صادقت لجنة المالية في الكنيست، يوم الأحد، على قرار الحكومة تقليص ميزانية الخطة الاقتصادية لتطوير المجتمع العربي (خطة 550) بأكثر من 220 مليون شيكل، وتحويل المبلغ إلى جهاز الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك)، بذريعة مكافحة الجريمة والعنف في البلدات العربية.
تمت المصادقة على القرار في أجواء متوترة، بعد إقصاء نواب المعارضة ومنعهم من مناقشة التحويلات، مع تجاهل واضح لمواقف جهاز الاستشارة القانونية. وخلال الجلسة، تعرّضت المستشارة القانونية للجنة المالية، المحامية شلوميت إرليخ، لهجوم لفظي حاد من رئيس اللجنة، عضو الكنيست حنوخ ميلبيتسكي (الليكود)، ما اضطرها إلى مغادرة القاعة احتجاجًا.
“كيف يمكن للحكومة أن تنقل ميزانيات من برنامج نعرف أنه ناجح ومؤثر، إلى خطة أخرى لا نعرف إن كانت فعالة أصلًا”
هذا القرار، الذي يتعارض بشكل مباشر مع تحذيرات خبراء داخل وزارة المالية ووزارات حكومية أخرى، يعكس صدامًا واضحًا بين الشعبوية السياسية والمنطق الاقتصادي القائم على المعطيات والبيانات. لفهم أبعاد هذه الخطوة وتداعياتها، تحدثنا مع الدكتورة مريان تحاوخو، رئيسة مركز السياسات الاقتصادية للمجتمع العربي في معهد أهرون للسياسات الاقتصادية في جامعة رايخمان، التي تقدم تحليلًا نقديًا يسلّط الضوء على التناقضات العميقة في سياسة الحكومة الحالية.

النمو الاقتصادي مقابل مكافحة الجريمة
“لفهم الخلل الجوهري في قرار الحكومة، لا بد من التمييز بين خطتين استراتيجيتين منفصلتين ومتكاملتين موجهتين للمجتمع العربي”، تقول الدكتورة تحاوخو، مؤكدة أن الخلط بين أهداف هاتين الخطتين يعكس رؤية مشوهة تقود إلى نتائج عكسية. وتوضح: “خطة 550 هي خطة شاملة تهدف إلى تحقيق دمج اقتصادي واجتماعي حقيقي، من خلال الاستثمار في مجالات مركزية مثل التعليم العالي، تحسين جودة التشغيل، وتطوير البنى التحتية. هذه المجالات تشكل الأساس لأي نمو اقتصادي مستدام”.
“سياسة ماي جولان قائمة على العبث وانعدام المنطق”
وتضيف: “في المقابل، الخطة 549 هي خطة مخصصة بشكل مباشر لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، والجزء الأكبر من ميزانيتها، التي تبلغ نحو 2.5 مليار شيكل على مدى خمس سنوات، موجه أصلًا لتعزيز عمل الشرطة والأجهزة الأمنية”. وتشدد تحاوخو على أن الخطتين “ليستا بديلتين إحداهما للأخرى، بل مكملتان”. فبينما تعمل الخطة 550 على بناء قاعدة اقتصادية واجتماعية متينة، تأتي الخطة 549 لمعالجة أحد أكبر العوائق أمام هذا المسار، وهو تفشي الجريمة والعنف. “المنطق السليم يقتضي تعزيز كلتا الخطتين، لا تقويض إحداهما لصالح الأخرى”.

رهان خاسر: التضحية بنتائج مثبتة لصالح مسار غامض
جوهر الانتقاد الموجه لقرار الحكومة، بحسب تحاوخو، يكمن في المقارنة بين فعالية الخطتين. “سحب الأموال من برنامج أثبت نجاحه بالأرقام، وضخها في برنامج يكتنفه الغموض، يتناقض مع أبسط قواعد المنطق الاقتصادي”، تقول، مشيرة إلى أن نتائج خطة 550 واضحة وموثقة. “شهدنا ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الطلاب العرب المستحقين لشهادة البجروت، وزيادة مستمرة في عدد الطلاب العرب في مؤسسات التعليم العالي، إضافة إلى ارتفاع واضح في نسبة اندماج النساء العربيات في سوق العمل”.
“أكثر من 20 جهة حكومية مسؤولة عن تنفيذ خطة 550 عارضت هذه التحويلات بشكل شامل ودون استثناء”
وتضيف: “هذا مال حكومي يُستثمر في برامج نرى نتائجها مباشرة على الأرض”. والأهم من ذلك، بحسب قولها، هو المؤشر الاقتصادي الأوسع: “السنوات التي طُبقت فيها الخطتان 922 و550 سجلت أعلى ارتفاع في معدلات الدخل الفردي في المجتمع العربي مقارنة بباقي المجموعات السكانية في إسرائيل”.
في المقابل، تشير تحاوخو إلى غياب شبه كامل للشفافية حول أداء الخطة 549. وتطرح سؤالًا يلخص المشكلة: “كيف يمكن للحكومة أن تنقل ميزانيات من برنامج نعرف أنه ناجح ومؤثر، إلى خطة أخرى نملك ميزانيتها لكن لا نعرف إن كانت فعالة أصلًا؟” وتضيف: “لا توجد معطيات واضحة حول مدى استغلال ميزانيات الخطة 549، ولا حول تحقيق أهدافها. الحديث يدور عن غياب شفافية حقيقي في كل ما يتعلق بخطة مكافحة الجريمة والعنف”.
تجاهل صارخ للرأي المهني
لم يكن قرار الحكومة، بحسب تحاوخو، مجرد خطوة غير مدروسة، بل شكل تجاهلًا صريحًا لإجماع مهني واسع داخل مؤسسات الحكومة نفسها. “أكثر من 20 جهة حكومية مسؤولة عن تنفيذ خطة 550 عارضت هذه التحويلات بشكل شامل ودون استثناء”، تؤكد تحاوخو. هذا التجاهل لرأي المستوى المهني يثير، برأيها، سؤالًا جوهريًا: إذا لم يكن القرار مبنيًا على اعتبارات اقتصادية أو مهنية، فما الذي يقف خلفه فعلًا؟
الحكومات السابقة كانت تكرر أن المجتمع العربي هو أحد محركات النمو الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي في السنوات المقبلة. فهل ما زال هذا التوجه قائمًا اليوم؟
“المستوى المهني ما زال يرى ذلك بوضوح، وقسم الميزانيات في وزارة المالية يفهم هذه الحقيقة تمامًا. لكن المستوى السياسي يتصرف في اتجاه مختلف. نحن نرى سلوكًا غير مهني وشعبوي في مجالات كثيرة، وعندما يتعلق الأمر بالمجتمع العربي يصبح الأمر أسهل سياسيًا، لأنه يحقق مكاسب لدى قواعدهم الانتخابية”.

سياسة ماي جولان: عبث ولا-منطق
وعن سياسة وزيرة المساواة الاجتماعية، ماي غولان، تقول تحاوخو: “الوصف الأدق لهذه السياسة هو العبث وانعدام المنطق. الحجة الدائمة لتقليص ميزانية 550 كانت الادعاء بضعف الرقابة والخشية من وصول الأموال إلى عائلات الجريمة. المنطق البديهي كان يقتضي تعزيز آليات الرقابة والتقييم”.
لكن ما حدث، بحسب قولها، كان العكس تمامًا: “اقترحوا إلغاء البند المخصص للرقابة في الخطة! هذا سخف مطلق. كأن الرسالة هي: لنعطل الرقابة، ثم نستخدم غيابها كذريعة لتقليص الميزانيات”.
وترى تحاوخو أن تفكيك آليات الرقابة في خطة ناجحة، بالتوازي مع التذرع بغياب نتائج في خطة أخرى غير شفافة، “يبني رواية عن فشل مصطنع وأعذار ملفقة”.
في خلاصة تحليلها، تؤكد تحاوخو أن قرار الحكومة لا يمكن اعتباره مجرد خطأ في التقدير، بل خطوة واعية تفضّل مكاسب سياسية قصيرة المدى على حساب النمو الاقتصادي طويل الأمد.
“هذه سياسة تفتقر إلى المهنية، وتتجاهل الأدلة، وتتناقض مع إجماع الخبراء، وتضر في نهاية المطاف بالمجتمع العربي وبالاقتصاد الإسرائيلي ككل. جميع مواطني الدولة سيدفعون ثمن هذه القرارات”.
مقالات ذات صلة: لن تشبع: عين «جولان» على 1.6 مليار شيكل أخرى












