
فادي مطور (45 عاماً)، من سكان حي وادي الجوز في شرقي القدس، هو واحد من بين عشرين ألف مواطن في الحي لا يملكون سوى الدعاء بأن لا تسقط الصواريخ عليهم عند سماع صفارات الإنذار، فلا يوجد في وادي الجوز أي ملجأ عام يمكنه اللجوء إليه مع عائلته، ويفتقر منزله لغرفة محمية (مماد). وحتى المساحة المحمية الوحيدة التي افتتحتها البلدية مؤخراً، فتقع داخل مدرسة ابتدائية يحتاج الوصول إليها من منزله 15 دقيقة مشياً، وهو وقت يتجاوز بكثير المهلة اللازمة للذهاب إلى مكان محصن. ويقول مطور: “عندما نسمع صفارات الإنذار لا نعرف ماذا نفعل، فلا يوجد مكان نذهب إليه”، مضيفًا: “أطفالي يرتجفون من الخوف ولا أعرف كيف أُهدّئهم”.
ولا يبدو الوضع أفضل حالًا في بقية أحياء شرقي القدس؛ فحتى يوم الاثنين دوت صفارات الإنذار هناك 37 مرة منذ اندلاع الحرب مع إيران قبل نحو أسبوعين. وفي حين يحتمي سكان غربي المدينة بالأماكن المحصنة، يفتقر أغلب سكان شرقي القدس البالغ عددهم 400 ألف نسمة لهذه الأمكان. وهكذا تتوسع الفجوات بين العرب واليهود في القدس لتشمل الأمكان المحمية أيضاً؛ ففي حي الشيخ جراح مثلاً، لا يوجد أي ملجأ عام لخدمة سكانه البالغ عددهم 15 ألفاً، وفقاً لموقع البلدية.
وبحسب جمعية “بمكوم – مخططون من أجل حقوق الإنسان”، يوجد في القدس 551 مساحة محمية، تشمل ملاجئ عامة وملاجئ في المدارس ومواقف سيارات محصنة، لكن 10% منها فقط تقع في أحياء شرقي المدينة، ومعظمها داخل المدارس. وتظهر بيانات البلدية وجود ملجأ عام واحد فقط مستقل (أي ليس في مدرسة أو موقف سيارات) في شرقي القدس يقع في “عمارات نسيبة” في بيت حنينا، ومع ذلك، تجول ناشطون من جمعية “بمكوم” في المنطقة بحثاً عنه ولم يتمكنوا من تحديد موقعه الفعلي، كما أن السكان المحليين الذين سُئلوا عنه لم يعرفوا مكانه.

يسود وضع مشابه أيضاً في الأحياء العربية الواقعة خلف جدار الفصل (كفر عقب، رأس خميس وضاحية السلام)، والتي يقطنها حوالي 150 ألف نسمة. “قبل أيام، تلقيت تنبيهاً على هاتفي بينما كنت أصلي في المسجد، لكن لم يُحرِّك أحدٌ حولي ساكناً، لأنه لا يوجد مكان نذهب إليه، فواصلتُ صلاتي”، تروي حسنة محمد علي (48 عاماً) من سكان كفر عقب. وتؤكد حسنة أنّ إغلاق حاجز قلنديا أثناء اندلاع صفارات الإنذار يزيد الوضع تعقيداً؛ إذ يتم إغلاق الحاجز فوراً، وبينما يركض الجنود ورجال الشرطة إلى الغرف المحصنة القريبة المخصصة لهم، يعلق المواطنون قرب الحاجز دون أي حماية.

صفارات الإنذار أثناء الإفطار
قبل شهرين، أشار تقرير مراقب الدولة عن الأمكان المحمية إلى أن أسوأ الملاجئ وضعاً في البلاد توجد في المجتمع العربي. وبحسب التقرير، يوجد 37 ملجأً عاماً فقط (أي ما يعادل 0.3%) في المجتمع العربي، ثمانية منها غير صالحة للاستخدام على الإطلاق. وبحسب تقرير نشره مركز الطوارئ للسلطات المحلية العربية في أواخر عام 2024، تفتقر 60% من السلطات المحلية العربية تماماً للملاجئ العامة.
ويمكن ملاحظة هذا التفاوت بشكل واضح في المدن المختلطة، وعلى رأسها القدس؛ فحوالي 40% من سكان القدس يعيشون في شرقي المدينة، إلا أن حصتهم من المساحات المحمية أصغر بكثير من نسبتهم السكانية. وعلى سبيل المثال، يروي عاهد الرشق (45 عاماً)، وهو من سكان البلدة القديمة وعضو لجنة الأحياء، أن عائلته الممتدة المكونة من 80 شخصاً تسكن في بناية من أربعة طوابق بلا ملجأ. وكما هو الحال مع فادي مطور من وادي الجوز وحسنة محمد علي من كفر عقب، يقف هو أيضاً عاجزاً أمام تهديد الصواريخ. يقول الرشق: “عندما تدوّي الصفارات نواصل حياتنا كالمعتاد، ببساطة لأنه لا يوجد مكان آمن نذهب إليه”، مستذكراً مشهداً حدث عند سماع الصافرة أثناء وجبة الإفطار قبل عدة أيام، حيث استمر أفراد العائلة في تناول طعامهم بشكل طبيعي لعدم وجود مكان يحتمون به.

ويؤكد الرشق أن طبيعة المباني في البلدة القديمة بالقدس لا تسمح تقريباً بإنشاء ملاجئ، كما أن الحلول البديلة، مثل فتح المدارس كملاجئ مؤقتة، لا توفرها البلدية لسكان البلدة القديمة العرب. في المقابل، يختلف الوضع في حارة اليهود، التي يقطنها نحو 3,000 نسمة؛ حيث أُعيد بناء معظم المباني هناك بعد عام 1967، وهي تضم ملاجئ مشتركة في الطوابق السفلية أو غرفاً محصنة داخل الشقق.

في بلدة سلوان المجاورة للبلدة القديمة، أصبحت قضية غياب الأمكان المحمية جزءاً من الواقع اليومي أيضاً. تروي أماني عودة (39 عاماً)، وهي أم لطفلين من سكان البلدة، أن معظم البيوت هناك -سواء كانت منازل مستقلة أو شققاً في بنايات- لا تضم أيَّ مساحات محمية. وبحسب قولها، وتوضح أن طبيعة البناء في البلدة، حيث إنّ العديد من المباني قديمة أو جرى توسعتها على مر السنين دون تخطيط منظم، تجعل من الصعب للغاية إقامة غرف محصنة. وكما هو الحال مع الأشخاص الذين تحدثنا معهم في التقرير، لا يوجد مكان تحتمي فيه أماني وأطفالها أثناء الضربات الصاروخية، تقول: “عندما تدوّي الصافرات لا يوجد مكان نذهب إليه، أبقى في البيت مع أطفالي وأحاول فقط إبعادهم عن النوافذ”.
وتضيف أن المدارس القريبة من منزلها لم تُفتح للسكان كملاجئ، كما أن المباني العامة في المنطقة غير مهيأة لذلك، وهو وضع يترك آلاف السكان دون أي مكان آمن يلجؤون إليه في أوقات الطوارئ.

كيف ردّت البلدية؟ يقول المتحدث باسم البلدية، موتي شاحم ميمون، بأن السلطات المحلية في إسرائيل توقفت عن بناء الملاجئ العامة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأن سياسة التحصين الحالية تعتمد أساساً على الغرف المحمية داخل المنازل، مضيفًا بأن جزءاً من المشكلة في شرقي القدس يتعلق بـ”البناء غير القانوني الذي لا يتضمن غرفاً محصنة”. وتقر البلدية بوجود فجوة في عدد الملاجئ بين شرقي المدينة وغربها، لكنها تعزو ذلك إلى “عوامل تاريخية تعود لفترة الحكم الأردني للقدس قبل عام 1967”.












