
في منتصف ستينيات القرن العشرين، اقترح عالم الرياضيات وخبير التشفير في Bletchley Park، آي. جيه. جود، تجربة فكرية أصبحت منذ ذلك الحين الإنجيل العلماني لوادي السيليكون. زعم جود أننا إذا تمكنا من بناء “آلة فائقة الذكاء”، فسوف تتمكن هذه الآلة من تصميم آلات أفضل منها، ليشعل هذا شرارة انفجار ذكائي يتجاوز الإدراك البشري بأشواط. وعلى هذا فإن أول آلة من هذا القبيل ستكون “آخر اختراع يحتاج إليه الإنسان على الإطلاق”.
اليوم، أصبحت تلك النبوءة، التي كانت ذات يوم من نسج الخيال العلمي، الهدف الأساسي لأقوى المؤسسات في العالم. على سبيل المثال، يتحدث ديميس هاسابيس من Google DeepMind عن “حل الذكاء” من أجل “حل كل شيء آخر”. إنها قصة مغرية. ولكن حتى لو افترضنا، على سبيل الجدال، أن الأنظمة في المستقبل قادرة على التعلم، والتجريب، وتوليد حلول مبتكرة حقا تتجاوز النماذج الحالية بدرجة كبيرة، فإن فرضية “الاختراع الأخير” لا تزال تستند إلى افتراضات عديدة مشكوك فيها.
الأول هو أن الابتكار يشبه سباقا خاليا من الاحتكاك من الفكرة إلى التأثير. وهذا ليس صحيحا. بل إن عملية الاكتشاف أشبه بسلسلة، تتحدد متانتها بمدى قوة أكثر حلقاتها ضَعفا.
تحدد هذه الحلقات الضعيفة قسما كبيرا من التقدم البشري. في عام 1986، انفجر مكوك الفضاء Challenger بعد 73 ثانية من الإطلاق، ليس بسبب عطل في محركاته أو برمجياته العالمية المستوى، بل لأن سدادة مطاطية صغيرة تعطلت عند تعرضها لدرجات حرارة منخفضة في الغلاف الجوي (كما كشف ببراعة الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل ريتشارد فاينمان في جلسات الاستماع حول الكارثة). منذ ذلك الحين أصبحت “حلقة منع التسرب الدائرية” استعارة لنقاط الاختناق الحرجة الكفيلة بإغراق حتى أكثر الأنظمة تطورا.
يعمل الاكتشاف بذات الطريقة. والذكاء الاصطناعي العام (AGI)، الذي يُفهم في عموم الأمر على أنه نموذج قادر على أداء أي مهمة معرفية (إدراكية)، ربما يعمل على تسريع جهود البحث الطبي في مراحله المبكرة بدرجة كبيرة، ولكن إذا عجز عن اجتياز التجارب السريرية، أو التصنيع على نطاق ضخم، أو الحصول على الموافقة التنظيمية، فإن “الاختراق” لن يتحول أبدا إلى اختراع يحسن حياة الناس. عندما تُـشَـغَّل المراحل المبكرة من الاكتشاف آليا، لا يختفي دور الإنسان؛ بل ينتقل ببساطة نحو العقبات والاختناقات المتبقية، حيث تكون عناصر مثل الحكم، والمعرفة الضمنية، والمهارة العملية هي ما يهم.
تشير هذه التعقيدات إلى مشكلة أكبر: لن يكون لزاما على الذكاء الاصطناعي العام أن يتفوق على البشر فحسب؛ بل سيتعين عليه أن يتفوق على البشر الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي العام. لكي تصح قصة “الاختراع الأخير”، سيكون من اللازم أن يصبح البشر غير ضروريين حتى كشركاء أو مشرفين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن الذكاء ليس كَمِّيا: “المزيد” لا يحل ببساطة محل “الأقل”. حتى الذكاء الاصطناعي العام المقتدر قد يختلف في طبيعته عن الإنسان: فهو استثنائي في سرعته وقدرته على اكتشاف الأنماط، لكنه هش عند مواجهة حالات نادرة. تقتضي مواطن القوة المختلفة ضمنا وجود نقاط عمياء مختلفة، وعندما لا تتداخل هذه النقاط، فإن الجمع بين الحكم البشري والآلي سيظل يتفوق على أي منهما بمفرده.
تقدم لعبة Go تذكيرا مفيدا. بعد أن هزم AlphaGo من Google DeepMind اللاعب لي سيدول بنتيجة 4-1 في عام 2016، بدا أن تفوقه على اللاعبين البشريين بات محسوما. ولكن في عام 2023، أظهر باحثون أن أحد الهواة من البشر يتمتع بمهارات حاسوبية متواضعة قادر من خلال توجيه المحركات المتطورة إلى مواقف غير معتادة خارج نطاق تدريبها، قادر على هزيمة أفضل البرامج على نحو موثوق. لا يزال التفوق الظاهري يخفي نقاط ضعف منهجية، وهنا غالبا ما تضيف المساهمة البشرية القدر الأعظم من القيمة.
تتعلق مشكلة ثالثة بالمعرفة ذاتها. تفترض أُطروحة “الاختراع الأخير” إمكانية تدوين كل المعلومات ذات الصلة، لكن هذه ليست الحال عادة. الواقع أن قِلة من الاختراعات غيرت العالم أكثر من طراز فورد T، الذي حوّل السيارة إلى مُنتَج واسع الانتشار. لكن إنجاز هنري فورد لم يكن كامنا في التصميم الجديد فحسب. الأمر الأكثر أهمية كان النهج الذي تبناه في تنظيم الإنتاج.
لهذا السبب سافرت وفود من إيطاليا، وألمانيا، والاتحاد السوفيتي، وأماكن أخرى لدراسة مصانع فورد عن كثب. لم يكن بالإمكان استخلاص الدراية الفنية الحاسمة من أي مخطط أولي. فقد كانت متأصلة في الروتين، والتسلسل، واختيار الأدوات، وحل المشكلات اليومية من قِـبَل العاملين في المصنع. على نحو مماثل، كان من الصعب تكرار نظام الإنتاج الرشيق في شركة تويوتا لأنه متأصل في الروتين البشري والثقافة، وليس في مخطط.
لا يؤدي المزيد من الذكاء تلقائيا إلى التغلب على “مشكلة المعرفة” ــ حقيقة مفادها أن ما يجعل الأنظمة المعقدة تعمل هو معلومات متفرقة، ومحلية، وغير معلنة غالبا. لو كانت المعرفة قابلة للنقل دون احتكاكات أو عوائق، لما تكتلت الصناعات بهذا القدر، كما هي الحال في وادي السيليكون أو مدينة لندن.
قد يرد المتحمسون للذكاء الاصطناعي قائلين: “حسنا، ضعوا أجهزة استشعار وكاميرات وميكروفونات في كل مكان، وسوف ندَوِّن المعرفة المفقودة”. لكن هذه الاستراتيجية تفترض أن الأشخاص الخاضعين للمراقبة سيتواصلون بصراحة ويشاركون المعرفة التي يولدونها، كما أنها تتجاهل السياسة والقانون. إن تسجيل “كل شيء، في كل مكان” يتعارض مع اللائحة العامة لحماية البيانات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت نموذجا لتنظيم الخصوصية في مختلف أنحاء العالم.
علاوة على ذلك، لا يمنح قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي ترخيصا مطلقا لعمليات النشر التي تتسم بالمراقبة المكثفة والتي ستكون ضرورية لجمع المعرفة البشرية على نطاق واسع. وحتى لو فعل ذلك، فليس من الممكن أن نفترض أن كل المعرفة البشرية، ناهيك عن الحكم، يمكن تحويلها رقميا بهذه السهولة.
في النهاية، قد يعمل الذكاء الاصطناعي العام على أتمتة الذكاء. لكن عملية الاختراع تعتمد على شيء أكثر تعقيدا. الجزء الصعب غالبا ليس التفكير في حل، بل ترجمته إلى ممارسة عملية. فأنت في احتياج إلى المعرفة المحلية، والعمليات الروتينية الجديرة بالثقة، وسلاسل التوريد، والقدرة المؤسسية لجعل شيء ما يعمل على نحو يمكن التعويل عليه في العالم الحقيقي. ولا ينتج مزيد من الذكاء تلقائيا تلك المكونات التكميلية.
سوف يغير الذكاء الاصطناعي العام عملية الاكتشاف بجعل الخبرة أرخص والتجريب أسرع. لكن “آخر اختراع للبشرية” هو ادعاء أقوى كثيرا. لكي يكون هذا صحيحا، سنحتاج إلى عالم يمكن فيه نقل المعرفة العملية بالكامل عبر القنوات الرقمية وحيث يمكن أتمتة المسؤولية جنبا إلى جنب مع الإدراك. وهذا ليس العالم الذي نعيش فيه.
مع انخفاض تكلفة الذكاء، سوف تتغير الأصول التي تحقق أعلى قيمة. وسوف تكون الميزة لأولئك القادرين على تحقيق النتائج. لن يصبح البشر زائدين عن الحاجة؛ بل إنهم يصبحون الآن أكثر نقاط الاختناق حسما في العالم.
ترجمة: إبراهيم محمد علي
كارل بينيديكت فراي أستاذ مُشارِك الذكاء الاصطناعي والعمل في معهد أكسفورد للإنترنت ومدير برنامج مستقبل العمل في كلية مارتن أكسفورد، أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “كيف ينتهي التقدم: التكنولوجيا، والإبداع، ومصير الأمم” (دار نشر جامعة برينستون، 2025).
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org












