وباء أغلق العالم، حروب لا تهدأ، شركات عملاقة تختفي وأخرى تولد بين ليلة وضحاها، وأدوات ذكاء اصطناعي تغيّر طريقة عملنا كل بضعة أشهر. عالمنا اليوم مجنون بكل معنى الكلمة – مليء بالمفاجآت وفقير بالاستقرار. وفي عالم كهذا، لم يعد التأقلم مهارة إضافية تُزيّن السيرة الذاتية، بل أصبحت مهارة إجبارية للبقاء.
يكفي أن ننظر حولنا، كم شخصًا نعرفه درس موضوعًا معيّنًا في الجامعة أو الكلية، ثم وجد نفسه يعمل في مجال مختلف تمامًا؟ هذه ليست حالات استثنائية. فقد وجدت دراسة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك أن 27% فقط من خرّيجي الجامعات في الولايات المتحدة يعملون في وظيفة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتخصّصهم. الشهادة ما زالت مهمة، لكنها لم تعد خريطة الطريق الوحيدة. الخريطة اليوم تُرسم من جديد كل بضع سنوات، ومن لا يعرف كيف يقرأها من جديد، يضيع.

محاضر وصانع محتوى بودكاست نحكي ع رواق
في سنة 1975 اخترع مهندس في شركة كوداك أول كاميرا رقمية في التاريخ. لكن الإدارة خشيت أن يأكل الاختراع الجديد أرباح الأفلام، فأبقت رهانها على الماضي. بعد 37 عامًا، في سنة 2012، أعلنت كوداك إفلاسها، بعدما سبقها العالم إلى العصر الرقمي الذي اخترعته بنفسها. وكانت نوكيا تسيطر على نحو نصف سوق الهواتف الذكية حين أطلقت أبل الآيفون عام 2007. استخفّت بالشاشة اللمسية وبعالم التطبيقات، وبعد ست سنوات فقط باعت قسم الهواتف بالكامل لمايكروسوفت. ورفضت بلوكباستر Blockbuster، عملاق تأجير الأفلام، عام 2000 شراء نتفليكس مقابل 50 مليون دولار فقط. ورغم أنها كانت تملك نحو 9 آلاف فرع حول العالم في عام 2004، إلا انها أعلنت إفلاسها في عام 2010، فهوت في ست سنوات من القمة إلى القاع.
واليوم صارت المدة الزمنية التي تفصل بين وجود الشركة في القمة وهبوطها إلى القاع أقصر بكثير. فشركة Chegg الأمريكية للمساعدة الدراسية بلغت قيمتها نحو 14 مليار دولار في 2021. ثم وصل ChatGPT في نهاية 2022، فخسر سهمها نحو 99% من قيمته خلال عامين، واضطرت في 2025 إلى فصل قرابة نصف موظفيها. في الماضي كان هناك وقت لحساب المسار من جديد، أما اليوم فهامش التصحيح يكاد يكون صفرًا.

سيف ذو حدين اسمه الذكاء الاصطناعي. قبل أقل من أربع سنوات لم يكن معظمنا قد سمع بـChatGPT. اليوم صار الذكاء الاصطناعي يكتب رسائلنا، ويلخّص اجتماعاتنا، ويحلّ وظائف أولادنا المدرسية. لكنه يفتح الباب واسعًا للكسل، وقد يقتل الإبداع حين نتوقف عن التفكير ونكتفي بالنسخ واللصق.
والأخطر هو الاتكال الأعمى على أدوات الذكاء الاصطناعي. ففي إحدى المرات، نصح الذكاء الاصطناعي أحد المستخدمين بإضافة الغراء إلى صلصة البيتزا كي لا ينزلق الجبن عنها، بعدما التقطت “المعلومة” من مزحة قديمة في أحد المنتديات. وفي نيويورك، قدّم محاميان للمحكمة مذكرة تستند إلى سوابق قضائية لم تكن موجودة أصلًا، اخترعها الذكاء الإصطناعي، فانتهى الأمر بغرامة وفضيحة مهنية.
وفي قطاع الهايتك، التغيير جذري. في كثير من شركات البرمجة لم يعد المبرمجون يكتبون الأكواد البرمجية بأنفسهم سطرًا بعد سطر، بل يعتمدون على أدوات مثل Claude لكتابة الكود، فيما ينتقل دورهم إلى التوجيه والمراجعة واتخاذ القرار. وهذا التحوّل بدأ يغيّر خيارات الشباب أيضًا: بحسب بيانات مجلس التعليم العالي، تراجع عدد طلاب علوم الحاسوب والرياضيات والإحصاء في البلاد بنسبة 7.6% في السنة الدراسية الأخيرة، بعد تراجع بنسبة 4% في السنة التي سبقتها.
التأقلم ليس حكرًا على مكان العمل – تربية الأولاد اليوم صارت بحد ذاتها تحديًا من نوع جديد. أطفالنا يتعلّمون بسرعة مذهلة، يكبرون مع الشاشات والتطبيقات والذكاء الاصطناعي، ويتحدثون أحيانًا لغة لا نفهمها. وإن أردنا أن نفهمهم ونرافقهم ونحميهم، علينا أن نتعلّم عالمهم بدل أن نكتفي بانتقاده. فالجيل الصاعد يختلف عن جيلنا كأهل اختلافًا جذريًا، والفجوة بيننا لن تُسدّ بالمنع وحده، بل بالفضول والمواكبة.
في عالم ديناميكي بشكل مخيف، المرونة هي رأس المال الحقيقي. ليست المسألة أن نركض خلف كل صرعة جديدة، ولا أن نتمسّك بما نعرفه خوفًا من التغيير، بل أن نجد التوازن بينهما: نتعلّم الأدوات الجديدة ونستفيد منها، دون أن نسلّمها عقولنا.
لكن ما معنى التأقلم فعلًا؟ التأقلم لا يعني أن نذوب في كل موجة جديدة أو أن نتخلّى عن هويتنا وقيمنا، بل أن نبقى متجذّرين في ما نؤمن به ومرنين في طريقة تحقيقه. أن نتعامل مع التعلّم كعادة يومية لا كمرحلة تنتهي مع الشهادة، وأن نملك الشجاعة للتخلّي عن قناعات قديمة حين يثبت أنها لم تعد صالحة. والمرونة ليست ضعفًا ولا تنازلًا، بل قوة من نوع آخر: كالشجرة التي تنحني أمام العاصفة كي لا تنكسر، ثم تعود لتقف من جديد. وهنا يكمن التوازن: أن نعرف متى نتمسّك ومتى نتغيّر.
كوداك ونوكيا لم تسقطا لأنهما افتقرتا إلى المعرفة، بل لأنهما لم تتأقلما في الوقت المناسب. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا اليوم: هل أنا مستعد للتغيير القادم، قبل أن يفرض نفسه عليّ؟
“مشبك”، مجتمع مهني-تشغيلي يهدف إلى تعزيز التقدم المهني للمواهب العربية، من خلال التعلم، التشبيك، القيادة، وتبادل الخبرات. بمبادرة جمعية “كو-إمباكت”.











