
بيت لحم – في مساء يوم السبت الماضي (6.12)، بدأت الأضواء تعود إلى ساحة المهد. الساحة التي غاب عنها الاحتفال لعامين، تُضاء فيها الآن شجرة الميلاد أمام حشد كبير في مشهد يحمل رسالة واضحة: بعد حرب طويلة أدت إلى انكماش اقتصادي عميق، تحاول المدينة أن تستعيد موسمها الأهم، وأن تعيد فتح أبوابها أمام الزوار، رغم الإرهاق المالي وتراجع السياحة العالمية.
عدد زوار كنيسة المهد في نوفمبر بلغ 30,647 زائرًا، بينهم 5,688 من عرب الداخل وهي الفئة التي يُعوَّل عليها لتعويض جزء من الخسائر
على مدار عامين، كان صمت ساحة المهد انعكاسًا لصمت اقتصادي خانق. الحرب على غزة، وما تبعها من إجراءات عسكرية مشددّة في الضفة الغربية، شلت الحركة السياحية في المدينة التي تستقبل عادة مئات آلاف الحجاج سنويًا. الفنادق أغلقت أبوابها، المحال التجارية واجهت خسائر يومية، وتراكمت الديون على البلدية. الآن، ومع اقتراب عيد الميلاد، تحاول المدينة أن تتعافى من جديد، وإن كان على نطاق محدود.

“لسنا جاهزين كما يجب”: بلدية تحت ضغط الديون والوقت
يقول رئيس بلدية بيت لحم، ماهر قنواتي، إن الوضع المالي للبلدية “صعب جدًا”، موضحًا أن الديون المستحقة على المواطنين وجهات أخرى تبلغ نحو 70 مليون شيكل. قنواتي أكد أن البلدية، التي كانت تبدأ استعداداتها عادة في مايو، اتخذت قرار استئناف احتفالات الميلاد “قبل أيام قليلة فقط” بسبب ظروف الحرب وانعدام اليقين.
ولتعويض غياب الميزانيات المستقرة، كثّفت البلدية اتصالاتها مع أكثر من 100 مدينة توأمة حول العالم، طالبَت كلًّا منها بتسجيل رسالة قصيرة لا تتجاوز 12 ثانية لعرضها خلال الاحتفالات. ويقول قنواتي إنه يعتزم نشر ما يصل إلى 10 مقاطع فيديو يوميًا كجزء من حملة دولية لدعوة الزوار لزيارة المدينة.

وفيما يخص التمويل، أوضح قنواتي أن ميزانية الأعياد تعتمد على التبرعات والرعايات والدعم الرسمي، مشيرًا إلى أن الرئيس الفلسطيني يقدّم دعمًا يتراوح بين 50-70 ألف دولار، بينما يساهم مجلس الوزراء بـ 40 – 50 ألف دولار. أما القطاع الخاص فيشمل بنك فلسطين (50 ألف دولار تقريبًا) وشركة جوال (40–50 ألف دولار).

تجهيزات محدودة… وموسم يعتمد على زوار الداخل
تقول البلدية إنها اكتفت هذا العام بتزيين ساحة المهد وإضاءة الشجرة، مع رصد 100 ألف شيكل لتجهيز نظام الصوت، إضافة إلى دفع أجور 270 عاملًا وموظفًا يعملون خلال الموسم.
وعلى الرغم من محدودية الإمكانيات، تُظهر بيانات البلدية أن عدد زوار كنيسة المهد في نوفمبر بلغ 30,647 زائرًا، بينهم 5,688 من عرب الداخل وهي الفئة التي يعوّل عليها التجار والفنادق لتعويض جزء من الخسائر. كما سجّلت المحافظة 3,254 نزيلًا من الداخل في فنادقها خلال الشهر نفسه، وفق الأرقام التي قدمها قنواتي.
ولتفعيل الحركة التجارية، يقول قنواتي إن البلدية تعمّدت ترك مواقف السيارات على مسافة قصيرة من الكنيسة “لضمان مرور الزوار بالمحال التجارية”، في محاولة للتخفيف من خسائر القطاع السياحي التي قُدّرت بنحو 1.5 مليون دولار يوميًا خلال الحرب.

وزارة السياحة: تحسن نسبي… واستثمارات مستمرة رغم الأزمة
جريس قمصية، المتحدث باسم وزارة السياحة والآثار، يقول إن المؤشرات المتوفرة لدى الوزارة تشير إلى “تحسن نسبي” مقارنة بالعام الماضي. ويذكر قمصية أن نسبة الإشغال في الفنادق الفلسطينية ارتفعت في النصف الأول من 2025 إلى 20%، بعد أن كانت بين 3% و4% فقط في 2024.
ويتوقع قمصية أن تستقطب فعاليات عيد الميلاد هذا العام ما بين 80 – 100 ألف زائر، معظمهم من فلسطينيو الداخل، مشيرًا إلى أن الوزارة تشرف على الفعاليات بالتعاون مع البلدية والمحافظة والكنائس والمجموعات الكشفية.

وعلى الرغم من غياب مخصصات إضافية للوزارة بسبب الأزمة المالية، يؤكد قمصية أن استثمارات فندقية جديدة مستمرة منذ الحرب، تشمل 15 فندقًا قيد الإنشاء بطاقة 1,600 غرفة، وبرأس مال يُقدّر بنحو 85 مليون دولار.
ويشير كذلك إلى أن السياحة كانت تساهم عادة بما بين 10% و13% من دخل المدينة، وأن تراجع نسب الإشغال إلى أقل من 30% يخفض الدخل اليومي لبيت لحم من مليوني دولار إلى نحو 600 ألف دولار فقط.
غرفة التجارة: موسم بثلاث فرص وإيرادات يعوّل عليها التجار
سمير حزبون، رئيس غرفة تجارة وصناعة بيت لحم، يوضح أن المدينة تحتفل بثلاثة أعياد ميلادية وفق التقاويم المختلفة، ما يجعل الموسم التجاري ممتدًا لعدة أسابيع. ويشير إلى أن الطاقة الاستيعابية لفنادق المدينة — 78 فندقًا تضم نحو 6,000 غرفة — ما تزال تعمل بإشغال يتراوح بين 19% و23% للحجوزات الأجنبية، مع توقعات بأن يكون حضور عرب الداخل “هو الأعلى”.

ويقول حزبون إن المدينة تضم 60 محلًا للتحف و 156 مطعمًا إضافة إلى 6 بازارات موسمية، وأن 35% من إيرادات المحافظة خلال الموسم تأتي من زوار الداخل، وهي نسبة تفوق ما يحققه الزوار الأجانب (19–23%).
ويضيف أن تكلفة استيراد البضائع عبر الموانئ الإسرائيلية تفرض على التجار رسومًا إضافية تتراوح بين 4,000 و6,000 شيكل للحاوية الواحدة، مؤكدًا أن أي إغلاق للحواجز يمكن أن “يفقد المدينة موسمها التجاري بأكمله”.

ميدان مقيد بـ 143 حاجزًا… لكن الفنادق تحاول الصمود
الواقع الميداني لا يقل تعقيدًا: المحافظة محاطة بـ 143 حاجزًا وبوابة حديدية، ما يقيّد حركة المواطنين والزوار. ومع ذلك، بدأت بعض الفنادق بتسجيل نسب إشغال متقدمة. إلياس العرجا، نائب رئيس جمعية الفنادق ومالك فنادق “بيت لحم” و“المهد” و“أنجل”، يقول إن الفنادق واصلت العمل خلال الحرب رغم غياب الحجاج، مع تشغيل موظفين يعملون بالدوام الجزئي.

ويوضح أن تجهيزات الموسم هذا العام بلغت نحو 6,000 شيكل فقط، مقارنة بـ 20 ألف دولار في السنوات السابقة. ويؤكد العرجا أن نسب الإشغال تجاوزت 60% في 6–7 ديسمبر، وارتفعت إلى أكثر من 70% بين 23 و25 ديسمبر، لكنه يشدد على أن أي نسبة إشغال دون 30% ستؤدي إلى خسائر لفنادقه، التي يقدّر خسائرها خلال عام 2025 بحوالي 400 ألف شيكل، مع إمكانية تعويض 200 ألف شيكل فقط خلال موسم الأعياد.

في بيت ساحور: بازار بلا أرباح… ورسالة “أمل”
في بيت ساحور، يقول رائد الأطرش، صاحب فنادق سانت إلياس، إنه تم طرح فكرة إقامة بازار الميلاد في 20 نوفمبر فقط، ما دفعهم إلى تحضير المكان خلال فترة قصيرة.
البازار يضم 40 كشكًا، ويستضيف عروضًا فنية للأطفال وفرق موسيقية محلية. ووفق الأطرش، بلغت التكلفة الإجمالية للبازار نحو 60 ألف شيكل، “من دون أي هدف ربحي”، إذ إن الدخول مجاني والكشك يُستأجر بـ 1,000 شيكل فقط لأربعة أيام.

اقتصاد يحاول النهوض… خطوة بخطوة
تُظهر بيانات الوزارة أن خسائر الفنادق في الضفة الغربية نتيجة الحرب تُقدَّر بنحو نصف مليار دولار، وأن أربعة فنادق فقط من أصل 74 في بيت لحم بقيت تعمل خلال الحرب. ومع ذلك، فإن أرقام الموسم الحالي، خصوصًا حضور عرب الداخل، تشير إلى أن المدينة تشهد ما يشبه بداية تعافٍ تدريجي، ولو هشًا.
ورغم القيود والحواجز والأزمة المالية، يبدو أن بيت لحم تحاول أن تستعيد موسمها خطوة خطوة: شجرة مضاءة، بازارات متواضعة، حركة متزايدة في المحال التجارية، وفنادق بدأت غرفها تمتلئ بعد شهور طويلة من الركود، وهو ما تأمل بيت لحم أن يكون بداية تعافٍ بعد عامين من الحرب.
مقالات ذات صلة: “تنكة الزيت بـ1500 شيكل” : الجفاف والاحتلال يعكّران موسم الزيتون في بيت جالا












