“بدك تثبتي إنو طفلك مقدسي؟ فرجينا ثلاجتك”

الإثنين, أغسطس 10, 2026 10:51
/
/
“بدك تثبتي إنو طفلك مقدسي؟ فرجينا ثلاجتك”

“بدك تثبتي إنو طفلك مقدسي؟ فرجينا ثلاجتك”

أيقون موقع وصلة Wasla

أكثر من 5,000 طفل من القدس الشرقية يعيشون دون تسوية وضعهم القانوني. وللحصول على وثيقة تعترف بهم كسكان في المدينة، تُطالب العائلات بإثبات مركز حياتها بشكل متكرر، من خلال الفواتير والصور وزيارات المفتشين، بل يصل الأمر أحيانًا إلى طلب إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA).

960px WadiAlJozMay232023 02
صورة جوية لمدينة القدس ويظهر فيها حي وادي الجوز، المصدر: ويكيميديا

 

الساعة الثامنة صباحًا. تقف راما يوسف في طابور وزارة الداخلية فرع وادي الجوز، حاملةً طفلها الرضيع الذي ينام على كتفها. ستبقى هناك ساعات طويلة، من دون أن تعرف طبيعة الأسئلة التي ستُطرح عليها هذه المرة: هل ستتعلق بعنوان سكنها؟ أم بزوجها الذي يحمل هوية فلسطينية؟ أم ستكون عن تفاصيل لا علاقة لها بالطلب أساسًا. على مدى ثلاث سنوات تكرر المشهد ذاته، إلى أن حصل ابنها على «الكوشان»، وهي الوثيقة التي تؤكد قانونيًا أنه طفل مقدسي. راما من سكان القدس، وقد عاشت وعملت فيها طوال حياتها. المشكلة الوحيدة أنّ زوجها من رام الله.

72b7103e e63c 4b45 acb6 59b62980a135
ساعات طويلة قضتها كل مرة في وزارة الداخلية. راما يوسف

 

قصة راما ليست استثنائية. هذه ليست قصة استثنائية. ففي القدس، المدينة التي يحدد فيها نوع بطاقة الهوية من يحق له الانتماء إليها ومن لا يحق له، يمكن لعملية تسجيل بسيطة لرضيع – تنتهي في أماكن أخرى خلال أيام معدودة – أن تتحول إلى طريق آلام يمشي عليه الطفل لسنوات -حتى قبل أن ينطق كلماته الأولى- وعلى رأسه إكليل من أشواك البيروقراطية. وبحسب بيانات قدمتها وزارة الداخلية لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، يعيش أكثر من 5,000 طفل من شرقي المدينة دون تسوية أوضاعهم القانونية، حيث رفضت وزارة الداخلية طلبات بعضهم، يينما ينتظر الآخرون البتّ في طلباتهم وتخليصهم من وضعهم القانونيّ “المعلّق”.

في مكاتب المركز، وبين أكوام الملفات المشابهة لملف راما، يوضح مدير المركز، رامي صالح، القاعدة التي تحكم هذه الملفات: كل عائلة يكون فيها أحد الزوجين من سكان القدس (هوية قدس زرقاء)، بينما يحمل الآخر بطاقة هوية فلسطينية (هوية ضفة خضراء)، وهي حالة تنطبق على نحو ألف عائلة مقدسية، مطالبة بـ«إثبات» أن مركز حياتها موجود فعلًا في القدس، دون أن يتم الاكتفاء بمجرّد التصريح بذلك. كما لا تكفي وثيقة واحدة، بل تُطلب من العائلة فواتير كهرباء، وعقد عمل، وإثبات من المدرسة، وأحيانًا حتى فحص الحمض النووي (DNA).

31c998a6 b39c 45be bbcc 88464ed52d83
رامي صالح مدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان

 

خلال العام الماضي، تعامل المركز مع أكثر من 300 ملف من هذا النوع، لكن الصورة العامة أوسع بكثير: فمن بين 16,730 طلب لتسجيل أطفال من عائلات مقدسية خلال السنوات الست الماضية، رفضت وزارة الداخلية 3,943 طلباً، وأبقت 1,124 طلباً آخر قيد المعالجة. وهذا يعني أن آلاف الأطفال يكبرون اليوم في القدس من دون أن تعترف الدولة رسميًا بوضعهم القانوني.

من دون بطاقة هوية، لا يمكنهم تلقي العلاج في مستشفيات القدس أو التسجيل في المدارس، بل قد يتعرضون للاستجواب أيضًا على الحواجز. يرفض صالح الادعاء بأن الأمر مجرّد “بيروقراطية معقدة”؛ بل يعتبر ذلك جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى التضييق على السكان الفلسطينيين كي يتركوا القدس ويتغيّر التوازن الديموغرافي للمدينة لصالح اليهود.

“في انتظار المخلّص”: آلاف الأطفال ينتظرون الاعتراف بهم في المدينة التي ولدوا فيها

في عام 2018، تزوَّجتْ راما شابًا من رام الله، حيث تمّ الزواج بعقدٍ ووثائق قلسطينية-أردنية فقط، ولم يُسجّل في وزارة الداخلية الإسرائيلية. لذلك، من وجهة نظر الدولة، لا تزال راما عزباء. لذلك، عندما أنجبت عام 2020 ابنها جولان في المستشفى الفرنسي بالقدس، سُجّلت كأم عزباء. وطالبها المستشفى بالتوقيع على كمبيالات بألاف الشواكل لضمان دفع مصاريف الولادة في حال رفض صندوق المرضى تغطية ولادتها.

f60c7f3d ee2d 4cee bbdb 83099b249950
من وجهة نظر الدولة، راما عزباء.

 

تحول تسجيل جولان إلى رحلة عذاب استغرقت عامين. طُولِبت راما خلالها بتقديم ترجمة مصدّقة لعقد الزواج، وصورتين جويتين لمنزلها، وفواتير الكهرباء والأرنونا، وأربعة تصاريح مشفوعة بالقسم (حلفان يمين). وفي مرحلة ما، وصل إلى منزلها مفتش من قبل وزارة الداخلية وصوّر ثلاجتها، وفراشي الأسنان، وسلة المهملات، للتحقّق من أن البيت مسكونٌ فعلًا. تقول راما: “شعرت وكأنني ارتكبت جريمة لمجرد زواجي من فلسطيني”.

تتذكر المستشارة التربوية سوزان أبو لبن، البالغة من العمر 45 عامًا، جيدًا عملية تسجيل ابنها الأول. فقد وُلد في القدس ونشأ في بيت حنينا، لكن ملفه بقي مفتوحًا لمدة أربع سنوات. ولم يحصل على بطاقة الهوية إلا عندما بلغ 16 عامًا.

28795848 10156036870752667 6453426131629506560 n
طابور أمام مدخل وزارة الداخلية في وادي الجوز. الصورة: بلطف من مجموعة “داخلية القدس – لا لتعطيل المصالح” على فيسبوك

 

بدأت المشكلة بتفصيل لا علاقة له بطفلها، إذ لم يكن المنزل الذي استأجرته العائلة مسجلاً في الأرنونا. طلبت وزارة الداخلية منها صورة جوية للمنزل بتكلفة 1,500 شيكل، لكنّ الوزارة رفضت قبول الصورة مطالبةً أيضاً بإثبات ملكية العقار. على مدار عام كامل، عادت إلى وزارة الداخلية أربع أو خمس مرات. وفي إحدى المرات، سألوا ابنها – الذي لم يعرف مدينة غير القدس – عن والده الذي يقيم في الضفة. تؤكد أبو لبن: “الزواج من فلسطيني يترتب عليه مشاق تستمر لسنوات”.

وفقاً لزياد حموري، مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تنجم جميع هذه العقبات عن سياسة واحدة، تتمثّل في تعطيل لمّ شمل العائلات. فمنذ عام 2002، ونتيجة لقانون “المواطنة والدخول إلى إسرائيل”، تفرض إسرائيل قيوداً على لمّ شمل العائلات التي يكون فيها أحد الزوجين فيها مقدسياً والآخر من سكان الضفة. وتؤثر هذه القيود على الأطفال، وفي بعض الحالات قد تكون القيود المفروضة على الطفل متعلقةً بأحد أقاربه، وليس بوالديه فحسب.

199b94f9 6d6c 4a72 8bb4 44cee43a71af
زياد حموري مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

 

“إرث ثقيل”: عندما يتحول وضع الوالدين إلى معركة يخوضها الأطفال

قبل الحرب، بدا أن حياة ماسة سليمان، البالغة من العمر 32 عامًا، بدأت تستقر. أنجبت ابنها البكر في بيت عور على نفقتها الخاصة، بعد وقف تأمينها الصحي. وانتقلت لاحقًا إلى كفر عقب (منطقة سكنية خلف الجدار ضمن “حدود” بلدية القدس)، حيث أُعيد تأمينها الصحي وحصل أطفالها على أرقام هوية مؤقتة. واستمر هذا الوضع نحو ثلاث سنوات، حيث اعتقدت ماسة أنها تجاوزت المرحلة الأصعب في حياتها.

لكن بعد 7 أكتوبر، أعادت وزارة الداخلية فحص تصريحها بشأن مساحة الشقة، وقررت أنه «غير واقعي». كما أثارت فاتورة كهرباء بقيمة 50 شيكلًا شكوكًا إضافية. ومن دون إجراء فحص جديد، ومن دون منحها فرصة للتوضيح، أُلغيت أرقام الهوية المؤقتة لأطفالها، ومعها تأمينهم الصحي أيضًا.

فقد زوجها عمله في إسرائيل بعدما وصلت معاملة لمّ شمل العائلة الخاصة به إلى طريق مسدود، ودفعت ماسة آلاف الشواكل للمحامين من دون نتيجة. أما ابنها البكر جواد، الذي يقترب من سن 13 عامًا، فلا يُسمح له بدخول المدينة التي وُلد فيها. تقول ماسة: «بطّل عندي أمل. بكيت ليالي كاملة على كل الجهد الي ضاع عالفاضي».

لا خلاص في القانون: المتاهة التي تبدأ حيث تفشل البيروقراطية

تقف خلف هذه القصص متاهة قانونية يعمّها الضباب بشكلٍ متعمّد. يوضح الهيثم خطيب، مدير الدائرة القانونية في مؤسسة “سانت إيف” – المركز الكاثوليكي لحقوق الإنسان، أن الفلسطينيين المقدسيين يحملون صفة “مقيم دائم” وليس المواطنة. وعندما يكون الوالدان مقدسيين، يُسجل الطفل تلقائياً. لكن عندما يكون أحد الزوجين من سكان الضفة، لا شيء يحدث تلقائياً، إذ يجب تقديم طلب خاص وإثبات الإقامة في القدس لمدة سنتين على الأقل.

تعاملت المؤسسة مع حالات توفي فيها الأب قبل استكمال تسجيل أطفاله، فلم يتم تسوية وضعهم القانوني حتى بعد بلوغهم سن 18 عامًا. وفي حالات أخرى، طُلِبَ من العائلات إجراء فحص DNA لإثبات الأبوة على نفقتها الخاصة. ويؤكد الخطيب أن المؤسسة تلقّت منذ عام 2023 نحو 77 توجهًا من هذا النوع، وكانت صعوبة إثبات مكان الإقامة هي القاسم المشترك بينها جميعاً.

وحين تفشل الإجراءات أمام وزارة الداخلية، يبدأ مسار المحاكم. تصف المحامية ميساء أبو صالح من “هموكيد” (مركز الدفاع عن الفرد) هذا الإجراء قائلةً إن الطفل الذي يولد في الضفة قد يحصل على وضع قانوني مؤقت، وبعد سنتين يحصل على وضع مقيم دائم. وهناك إمكانية أخرى تسري على الأطفال حتى سن 14 عاماً الذين تنتقل عائلاتهم للسكن في القدس. غير أن هذا المسار يُمكن أن ينهار هو الآخر، حيث روت لنا أبو صالح قصة طفلين رفضت وزارة الداخلية تسجيلهما، ثمّ مُنِحا وضعاً مؤقتاً عقب صدور حكم قضائي، لكن الوزارة ادعت لاحقاً أن التسجيل تم “عن طريق الخطأ”. ومضت أكثر من ثماني سنوات حتى حصلا على إقامة دائمة.

6857ccf5 01ca 4da5 883e 2069465cf2ed
ميساء ابو صالح محامية في هموكيد

 

ويشير المحامي راضي درويش من مركز العمل المجتمعي إلى الحلقة الأكثر غموضًا، وهي المطالبة بإجراء فحص الحمض النووي، إذ لا يوجد معيار قانوني واضح يُحدِّد متى يحق للوزارة فرض هذا الشرط. ويؤكد درويش أنّ ملفات سكان مخيم شعفاط (وهو مخيم اللاجئين الفلسطينيين الوحيد الواقع ضمن الحدود البلدية للقدس) هي من بين الأكثر تعقيدًا، لأنها تفتقر إلى معظم الوثائق التي تعرّفها وزارة الداخلية باعتبارها «أدلة»: فلا يوجد تسجيل للأرنونا، ولا فواتير مياه رسمية، كما تنتشر سرقات الكهرباء. وفي بعض الأحيان، كما حدث مع ماسة، تربط وزارة الداخلية بين طلب تسجيل الطفل وإجراءات لمّ شمل العائلة، رغم أن الأمر يتعلق قانونيًا بإجراءين منفصلين.

جواد (ابن ماسة) لا يعرف أنه ممنوع من دخول المدينة التي وُلد فيها. وراما تحتفظ بـ«كوشان» ابنها كما لو كان وثيقة أغلى من جواز السفر. أما سوزان فتحتفظ بإيصال الصورة الجوية التي رفضت وزارة الداخلية قبولها، لأنها تعلمت ألا تتخلص من أي وثيقة قبل إغلاق الملف فعلًا.

لا يتحدث أي منهم عن «الحقوق» بمعناها المجرد. إنهم يتحدثون عن الطوابير، وعن فواتير الكهرباء، وعن المصاريف الباهظة، وعن أطفالهم الذين يكبرون وهم ينتظرون وثيقة “تشهد” أنهم ينتمون إلى مسقط رأسهم. بالنسبة إليهم، ليست القدس قضيةً سياسية يمكن تأجيلها، بل صخرة يومية يحملونها على ظهورهم على مرأى موظفي الداخلية.

لم يصدر عن سلطة السكان والهجرة أي رد حتى موعد نشر المقال.

مقالات مختارة

Skip to content