من معمل صغير في شارع ابن رشد بالقدس، يعمل مؤمن أبو صبيح (33 عامًا) على مشروع عطور بدأ برأس مال لا يتجاوز 5 آلاف شيكل. خلال خمس سنوات، بنى مكتبة تضم 200 مادة طبيعية يجلبها من موطنها الأصلي حول العالم، ويستغرق إنتاج العطر الواحد بين عدة أشهر إلى عام كامل قبل طرحه في السوق. وبين تكاليف الاستيراد المرتفعة وتقلبات السوق، يبيع أبو صبيح نحو 30 عبوة شهريًا، 80% منها لزبائن أجانب، ساعيًا إلى بناء علامة مميزة في عالم العطور، تحمل قصة وهوية عربية.

عرفنا بنفسك وكيف بدأت علاقتك بصناعة العطور؟
اسمي مؤمن أبو صبيح، عمري 33 عامًا ومن القدس. قبل نحو خمس سنوات بدأت بصناعة العطور بشكل جدي، لكن علاقتي بهذا المجال بدأت منذ الطفولة. فعندما كان عمري 11 عامًا، كنت أجمع الورود وأغليها، وأضعها في طنجرة ضغط لمحاولة تقطيرها. منذ تلك السن المبكرة، كانت لديّ أفكارٌ تتعلق بصناعة العطور، رغم أنني لا أتذكر من أين جاءتني. قبل جائحة كورونا، كنت أعمل في مجال الموسيقى داخل المدارس. لكن الموسيقى مجال تفاعلي، ومع جائحة كورونا توقف العمل، لأن العمل الموسيقي لا يمكن أن يستمر عن بُعد. فترة البقاء في المنزل دفعتني لطرح سؤال على نفسي: ماذا أريد بالتحديد؟ كان هناك عطر أحبه جدًا، فبدأت القراءة عنه، واكتشفت أن عالم العطور عالم جميل جدًا، ومن هنا بدأت رحلتي بشكل فعلي. ثم تطورت خبرتي بصناعة العطور عبر المشاركة في دورات تدريبية في الكويت مع عطارين وكيميائيين.
حدثنا أكثر عن مشروعك والمواد التي تستخدمها
بدأت من المنزل، ثم انتقلت إلى معمل صغير في شارع ابن رشد بالقدس، برأس مال 5 آلاف شيكل. أردت أن أصنع عطرًا من مكونات مرتبطة ببيئتنا وهويتنا، مثل الياسمين والورد الدمشقي والسوسن، وأن أبتكر منتجًا عربيًا يمكن طرحه في السوق. لكنني لا أقتصر فقط على المكونات العربية، إذ أستورد العديد من المكونات الأخرى من موطنها الأصلي، وهذا ما يجعل الإنتاج يستغرق وقتًا. أحيانًا أجلب مواد فقط لأشمها وأدرسها. لدي اليوم مكتبة تضم نحو 200 مادة طبيعية. مثلًا الفانيلا أجلبها من هايتي ومدغشقر. كما أنني أستورد من سويسرا، الولايات المتحدة، بريطانيا، وإيطاليا. وعند الطلب من عدة دول، أقوم بتجميع المواد في دولة واحدة ثم شحنها إلى هنا لتقليل التكلفة، إذ إنّ المواد الأولية وتكاليف استيرادها هي الأكبر في مشروعي. وما يجدر ذكره هنا أنني ألتزم بمعايير دولية تصدر سنويًا من سويسرا تحدد النسب المسموح بها من المكونات لتجنب أي حساسية.

كيف تتم عملية إنتاج العطر؟ وكم تستغرق؟
يختلف الأمر من عطر إلى آخر، أحيانًا أستخدم مثلًا 50 مكونًا في عطرٍ واحد. هذه المكونات تحتاج وقتًا طويلًا للاندماج. لذلك قد يستغرق إنتاج العطر بين 3 إلى 4 أشهر، وأحيانًا أنتجه وأطرحه بعد سنة كاملة بسبب التعتيق الطبيعي دون أجهزة. لا تعمل الشركات العالمية بطريقة التعتيق الطبيعي لأن المواد الطبيعية ليست ثابتة 100% وتتغير. حتى نفس الشجرة تعطي تدرجات عطرية مختلفة حسب مدة تعرضها للشمس وشدة الحرارة وكمية الري. الشركات ترغب في ثبات الرائحة، وبأن تكون رائحة العطر التي يشمها الزبون هي نفسها عند شرائه المنتج كلّ مرّة.
ما تكلفة إنتاج العطر وسعر البيع وهامش أرباحك؟
تكلفة إنتاج كلّ عبوة عطر تتراوح بين 150 و180 شيكل، وأبيعها عادة بسعر 350 شيكل. أما هامش ربحي فيصل إلى 15% تقريبًا، بعد احتساب كافة التكاليف والمصاريف والخسائر، وأطمح للوصول إلى 35%. أبيع نحو 30 عبوة شهريًا لزبائن غير محليين. 80% من زبائني أجانب و20% زبائن محليين. وأسوق لمنتجاتي عبر إنستغرام باسم “إكليل برفيوم”، وأحرص على شرح المكونات وتفاعلها.

ما سياسة الإنتاج لديك؟
أعتمد بشكل أساسي على الإنتاج المسبق، حيث أقوم بتصميم مجموعة من العطور مسبقًا وأعرضها للبيع. لكن بالطبع، الابتكار يرافقه الفشل دائمًا، وقد أصل إلى 20 أو حتى 100 عينة. إلى جانب ذلك، أستقبل طلبات خاصة من الزبائن، بحيث يطلب الزبون عطرًا بمواصفات معينة وأعمل على صناعته له بشكل منفصل عن العطور الجاهزة المعروضة، لكني أعرض عليه عينات قبل صنع العطر للتأكد من الرائحة المطلوبة، فالزبون قد لا يستطيع دائمًا التعبير بدقة عن الرائحة التي يرغب بها، وقد يفاجأ بعد الانتهاء من صنع العطر بأنّ رائحته ليست كما يرغب. لذلك، أعرض عليه عينات مسبقًا لضمان تلبية طلبه بدقة. يتراوح سعر العطور المباعة حسب الطلب بين 600 و1000 شيكل. مشكلة السوق أنه متقلب، وأي تغيير عالمي يؤثر علينا مباشرة بسبب ظروف البلد.

حدثنا عن التفاصيل الخاصة التي تميز عطورك
العطور التي أنتجها غير قابلة للتكرار، وهذا جزء من فلسفتي في العمل، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر. كما أن جميعها أحادية الجنس وتصلح للرجال والنساء. لكن عادة ما تميل النساء إلى الروائح الزهرية والسكرية. في إصداري الأخير مثلاً، عطر “ولادة”، توقعت أن يشتريه الرجال أكثر، لكن النساء كنّ الأكثر شراءً له. أطرح العطور كحالة إنسانية مرتبطة بالحب، وأختار أسماء مرتبطة بأشخاص وأماكن وأساطير. أحيانًا تأتي الفكرة أولًا، وأحيانًا الاسم. سأحدثكم عن ثلاثة عطور محببة إلى قلبي: عطر “إينانا” يحتوي على ثلاثة أنواع من الياسمين (الهندي، التونسي، المصري) إضافة إلى الورد الدمشقي والسوسن والفانيلا. أثناء تطويره كنت أفكر بسوريا، واخترت الاسم نسبة إلى إلهة الحب. عطر “ولادة” مستوحى من الأندلس والشاعرة ولّادة بنت المستكفي، وهو عطر حمضيات. أما عطري المفضل فهو “باب الساهرة”، حاولت فيه أن أترجم روح القدس إلى رائحة، وبما أنّه لا توجد نباتات عطرية من البلدة القديمة يمكن استخدامها، استخدمت رائحة الحشيش الأخضر والأوراق الجافة لتعكس روح المدينة.

ما هو موقع العرب في صناعة العطور اليوم؟
هناك مقولة في مسرحية لشكسبير تشير إلى أن “كل عطور العرب” لا تكفي لإزالة أثر الذنب، وهذا يدل على حضور العطور العربية تاريخيًا. وعندما أبيع عطرًا، أشعر أنني أُقدِّمُ للزبون قصة وتاريخًا وهوية. نحن كعرب كنا أقوياء تاريخيًا في هذا المجال ولدينا هوية وأسلوب خاص، لكننا اليوم غير موجودين في السوق من ناحية الابتكار والتطوير، بل فقط كمستهلكين. لدينا “ستايل” وهوية خاصة بنا، لكنها لا تشبه هوية العطور الحديثة الموجودة حاليًا. أرضنا العربية غنية بالمكونات، لكن القيمة المضافة تتم في أوروبا. الياسمين مثلًا يُنتج بكميات كبيرة في مصر وتونس والمغرب، لكنه يُقطّر فقط هناك، بينما تتم التعديلات المخبرية في فرنسا. كذلك الفانيلا التي تنمو في أفريقيا وأمريكا اللاتينية يتم تطويرها في مختبرات أوروبا. كما أن الياسمين الطبيعي لا يمكن منه إنتاج عطر ثابت بالكامل، لذلك تلجأ الشركات إلى المكونات الصناعية. اليوم تنتج العديد من الشركات العالمية عطورًا تحمل أسماء عربية، في حين أن عدد الشركات العربية والخليجية التي نجحت في تسويق عطور عربية معترف بها في أوروبا لا يزال محدودًا جدًا. وفي كثير من الحالات، يتم الاستعانة بخبير فرنسي أو أوروبي خلال مرحلة الابتكار وتطوير الرائحة، لأن وجود اسم أوروبي يسهل دخول المنتجات إلى السوق الأوروبية ويمنحها قبولًا أوسع مقارنة بعطر يحمل توقيع صانع عربي فقط.

هل ما زلت تعتبر العمل هواية؟ وما هي مشاريعك المستقبلية؟
نعم، ما زلت أتعامل معه كشغف، رغم أنه مشروع فعلي. وأعمل حاليًا على إصدار بخور من مواد محلية بالكامل على شكل حبيبات صغيرة.
مقالات ذات صلة: “في المواسم الجيدة، أحقق ربح صافي ممتاز من تصميم الأزياء”











