الأربعاء, أكتوبر 7, 2026 22:38
/
/
بعد فوز باريس سان جيرمان بدوري الأبطال: هكذا غيرت الأموال العربية الكرة الأوروبية

بعد فوز باريس سان جيرمان بدوري الأبطال: هكذا غيرت الأموال العربية الكرة الأوروبية

أيقون موقع وصلة Wasla
Wasllah-03
نادي باريس سان جيرمان يحتفل بفوزه باللقب الأوروبي الأغلى- الصورة: صحفة النادي على فيسبوك
نادي باريس سان جيرمان يحتفل بفوزه باللقب الأوروبي الأغلى- الصورة: صحفة النادي على فيسبوك

أمس، فاز نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، المملوك قطريًا، لأول مرة في تاريخه بدوري أبطال أوروبا في نسختها الجديدة، وهي البطولة الأهم أوروبيًا. وخلال العقدين الأخيرين، شهدت كرة القدم الأوروبية تحولاً لافتاً في خريطتها المالية والإدارية، مع دخول الاستثمارات العربية بقوة إلى قلب هذا القطاع الحيوي. حيث لم يعد الأمر يقتصر على الرعاية التقليدية، بل تطور إلى استحواذات استراتيجية طالت أندية كبرى وغيرت من موازين القوى الرياضية والاقتصادية في القارة العجوز.

كانت بداية الحضور العربي في المشهد الكروي الأوروبي من خلال صفقات الرعاية التي قادتها شركات الطيران الخليجية، بينما مثّل استحواذ رجل الأعمال المصري محمد الفايد على نادي فولهام اللندني في تسعينيات القرن الماضي إحدى الخطوات الفردية الأولى في هذا الاتجاه. إلا أن التحول الحقيقي بدأ مع صفقات استحواذ واسعة النطاق قادتها صناديق سيادية ومستثمرون من دول الخليج ومصر.

في عام 2008، دخلت مجموعة أبوظبي المتحدة للتنمية والاستثمار عالم كرة القدم بشراء نادي مانشستر سيتي الإنجليزي مقابل نحو 210 ملايين جنيه إسترليني. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل توسع لاحقاً عبر مجموعة سيتي لكرة القدم التي تدير حالياً حصصاً في أكثر من عشرة أندية حول العالم، من ضمنها نادي جيرونا الإسباني، ما حول المشروع إلى شبكة رياضية دولية ذات امتدادات اقتصادية واسعة.

وانعكست الأموال الإماراتية بشكل باهر على الأداء الكروي لنادي مانشستر سيتي، النادي الأهم مجموعة سيتي لكرة القدم.  فبعد أن كان النادي بالكاد يستطيع حجز مكان له في الدوري الإنكليزي الممتاز، وهو أصعب بطولة دوري في أوروبا وأكثرها مشاهدة وحضور جماهيري، أصبح النادي الرقم الأصعب في الكرة الإنكليزية، بشبه احتكار كامل للقب البطولة المحلية منذ عام 2011، كما تمكن في عام 2023 من الفوز بدوري أبطال أوروبا.

أما قطر، والتي استضافت كأس العالم في عام 2022 كأول دولة عربية، فقد رسخت وجودها عبر شركة قطر للاستثمارات الرياضية التي استحوذت في عام 2011 على نادي باريس سان جيرمان الفرنسي بالكامل. الاستثمارات القطرية في النادي الفرنسي تجاوزت 1.5 مليار يورو، بين التعاقد مع أبرز النجوم الكبار، مثل ليونيل ميسي وكليان مبابي وعثمان ديمبلي ونيمار، وتطوير البنية التحتية والتسويق، ما أسهم بتحويل باريس سان جيرمان من نادي مغمور أوروبيًا إلى واحد من أغنى وأنجح الأندية الأوروبية، حيث فاز النادي بكافة البطولات المحلية الفرنسية خلال العقد الأخير، وحقق نتائج ممتازة في دوري أبطال أوروبا، كان آخرها فوزه باللقب أمس.

مانشستر سيتي أثناء احتفاله بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز عام 2022، الصورة: صفحة النادي على فيسبوك

في المقابل، دخل صندوق الاستثمارات العامة السعودي المشهد بقوة من خلال استحواذه في عام 2021 على 80% من أسهم نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، في صفقة بلغت قيمتها نحو 305 ملايين جنيه إسترليني. يمثل هذا الاستثمار جزءاً من استراتيجية رؤية السعودية 2030، التي تسعى لتنويع الاقتصاد السعودي وتعزيز دوره في القطاعات غير النفطية وعلى رأسها الرياضة والترفيه.

ولا يقتصر الحضور العربي على الخليج فقط، بل امتد إلى مستثمرين من دول عربية أخرى، حيث يمتلك رجل الأعمال المصري ناصف ساويرس مع شريكه الأميركي ويس إيدنز نادي أستون فيلا الإنجليزي عبر شركة “في سبورتس”، مع توسع هذه المجموعة الاستثمارية لاحقاً إلى أسواق كرة القدم في البرتغال وإسبانيا ومناطق أخرى، ضمن استراتيجية متنوعة لربط العوائد الاقتصادية بتطوير المواهب الرياضية.

أما على صعيد الإيرادات المالية لهذه الأندية، فقد أظهرت تقارير حديثة من مؤسسة ديلويت أن مانشستر سيتي حقق في موسم 2023-2024 إيرادات بلغت 838 مليون يورو ليحتل المركز الثاني عالمياً، في حين حقق باريس سان جيرمان 805.9 مليون يورو ليحل ثالثاً. نيوكاسل يونايتد بدعم سعودي سجل 371.8 مليون يورو محتلاً المرتبة الخامسة عشرة، فيما دخل أستون فيلا قائمة العشرين الكبار للمرة الأولى منذ عام 2009 بإيرادات وصلت إلى 310.2 مليون يورو.

ولم يقتصر التطور على الجانب الفني والمالي فقط، بل امتد ليشمل البنية التحتية وتجربة المشجعين. فقد ضخ مانشستر سيتي استثمارات ضخمة في توسعة ملعب الاتحاد ومحيطه، بينما وسع باريس سان جيرمان من طاقته الاستيعابية وطور مرافقه الرياضية والتجارية، وأطلق أستون فيلا مشروع تجديد شامل لملعبه “فيلا بارك”.

رغم هذا الحضور المتنامي، لم تخلُ تجربة الاستثمارات العربية في أوروبا من التحديات القانونية والتنظيمية. فالاتحاد الأوروبي لكرة القدم فرض قيوداً تمنع امتلاك أكثر من نادٍ من قبل جهة واحدة في البطولات نفسها، ما أجبر مجموعة سيتي على تقليص حصتها في نادي جيرونا الإسباني لتفادي التعارض مع مشاركة مانشستر سيتي في دوري أبطال أوروبا. وفي الدوري الإنجليزي الممتاز، أدخلت رابطة الدوري لوائح تنظيمية جديدة عام 2021 لتنظيم تعاملات الأطراف المرتبطة ومنع تضارب المصالح في صفقات الرعاية والتمويل بين المستثمرين العرب وأنديتهم.

وفي يوليو 2023، قدّم خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني “لا ليغا”، شكوى إلى المفوضية الأوروبية يتهم فيها ناديي مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان بتلقي دعم مالي غير عادل من حكومات أبوظبي وقطر. ورغم أن المفوضية لم تتخذ إجراءات بسبب نقص الأدلة والموارد، إلا أن القضية أثارت جدلاً واسعاً حول تأثير الاستثمارات السيادية على توازن المنافسة في كرة القدم الأوروبية.

تتعدى هذه الاستثمارات بعدها الرياضي لتتحول إلى أدوات قوة ناعمة تخدم الاستراتيجيات الدبلوماسية والاقتصادية للدول المالكة. إذ تستثمر الإمارات وقطر والسعودية ومصر في كرة القدم كوسيلة لتعزيز صورها الدولية وتوسيع شبكات نفوذها في العواصم الغربية، مستفيدة من الشعبية العالمية للعبة الأكثر انتشاراً في العالم.

في المجمل، لم تعد كرة القدم الأوروبية اليوم كما كانت قبل عقود. فالديناميكيات الاستثمارية الجديدة التي دخلت بقوة من العالم العربي غيرت قواعد اللعبة، وأعادت رسم خريطة الأندية والبطولات، وفتحت فصلاً جديداً في العلاقة بين المال والرياضة والسياسة على المسرح العالمي.

حمّل تطبيق وصلة للاقتصاد والأعمال وتابع آخر الأخبار أولاً بأول

Wasllah-03

مقالات مختارة

Skip to content