“⁠لم يفهم أحد لماذا تركت شركة عالمية للعمل في مبادرة اجتماعية”

الإثنين, أغسطس 10, 2026 07:26
/
/
“⁠لم يفهم أحد لماذا تركت شركة عالمية للعمل في مبادرة اجتماعية”

“⁠لم يفهم أحد لماذا تركت شركة عالمية للعمل في مبادرة اجتماعية”

أيقون موقع وصلة Wasla

“⁠لم يفهم أحد لماذا تركت شركة عالمية للعمل في مبادرة اجتماعية!؟”

هذا السؤال كان من أكثر الأسئلة التي سمعتها عندما قررت الانتقال من شركة Hp Indigo إلى Co-Impact. بالنسبة للكثيرين، بدا القرار غريبًا، بل وربما خطوة إلى الوراء. فكيف يترك شخص يعمل في شركة عالمية مسارًا مهنيًا يبدو ناجحًا لينتقل إلى مؤسسة اجتماعية أصغر؟

لكن بالنسبة لي، لم يكن هذا هو السؤال الصحيح.

السؤال الذي شغلني لم يكن: “كيف سيبدو هذا القرار في نظر الآخرين؟” بل: “هل هذه الخطوة ستساعدني على التطور، وتوسيع مهاراتي، وبناء المسار المهني الذي أطمح إليه؟”.

ماريا يعقوب
ممكن نتعرف؟
فريدة مجادلة
البلدة باقة الغربية
الدراسة لقب أول في العلوم السياسية ودراسات العمل من جامعة تل أبيب.
العمل أعمل في تطوير المعرفة والأدوات في Co-Impact. أهتم بتطوير حلول معرفية وتنظيمية وأدعم التعلم والنمو المهّني

في بداية مسيرتي المهنية عملت في Hp Indigo في مجال الموارد البشرية، وتحديدًا في التعلّم والتطوير والاستشارة التنظيمية. خلال أربع سنوات، تعلمت الكثير، وبنيت أساسًا مهنيًا متينًا، وانتقلت من منسقة تعلم وتطوير (L&D Coordinator) إلى أخصائية تعلم وتطوير (L&D Specialist). كانت تجربة غنية منحتني أدوات مهمة لفهم تطوير الأفراد والمؤسسات.

لكن مع مرور الوقت بدأت أكتشف أن طموحي المهني يتجه إلى مساحة أوسع. لم أعد أبحث فقط عن إدارة عمليات التعلّم داخل المؤسسة، بل أردت أن أتعمق في إدارة المعرفة، وتطوير الأدوات، وتصميم حلول تساعد المؤسسات والأفراد على التعلم والنمو والتطور.

عندما عُرض عليّ الانضمام إلى Co-Impact كمسؤولة معرفة وتطوير أدوات، لم أرَ نفسي أغادر القطاع الخاص إلى القطاع غير الربحي، بل رأيت نفسي أنتقل إلى المجال الذي أردت أن أبني فيه خبرة أعمق، وأن أطور مهارات جديدة، وأن أقترب أكثر من المسار المهني الذي أطمح إليه.

بطبيعة الحال، أثار القرار الكثير من علامات الاستفهام. البعض ركّز على اسم المؤسسة، وآخرون ركّزوا على اختلاف القطاع، وكأن النجاح المهني يُقاس دائمًا بحجم الشركة أو شهرتها أو نوع القطاع الذي نعمل فيه. لكن هل هذه هي الطريقة الصحيحة لقياس النجاح المهني؟ برأيي، لا.

في مجتمعنا العربي، يُنظر غالبًا إلى العمل في شركة عالمية أو مؤسسة كبيرة على أنه دليل واضح على النجاح، وهذا أمر مفهوم، لأن الوصول إلى هذه المؤسسات ليس سهلًا ويعكس جهدًا وإنجازًا حقيقيين. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح اسم المؤسسة هو المعيار الوحيد للحكم على المسار المهني. فالنجاح المهني لا يتوقف على المكان الذي نعمل فيه، بل يمتد إلى ما نبنيه داخل هذا المكان: المعرفة التي نكتسبها، والمهارات التي نطورها، والخبرات التي نخوضها، والقدرة التي نصنعها لأنفسنا لمواجهة تحديات جديدة في المستقبل.

لهذا السبب، لا أؤمن بوجود قطاع “أفضل” من قطاع آخر. فالقطاع الخاص يوفر بيئة غنية بالابتكار، والنمو، والتنافسية، بينما يمنح القطاع غير الربحي فرصًا مختلفة للتأثير، وقيادة المبادرات، وبناء حلول لقضايا مجتمعية معقدة. لكل قطاع مزاياه وتحدياته، والسؤال الحقيقي ليس أيهما أفضل، بل أيهما يخدم أهدافنا المهنية في المرحلة التي نعيشها.

فريدة مجادلة - تعمل في مجال تطوير المعرفة والأدوات في Co-Impact
فريدة مجادلة – تعمل في مجال تطوير المعرفة والأدوات في Co-Impact

 

وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر: كيف نقيس التقدم المهني؟

لفترة طويلة، اعتدنا أن نربط التقدم بالترقية إلى منصب أعلى أو بالانتقال إلى شركة أكبر. لكن سوق العمل اليوم يتغير بسرعة، وأصبح التطور المهني لا يتحقق فقط بالصعود إلى الأعلى، بل أيضًا بالتوسع أفقيًا، واكتساب خبرات جديدة، والدخول إلى مجالات مختلفة تضيف قيمة حقيقية لمسيرتنا.

ولهذا أصبحت مفاهيم مثل Upskilling و Reskilling أكثر أهمية من أي وقت مضى. Upskillng يعني تطوير المهارات التي نمتلكها وتعزيزها لمواكبة التغيرات في مجال عملنا، بينما يشير Reskilling إلى اكتساب مهارات جديدة تمكّننا من الانتقال إلى أدوار أو مجالات مختلفة عندما تتغير احتياجات سوق العمل.

ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، من الذكاء الاصطناعي إلى الأتمتة وتغيّر طبيعة الوظائف، أصبحت القيمة المهنية لأي شخص مرتبطة بقدرته على التعلم المستمر والتكيف، أكثر من ارتباطها باسم المؤسسة التي يعمل فيها اليوم. لذلك، لا أدعو إلى تفضيل قطاع على آخر، كما لا أعتقد أن هناك مسارًا مهنيًا واحدًا يناسب الجميع.

القرار المهني الناجح هو القرار الذي ينسجم مع أهدافنا، ويطوّر قدراتنا، ويقودنا إلى الاتجاه الذي نريد أن نبني فيه أنفسنا على المدى البعيد. أحيانًا لا تكون أكبر خطوة في حياتنا المهنية هي الترقية إلى منصب أعلى، بل اختيار البيئة التي تمنحنا فرصة لتعلّم شيء جديد، وتوسيع رؤيتنا، وبناء نسخة أكثر نضجًا وكفاءة من أنفسنا. وفي النهاية، ربما لن يكون السؤال الأهم بعد سنوات: في أي مؤسسة عملت؟ بل سيكون: ماذا تعلمت؟ وما القيمة المهنية التي أصبحت قادرًا على تقديمها؟

“مشبك”، مجتمع مهني-تشغيلي يهدف إلى تعزيز التقدم المهني للمواهب العربية، من خلال التعلم، التشبيك، القيادة، وتبادل الخبرات. بمبادرة جمعية “كو-إمباكت”.

مقالات مختارة

Skip to content