
أدت الحرب على إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى واحدة من أكبر صدمات الطاقة في التاريخ الحديث، بعدما تعطلت 15% من إمدادات النفط العالمية ونحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال. هذه الصدمة رفعت أسعار الطاقة وخلقت تأثيرات اقتصادية واسعة، لكنها لم تؤثر على الجميع بالطريقة نفسها، إذ ظهرت جهات مستفيدة وأخرى متضررة بشدة.
يتناول تقرير لصحيفة ذي إيكونوميست تأثير هذه الأزمة على الاقتصاد العالمي من حيث الرابحين والخاسرين، موضحًا أن تعطّل حركة النفط والغاز في مضيق هرمز ما زال قادرًا على إحداث اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية رغم تراجع اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط مقارنة بعقود سابقة. وقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس الإفراج عن ما يصل إلى 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، لكن هذه الخطوة اعتُبرت حلًا مؤقتًا ولم تحدّ من استمرار ارتفاع الأسعار.
وبحسب ما ورد في التقرير، ارتفع سعر النفط بنحو 25 دولارًا للبرميل مقارنة بمستواه قبل الحرب التي بدأت في 28 فبراير. وفي 9 مارس تراجع السعر قليلًا بعد أن لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى احتمال اقتراب نهاية الحرب. لكن استمرار تعطل الملاحة قد يدفع الأسعار إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، وهو مستوى قد يؤدي إلى ركود عالمي وعودة الركود التضخمي الذي شهده العالم في سبعينيات القرن الماضي.
كما امتدت الأزمة إلى سلع أخرى مرتبطة بالطاقة. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة التي تعتمد على الغاز الطبيعي، وفي 10 مارس حذرت الأمم المتحدة من احتمال ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب زيادة تكاليف الطاقة والنقل والأسمدة. كما ارتفعت أسعار الكبريت المستخدم في صهر النحاس، وظهر نقص في الهيليوم المستخدم في صناعة الرقائق الإلكترونية.
الرابحون
أكبر المستفيدين من الأزمة هم شركات النفط الأميركية، فبحسب تقديرات بنك جيفريز قد تحقق هذه الشركات أرباحًا إضافية تصل إلى 60 مليار دولار هذا العام إذا بقيت الأسعار مرتفعة. وقد ارتفعت إيراداتها بحوالي 5 مليارات دولار منذ بداية الحرب في 28 فبراير نتيجة ارتفاع أسعار النفط بنحو 47%. وإذا بلغ متوسط سعر برميل النفط 100 دولار خلال العام فقد تحقق هذه الشركات إيرادات بقيمة 63.4 مليار دولار من بيع النفط.
ومن بين الرابحين أيضًا شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة التي تنتج النفط داخل أميركا ولا تعتمد على إمدادات الشرق الأوسط. كما ستستفيد شركات الطاقة خارج المنطقة مثل الشركة النرويجية إكوينور، التي لا تملك نشاطًا في الشرق الأوسط وتعد موردًا رئيسيًا للغاز إلى أوروبا حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير.

الخاسرون
الأكثر تضررًا هي الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة، خصوصًا في آسيا. فالدول الآسيوية مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تحصل على ما بين 40% و80% من النفط الذي تستورده عبر البحر من الخليج. في عام ،2025 توجهت 87% من شحنات النفط الخام و86% من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي مرت عبر مضيق هرمز إلى الدول الآسيوية.
اليابان تعتمد على الشرق الأوسط لتوفير 95% من احتياجاتها النفطية، ويمر 70% من هذه الاحتياجات منها عبر المضيق. كما تستورد كوريا الجنوبية 70% من نفطها من الشرق الأوسط إضافة إلى 20% من الغاز الطبيعي المسال. أما الصين فتستورد 11 مليون برميل نفط يوميًا، وهي تمتلك حاليًا مخزونات من النفط تكفيها 100 يوم، إضافة إلى مخزونات من الغاز الطبيعي المسال تكفيها أكثر من 40 يومًا.
في أوروبا ارتفعت أسعار الغاز بشكل كبير. ففي 9 مارس تجاوز سعر الغاز 56 يورو للميغاواط ساعة، أي أعلى بنحو 75% مقارنة بمستواه قبل الحرب. وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن استمرار الأزمة أكثر من خمسة أسابيع قد يرفع التضخم في منطقة اليورو بنسبة 1% خلال عام واحد.
كما تواجه دول الخليج خسائر بسبب تعطل الصادرات، فقد تعطلت حركة 18 مليون برميل نفط يوميًا في المنطقة. وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أنه إذا استمر الإغلاق حتى أبريل فقد ينخفض إنتاج النفط والغاز السنوي في السعودية والإمارات بنسبة تتراوح بين 12% و16% وبأكثر من 25% في البحرين والكويت وقطر.
كما تتضرر شركات النفط العالمية الكبرى التي تمتلك منشآت في المنطقة. فشركات مثل إكسون موبيل وBP وشل وتوتال إنرجيز وشيفرون لديها أصول في الشرق الأوسط تضررت بسبب تعطل الملاحة. وتشير التقديرات إلى أن الشرق الأوسط يمثل أكثر من 20% من التدفقات النقدية المتوقعة لشركتي إكسون وBP في 2026، مقابل 14% لدى توتال إنرجيز و13% لدى شل و5% لدى شيفرون. وقد انعكس ذلك على أداء الأسهم، إذ ارتفع سهم إكسون بنحو 2% فقط منذ بداية الحرب، مقابل ارتفاع سهم BP بنحو 11% وسهم شل بنحو 9%.












