
تعرّضت منصة “بينانس” (Binance)، أكبر بورصة لتداول العملات الرقمية في العالم، لاختراق إلكتروني ضخم طالت آثاره أصولًا رقمية بقيمة نحو 6.3 مليارات دولار، في حادثة قد تكون الأكبر من نوعها في تاريخ القطاع، وسط شبهات بضلوع قراصنة مرتبطين بكوريا الشمالية في تنفيذ الهجوم. وأثار الاختراق موجة تراجع في سوق العملات المشفّرة، دفعت سعر البيتكوين إلى أدنى مستوياته منذ ستة أسابيع.
وبحسب تقارير نشرتها وكالتا “رويترز” و”بلومبرغ” اليوم الجمعة، أوقفت Binance عمليات الإيداع والسحب مؤقتًا، وبدأت إجراءات طارئة لاحتواء الهجوم، معلنة أنها نجحت، بالتعاون مع شركائها، في تحديد مواقع أصول رقمية بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، وتجميد جزء كبير منها.
وأكدت يي هي، المؤسسة المشاركة في Binance، أن الشركة ستغطي جميع خسائر المستخدمين الناجمة عن الاختراق، فيما أعرب المؤسس المشارك تشانغبينغ تشاو عن توقعه تغطية هذه الخسائر بالكامل. وأكدت المنصة أن أموال العملاء آمنة، مشيرة إلى أنها ستستأنف عمليات السحب بعد استكمال الفحوص الأمنية ومعالجة المشكلة.

كيف وقع الاختراق؟
أشارت نتائج التحقيق الأولي الذي أجرته Binance إلى أن الهجوم ربما بدأ باختراق حاسوب محمول يعود إلى أحد مهندسي الشركة، ما أتاح للمهاجمين الوصول إلى أحد أنظمتها وتنفيذ عمليات سحب غير مصرّح بها.
ووفق تحليل أجرته شركة “تي آر إم لابس” (TRM Labs)، المتخصصة في تتبع معاملات العملات الرقمية، نقل المهاجمون أصولًا بقيمة تقارب 6.36 مليارات دولار من محافظ تابعة لـBinance عبر عشر شبكات رقمية، وجرى تحويل معظم الأموال خلال نحو 20 دقيقة.
وتُظهر هذه المعطيات السرعة الاستثنائية للهجوم، والتحديات التي تواجهها شركات العملات الرقمية في تعقب الأموال بعد نقلها بين شبكات مختلفة.
شبهات بضلوع قراصنة من كوريا الشمالية
ورجّحت شركة “تي آر إم لابس” (TRM Labs)، بدرجة عالية من الثقة، وقوف مجموعة “تريدر تريتور” (TraderTraitor)، المرتبطة بكوريا الشمالية، وراء الاختراق.
وتستند الشركة في تقديراتها إلى تحليل المعاملات المسجلة على شبكات العملات الرقمية ومعلومات استخباراتية أخرى. ومع ذلك، فإن هذه التقديرات لا تمثل نتائج تحقيق رسمي نهائي، ولا تزال التحقيقات جارية لتحديد المسؤولين عن العملية.
وإذا تأكد الحجم المعلن للأصول التي طالتها العملية، فسيتجاوز الاختراق بفارق كبير حادثة منصة “بايبيت” (Bybit) في فبراير 2025، التي شهدت سرقة عملات رقمية بقيمة قاربت 1.5 مليار دولار، وكانت تُعد أكبر عملية سرقة معروفة في تاريخ القطاع.
تجميد مليارات الدولارات.. هل يمكن استعادتها؟
وشاركت شركات كبرى في سوق العملات الرقمية في جهود احتواء الهجوم، أبرزها “تيثر” (Tether)، المُصدرة للعملة الرقمية المستقرة USDT، التي أعلنت تجميد أصول مرتبطة بالحادث بقيمة تقارب 1.57 مليار دولار.
كما أعلنت شركة “سيركل” (Circle)، المُصدرة للعملة المستقرة USDC، تجميد أصول تتجاوز قيمتها 800 مليون دولار.
والعملات الرقمية المستقرة هي عملات صُممت للحفاظ على قيمة ثابتة نسبيًا، وغالبًا ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، بحيث تعادل الوحدة الواحدة منها دولارًا واحدًا تقريبًا، بخلاف العملات المشفّرة مثل البيتكوين التي تشهد تقلبات كبيرة في أسعارها.
وتستطيع الشركات المُصدرة لبعض هذه العملات تجميد أرصدة محددة، بما يمنع نقلها أو استخدامها.
وتندرج المبالغ التي جمّدتها شركتا Tether وCircle ضمن الأصول التي أعلنت Binance تحديد مواقعها أو تجميدها، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 3 مليارات دولار. لكن تجميد الأصول لا يعني بالضرورة استعادتها بصورة نهائية، إذ قد يتطلب ذلك إجراءات قانونية وتحقيقات إضافية.
وقال آري ريدبورد، رئيس السياسات في شركة “تي آر إم لابس”، في تصريحات صحافية، إن المهاجمين تحركوا بسرعة وعلى نطاق غير مسبوق، لكن أدوات تتبع الأموال تعمل بسرعة أيضًا.
وأوضح أن الشركات المُصدرة للعملات المستقرة باتت قادرة على تجميد الأصول خلال ساعات، فيما يراقب المحققون حركة الأموال عبر الشبكات الرقمية بصورة فورية.
البيتكوين يتراجع وسط مخاوف المستثمرين
وانعكست أنباء الاختراق على تداولات العملات الرقمية، إذ تراجع سعر البيتكوين إلى 76,368 دولارًا، مسجّلًا أدنى مستوياته منذ ستة أسابيع، وفق تحديث لوكالة “رويترز” صباح الجمعة.

كما انخفضت عملة “إيثريوم” بأكثر من 3% إلى نحو 2,178 دولارًا، وهو أدنى مستوى لها منذ شهرين، فيما تراجعت عملة BNB، المرتبطة بمنصة Binance، وسط ضغوط بيعية على العملات الرقمية الرئيسية.
وتأتي هذه التراجعات في وقت تواجه فيه سوق العملات المشفّرة ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وضعف الطلب على صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالعملات الرقمية.
وقد يؤدي الاختراق إلى زيادة حذر المستثمرين تجاه منصات التداول، خصوصًا المنصات المركزية التي تحتفظ بأصول العملاء وتدير محافظهم الرقمية.
وحذّر محللون من أن الحادث قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بأموالهم لدى منصات التداول، بما يشمل قدرة هذه الشركات على توفير السيولة والوفاء بالتزاماتها المالية في حالات الطوارئ.
صندوق طوارئ بمليار دولار
وكانت Binance قد أنشأت عام 2018 صندوقًا للطوارئ يحمل اسم SAFU، بهدف توفير احتياطي مالي لحماية المستخدمين في الحالات الاستثنائية، بما فيها الاختراقات الأمنية.
ووفق بيانات أعلنتها الشركة عام 2024، كانت قيمة الصندوق تدور عادة حول مليار دولار، مع تغير قيمته تبعًا لتقلبات السوق.
وبالمقارنة مع قيمة الصندوق المعلنة عام 2024، يتجاوز حجم الأصول المتأثرة بالاختراق الحالي تلك القيمة بأكثر من ستة أضعاف. لكن ذلك لا يعني أن الشركة ستحتاج إلى تعويض كامل قيمة الأصول المتأثرة، إذ يعتمد حجم التعويضات الفعلية على الأموال التي يمكن تجميدها أو استردادها، وعلى الخسائر النهائية التي ستثبتها التحقيقات.
وبحسب بيانات أوردتها “رويترز”، بلغ عدد المستخدمين المسجلين لدى Binance نحو 335 مليون مستخدم حول العالم، فيما وصلت قيمة الأصول التي كانت تحتفظ بها نيابة عن عملائها إلى نحو 162.8 مليار دولار، وفق تقريرها السنوي لعام 2025.
مخاوف من أزمة ثقة جديدة
ويعيد الاختراق إلى الأذهان سلسلة من الأزمات التي شهدتها سوق العملات الرقمية خلال السنوات الماضية، بعدما أدت عمليات قرصنة واحتيال وانهيارات شركات كبرى إلى خسائر واسعة وتراجع ثقة المستثمرين.
ومن أبرز تلك الأزمات انهيار منصة FTX عام 2022، وأزمة منصة “ماونت غوكس” (Mt. Gox)، التي كانت من أكبر منصات تداول البيتكوين قبل انهيارها إثر فقدان كميات كبيرة من العملات الرقمية.
ورغم اختلاف أسباب تلك الأزمات عن الهجوم الحالي، فإنها تبرز المخاطر التي قد يواجهها المستثمرون عند الاحتفاظ بأصولهم لدى منصات مركزية.
وفي انتظار نتائج التحقيق، يبقى حجم الخسائر النهائية غير محسوم، وسط ترقب المستثمرين لمدى نجاح Binance وشركائها في تجميد الأموال المتبقية واسترداد ما يمكن استرداده، واستئناف عمليات الإيداع والسحب بصورة طبيعية، والكشف عن الإجراءات الأمنية التي ستتخذها لمنع تكرار الهجوم.










