا ينتظر فرصة عمل

الدولة لا تعرف كم معلمًا عربيًا ينتظر فرصة عمل

في وقت يواجه فيه جهاز التعليم نقصًا بعشرات آلاف المعلمين من ذوي التأهيل الملائم، يجد آلاف المعلمين العرب صعوبة في الاندماج فيه، ويضطرون إلى الاكتفاء بوظائف جزئية أو الانتظار سنوات للحصول على تعيين. وتقر وزارة التربية والتعليم بأنها لا تملك بيانات كاملة حول حجم الظاهرة.
أيقون موقع وصلة Wasla
ماذا سيجيب الـ AI عندما يُسأل عنك؟ scaled
ChatGPT Image Sep 2 2026 11 33 25 AM
صورة توضيحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
رغم أنها أنهت بامتياز دراستها في مسار إعداد معلمي العلوم والرياضيات في كليةأورانيم، لم تنجح أزهار الهيب في العثور على مدرسة تستقبلها لإتمام سنة التدريب المطلوبة، رغم توجهها إلى عشرات المدارس العربية واليهودية في منطقة الناصرة، حيث تسكن. وتقول إنه، خلافًا لما يحدث في المجتمع اليهودي، يجد المتدربون العرب أنفسهم عالقين بين وزارة التربية والتعليم والسلطات المحلية التي تقول إنه لا توجد وظائف شاغرة، ما يجعل إتمام سنة التدريب هدفًا بعيد المنال.

وتجسد حالة الهيب المفارقة في أزمة التدريس: معلمون مؤهلون يجدون صعوبة في الاندماج في جهاز التعليم، فيما يدرّس في الصفوف معلمون لا يملكون التأهيل الملائم للمواد التي يدرّسونها. وبحسب بيانات دائرة الإحصاء المركزية التي نشرتها صحيفةدا ماركر، هناك نقص يشمل 30,871 معلمًا من ذوي التأهيل الملائم في الرياضيات والعلوم والإنجليزية والعبرية. ولا يعني هذا الرقم بالضرورة وجود العدد نفسه من الوظائف الشاغرة، بل يعكس الفجوة بين المواد التي يدرّسها المعلمون فعليًا والمجالات التي تأهلوا لتدريسها.

كم معلمًا عربيًا ينتظر فرصة عمل فعلًا؟

وفي الوقت نفسه، يشهد المجتمع العربي منذ سنوات ظاهرة وجود آلاف من حاملي شهادات التدريس الذين لا ينجحون في الاندماج في جهاز التعليم، أو يعملون خارج مهنتهم، أو يكتفون بساعات عمل محدودة أو بالعمل كمعلمين بدلاء. لكن عندما طلب موقعوصلةمن وزارة التربية والتعليم بيانات محدثة بشأن تعيين وتشغيل العاملين في التدريس في المجتمعين العربي والبدوي، اتضح أن الوزارة لا تستطيع تقديم صورة متكاملة عن حجم الظاهرة. يشير عضو الكنيست سمير بن سعيد (العربية للتغيير) إلى خلل مزدوج: آلاف المعلمين في المجتمع العربي بلا عمل، فيما تعاني مدارس عربية نقصًا في المعلمين وتضطر إلى تكليف معلمين بتدريس مواد خارج مجالات تخصصهم. 

6a97b76e229a432e9b1e91d2 סמיר בן סעיד
عضو الكنيست سمير بن سعيد (مكتب الناطق بلسان الكنيست)

بحسب تقديرات عُرضت أمام لجنة التربية والثقافة والرياضة في الكنيست، التي شارك بن سعيد في جلستها، يتراوح عدد المعلمين العرب غير العاملين بين 11 و13 ألفًا، إلا أن وزارة التربية والتعليم لم تؤكد أيًا من هذه الأرقام. وقالت الوزارة إنها تتعامل مع نحو 10 آلاف طلب، لكن هذا الرقم لا يعني وجود 10 آلاف معلم عاطل عن العمل، إذ يشمل ثلاث فئات مختلفة: مرشحين جدد يسعون إلى دخول جهاز التعليم، ومعلمين يعملون بالفعل ويطلبون استكمال ساعات عملهم، ومعلمين ثابتين يرغبون في الانتقال إلى مدرسة أخرى.

حتى الدولة تقرّ: لا توجد بيانات تعرض الصورة الكاملة

بعد أن أحالت وزارة التربية والتعليم موقعوصلةإلى تقديم طلب بموجب قانون حرية المعلومات، جاء رد وحدة حرية المعلومات بأنالوزارة، وبعد إجراء فحص مع الجهة المهنية المختصة، تبين أنها لا تملك البيانات المطلوبة. وأضافت الوزارة أنها لا تعرف جهة أخرى تحتفظ بالمعلومات بالصيغة المطلوبة. ولا تقتصر المشكلة على المعلومات غير المنشورة للجمهور. ففي لجنة لجنة التربية والثقافة والرياضة  في الكنيست، أقرت إتي فايسبلاي، الباحثة في مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، بأنهلا توجد لدينا بيانات موحدةتتيح تقديم صورة كاملة عن النقص في القوى العاملة.

وفي غياب قاعدة بيانات تربط بين طالبي التعيين، ووضعهم الوظيفي، وتخصصاتهم، وأماكن سكنهم، والوظائف الشاغرة ونتائج التعيين، لا يمكن معرفة عدد حاملي شهادات التدريس العرب الذين يبحثون فعلًا عن عمل. كما لا تستطيع الدولة تحديد ما إذا كان خريجون مثل الهيب، ممن تأهلوا في العلوم والرياضيات، يتناسبون مع المدارس والوظائف التي تعاني نقصًا في المعلمين.

كيف تعمل آلية التعيين.. ومن يبقى خارجها؟

لا تضمن شهادة التدريس لصاحبها الحصول على وظيفة، وفي بعض الحالات لا تتيح له حتى استكمال الطريق للحصول على رخصة مزاولة المهنة. فخريج كلية لإعداد المعلمين – وكذلك من أنجز 80% على الأقل من متطلبات اللقب الأكاديمي – إذا أراد العمل في مدرسة رسمية، يتعين عليه تقديم طلب تعيين إلكتروني إلى وزارة التربية والتعليم كل عام. ويمكنه اختيار ما يصل إلى خمس بلدات، وتحديد التخصص والمرحلة العمرية اللذين تأهل للتدريس فيهما. وتمنح الوزارة كل مرشح نقاطًا وفقًا لمؤهلاته الأكاديمية، وتحصيله الدراسي، وخبرته السابقة، ومكان إقامته، ونتائج اختبارات الكفاءة ومراكز التقييم. بعد ذلك، تنظر لجنة تعيينات لوائية في المرشحين وفق الوظائف التي أصبحت شاغرة واحتياجات المدارس.

ChatGPT Image Sep 2 2026 01 05 58 PM
صورة توضيحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

ويتنافس المرشحون الجدد على الوظائف أيضًا مع معلمين ذوي أقدمية يطلبون الانتقال إلى مدارس أخرى أو زيادة ساعات عملهم، وقد تُمنح لهم الأولوية أحيانًا على حساب المرشح الجديد، حتى إذا كان الأخير حاصلًا على نقاط أعلى. أما المرشح الذي لا يتلقى ردًا إيجابيًا حتى 31 أغسطس، فيتعين عليه تقديم طلب جديد في العام التالي.

حتى بعد التخرج.. الطريق إلى الصف لا يزال طويلًا

وحتى بعد العثور على مكان للعمل، لا تنتهي الرحلة. فالحصول على رخصة لمزاولة التدريس يتطلب إتمام سنة تدريب مدفوعة الأجر، بما لا يقل عن ثلث وظيفة ولمدة ستة أشهر على الأقل، إلى جانب اجتياز تقييم نهائي بنجاح. ومن دون مدرسة مستعدة لاستقبال الخريج للتدريب، قد يبقى حاملًا للقب أكاديمي وشهادة تدريس، لكن من دون القدرة على استكمال دخوله إلى المهنة. وهنا تحديدًا توقفت رحلة الهيب. فبحسب روايتها، ألقت وزارة التربية والتعليم على عاتقها مسؤولية البحث بنفسها عن مدرسة تستقبلها للتدريب، فيما قالت المدارس والسلطات المحلية التي توجهت إليها إنه لا توجد لديها ساعات تدريس أو وظائف شاغرة. وتقول الهيب: غياب الدعم والاعتماد على العلاقات يقتلان شغف المعلمين الجدد. لدينا أفكار ومبادرات تربوية، لكنهم لا يمنحوننا حتى فرصة البدء“.

نجحت هديل (الاسم الكامل محفوظ لدى هيئة التحرير)، وهي خريجة كليةأحفا، في دخول المدارس، لكن ليس كمعلمة تتمتع بوظيفة مستقرة. وتقول إنها كانت تُستدعى لسد ساعات تدريس شاغرة والحلول محل معلمات متغيبات، وفي بعض الأحيان من دون توقيع عقد عمل منظم معها. ورغم أنها على رأس قائمة المرشحين للتعيين منذ ثلاث سنوات، لم تحصل هديل على وظيفة ثابتة. ولم تلقَ توجهاتها إلى المفتشين ردًا، بل اقتُرح عليها أن تدرس تخصصًا إضافيًا، رغم السنوات التي أمضتها في التأهيل للتدريس.

بالنسبة إلى هديل، وهي متزوجة وأم لطفلة وتعيش في منزل مستأجر، لا يشكل هذا الطريق المسدود وحالة عدم اليقين أزمة مهنية مرهقة فحسب، بل يؤثران مباشرة في قدرة الأسرة على التخطيط لمستقبلها ومواجهة غلاء المعيشة. وتوضح حالتها أيضًا أن تصنيف الشخص على أنهيعملقد يكون مضللًا؛ إذ قد يُسجَّل الخريج ضمن العاملين في التدريس، رغم أن مصدر دخله يقتصر على ساعات عمل محدودة، أو العمل كمعلم بديل، أو وظائف مؤقتة، من دون استقرار وظيفي أو أفق للحصول على وظيفة ثابتة.

آلاف المرشحين وسنوات من الانتظار.. وغالبيتهم من النساء

تعود أحدث البيانات الرسمية المفصلة بشأن المرشحين العرب الذين لم يتم تعيينهم إلى العام الدراسي 2020/2021. ففي ذلك العام، قدم 9,370 مرشحًا طلبات للتعيين، ولم يُعيّن نحو 6,600 منهم عبر آلية وزارة التربية والتعليم. لكن هذا الرقم أيضًا يحتاج إلى تفصيل: فمن بين الذين لم تعيّنهم الوزارة، عمل نحو 1,100 في مؤسسات تعليمية تديرها جهات أخرى (سلطات المحلية وجمعيات)، فيما لم يعمل نحو 5,500 كعاملين في التدريس في أي إطار تعليمي معروف لدى الوزارة. وحتى بالنسبة إلى هؤلاء، لا يمكن الجزم بأنهم كانوا جميعًا عاطلين عن العمل، إذ يحتمل أن بعضهم كان يعمل خارج قطاع التعليم.  وتشير البيانات إلى فترات انتظار طويلة، إذ إن 37% من المرشحين الذين لم يحصلوا على تعيين ينتظرون منذ ما بين 6 و10 سنوات، فيما تشكل النساء أكثر من 90% منهم. ونتيجة لذلك، يقع العبء الاقتصادي والمهني بصورة أساسية على الشابات العربيات.

توضح الدكتورة نهاية وشاحي، المحاضرة والمرشدة التربوية في كلية “أورانيم”،  أن معلمين متفوقين يضطرون إلى الانتظار سنوات للحصول على تعيين، أو إلى العمل خارج مجال تخصصهم. وبحسب وشاحي، لا تقتصر تبعات الانتظار الطويل على فقدان الدخل، إذ يبتعد الخريجون تدريجيًا عن المواد التي درسوها، وتتراجع ثقتهم بأنفسهم، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى التخلي عن مهنة التدريس تمامًا.

6a97b7d51869d37294d2314c נהאיה ושאחי
الدكتورة نهاية وشاحي (الصورة بإذن منها)

فائض في الخريجين أم نقص في الوظائف؟

في المقابل، يرى عضو الكنيست أكرم حسون (“حزب تيكفا حداشا”)، عضو لجنة التربية والثقافة والرياضة في الكنيست، أن مؤسسات إعداد المعلمين لا تتلاءم مع احتياجات سوق العمل. وبحسب حسون، فإن تراجع معدلات الولادة وإغلاق صفوف دراسية يستدعيان توجيه الشباب نحو التخصصات المطلوبة، ويقول: “لا يستطيع جهاز التعليم استيعاب جميع خريجي مسارات التدريس، كما لا يمكن للكليات التي تطرح مسارات في التربية والتعليم، وخصوصًا للنساء، أن تواصل استقبال الطلاب وكأن شيئًا لم يتغير”، مضيفًا أن الانتظار لسنوات للحصول على تعيين يولّد الإحباط ويؤدي إلى تراجع المعرفة المهنية لدى المعلمين.

في المقابل، ترى الدكتورة نسرين مرقص، المحاضرة في كليةأورانيم“، أن المشكلة لا تكمن في فائض من الخريجين، بل في أزمة في ترتيب الأولويات على مستوى الدولة، إلى جانب الإهمال وغياب التنسيق بين وزارة التربية والتعليم والسلطات المحلية. وتقول: على أرض الواقع، وخصوصًا في المجتمع العربي، هناك حاجة حقيقية إلى المعلمين وإلى طاقات جديدة، لكن لا تتوفر الوظائف والميزانيات اللازمة لاستيعابهم“.

6a97b81a45064ce6767c939f נסרין מורקוס
الدكتورة نسرين مرقص (الصورة بإذن منها)

وتعزو لجنة متابعة قضايا التعليم العربي تزايد أعداد الخريجين في بعض التخصصات إلى غياب التنسيق طويل الأمد بين وزارة التربية والتعليم ومؤسسات إعداد المعلمين. وترى اللجنة أن الحل لا يقتصر على فتح وظائف جديدة، بل يتطلب إنشاء قاعدة بيانات قطرية محدثة، ومواءمة مسارات التأهيل مع احتياجات المدارس، وتغيير آلية اختيار المعلمين وتعيينهم.

وسواء وُصفت الظاهرة بأنهافائض في الخريجين، أو عُزيت إلى نقص الوظائف والاستثمار، فلا توجد اليوم خريطة محدثة توضح التخصصات التي تأهل فيها الخريجون، وأماكن سكنهم، والمواد والبلدات والمراحل التعليمية التي يُتوقع أن تشهد طلبًا على المعلمين. كما لا تتوفر معلومات علنية توضح ما إذا كان عدد الطلاب المقبولين في مسارات إعداد المعلمين يُحدد بناءً على توقعات لاحتياجات جهاز التعليم، وما إذا كان المتقدمون لهذه المسارات يحصلون مسبقًا على معلومات موثوقة بشأن فرصهم في العثور على عمل بعد التخرج.

والنتيجة هي منظومة لا تمتلك فيها أي جهة سوى جزء من الصورة: وزارة التربية والتعليم تتعامل مع طلبات التعيين في المدارس الرسمية وعمليات التعيين فيها؛ ومجلس التعليم العالي والكليات يحتفظان ببيانات الطلاب والخريجين؛ والسلطات المحلية والجهات المشغلة للمدارس تملك معلومات عن الوظائف التي تقع ضمن مسؤوليتها؛ فيما تستطيع دائرة الإحصاء المركزية ومصلحة التشغيل الإسرائيلية معرفة ما إذا كان الخريجون يعملون، لكن ليس دائمًا ما إذا كانت وظائفهم مرتبطة بالتخصصات التي درسوها. ولا تجتمع هذه البيانات في صورة موحدة تتيح التخطيط على أساسها.

العنصرية تجد طريقها إلى الصفوف أيضًا

إلى جانب العوائق البيروقراطية، يواجه المعلمون والمعلمات العرب أيضًا معارضة سياسية وجماهيرية صريحة. ففي فبراير 2026، عقدت لجنة التربية والثقافة والرياضة في الكنيست جلسة بمبادرة من عضو الكنيست تسفي سوكوت، وبمشاركة منظمة “مئيريم” المحسوبة على اليمين المتطرف، طُرحت خلالها ادعاءات ضد برنامج حكومي لدمج معلمين عرب في مدارس يهودية، رغم أن فحصًا مهنيًا داخليًا أجرته وزارة التربية والتعليم لم يجد أي خلل في البرنامج. وعقب الضغوط السياسية، أعلنت وزارة التربية والتعليم عن تقليص الميزانية وإلغاء نحو ألف ساعة إضافية كانت مخصصة للمدارس التي تستوعب معلمين عرب. وتوضح هذه الخطوة أن عدم استيعاب المعلمين العرب لا يرتبط دائمًا بالعوائق المهنية أو البيروقراطية فحسب، بل قد يكون نابعًا أحيانًا من سياسة عنصرية معلنة تنظر إلى المعلمين العرب باعتبارهم تهديدًا للهوية اليهودية، وتضع عمدًا عراقيل أمام اندماجهم.

ورفضت نقابة المعلمين الهستدروت التعقيب، وأحالت مسؤولية توفير البيانات إلى وزارة التربية والتعليم، التي أفادت بأن البيانات المطلوبة ليست بحوزتها.

يُنشر هذا التحقيق بالعبرية في موقعشومريم

ماذا سيجيب الـ AI عندما يُسأل عنك؟ scaled

مقالات مختارة

Skip to content