“المواطنون العرب هم أهم محرك للاقتصاد الإسرائيلي، هذه حقيقة مُثبتة بالأرقام” تقول الباحثة الاقتصادية مريان تحاوخو، وتؤكد عشية انعقاد مؤتمر “التشغيل النوعي والمساواة في الفرص للشباب والشابات في المجتمع العربي” أنه بإمكان المواطن العربي مضاعفة مدخوله من العمل خلال عشر سنوات فقط إذا تبنت الحكومة سياسات تنموية اقتصادية صحيحة للمجتمع العربي.

يعمل مركز السياسات الاقتصادية للمجتمع العربي في إطار معهد أهرون للسياسات الاقتصادية في جامعة رايخمان. عمليا، يُعتبر هذا المركز المؤسسة البحثية الأكاديمية الرائدة التي تدرس وتبحث في السياسات الاقتصادية والمالية المتعلقة بالمجتمع العربي. على رأس هذا المركز تقف الدكتورة مريان تحاوخو، وهي من أهم الخبراء والباحثين في اقتصاد المجتمع العربي في إسرائيل. وتعتبر أبحاث وتوصيات المركز مرجعية موثوقة لصُناع القرار وللدوائر المهنية التي ترسم السياسات الاقتصادية والتنموية للمجتمع العربي.
وفي إطار مؤتمر “التشغيل النوعي والمساواة في الفرص للشباب والشابات في المجتمع العربي“، والذي يُعقد بالشراكة مع صندوق ياد هنديف سيعرض مركز السياسات الاقتصادية للمجتمع العربي ثلاثة أبحاث رئيسية تتعلق بسياسات التنمية والتطوير الخاصة بالسكان العرب في إسرائيل مع التركيز على جوانب التشغيل والتعليم لتحقيق المساواة في الفرص والاندماج النوعي في الاقتصاد الإسرائيلي بالنسبة للشباب والشابات العرب.
“دخل المواطن العربي ارتفع بالمعدل 4% سنوياً خلال عشر سنوات، وهي اعلى نسبة ارتفاع في الاقتصاد الإسرائيلي، لكن الفجوات لا تزال كبيرة” – مريان تحاوخو
في مقدمة هذه الأبحاث يأتي بحث جديد للباحثات د. مريان تحاوخو، د. طالي لاروم، وسبأ جبالي سرحان. أُنجز البحث بالتعاون مع قسم الميزانيات في وزارة المالية، سلطة التطوير الاقتصادي للمجتمع العربي، وزارة العمل، مجلس التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم. يرسم البحث الجديد صورة دقيقة لإمكانات النمو الاقتصادي الكامنة في المجتمع العربي، ويؤكد، بأدوات علمية، أن اتباع سياسات حكومية سليمة ومدروسة تجاه المواطنين العرب في البلاد يمكن أن تُساهم في رفع دخل الفرد العربي من العمل خلال عقد واحد فقط من مستوى 6450 شيكل (المعدل الحالي) إلى 11,400 شيكل حتى عام 2035. “كل هذا مشروط طبعا بقيام الحكومة والجهات المسؤولة بتنفيذ سياسات استثمار ذكية ومتكاملة في رأس المال البشري وفي مجالات أخرى مهمة مثل معالجة قضايا العنف والجريمة، شبكات المواصلات في البلدات العربية وغيرها من الأمور الجوهرية” تقول د. تحاوخو، “هذا شرط ضروري لتسريع النمو، وتعزيز المساواة في الفرص، وبناء اقتصاد قوي ومستدام”.
للمشاركة في المؤتمر اضغطوا هنا
اشرحي هذه المعطيات أكثر. ما القصد من “معدل الدخل من العمل”؟
ببساطة، عندما نقول إن معدل دخل الفرد العربي من العمل هو حوالي 6,500 شيكل، فنحن لا نقصد كم يتقاضى العامل العربي الذي يعمل فعليًا، ولا نتحدث عن متوسط الرواتب. المقصود هو صورة أوسع تشمل المجتمع كله.
هذا المعدل يحسب كم يدخل إلى المجتمع العربي من أموال من العمل، ثم يُقسَّم على جميع الأشخاص في سن العمل، أي من عمر 18 حتى 67 سنة، سواء كانوا يعملون أم لا. لذلك، هذا الرقم يتأثر بعدد كبير من الناس الذين لا يعملون، وخاصة النساء العربيات، وليس فقط بمستوى الأجور.
وعندما يقول البحث إنه يمكن رفع معدل الدخل من العمل إلى 11,400 شيكل حتى عام 2035، فهذا لا يعني فقط رفع الرواتب، بل يعني تشغيل عدد أكبر من المواطنين العرب، وخاصة النساء، ودمجهم في وظائف أفضل وأكثر إنتاجية. هذا هو التغيير الحقيقي الذي يتحدث عنه البحث، والذي يمكن أن يحسّن الوضع الاقتصادي للمجتمع العربي كله.

قبل أن نغوص أكثر في ورقة البحث الرئيسية التي سوف تُقدم في مؤتمركم القريب، من أي تنبع أهمية هذا المؤتمر؟
تأتي أهمية هذا المؤتمر بالنسبة للمجتمع العربي من كونه لا يكتفي بالحديث عن المشاكل والتحديات، بل يقدّم رؤية واضحة وعملية لما يجب أن تقوم به الدولة والجهات المختلفة في السنوات القادمة من أجل تطوير المجتمع العربي اقتصاديًا. المؤتمر يضع أهدافًا محددة حتى عام 2035 في مجالات التعليم، التأهيل المهني، التشغيل والأجور، ويرسم مسارًا واضحًا لحياة الشاب أو الشابة العرب، من المدرسة وحتى الاندماج النوعي في سوق العمل.
“هناك إمكانيات كبيرة للنمو في المجتمع العربي لم تُستغل بعد، ويوجد هامش واسع لتحقيق قفزة إضافية في الدخل والمشاركة الاقتصادية” – مريان تحاوخو
أهمية المؤتمر تنبع أيضًا من الإطار الذي يُعقد فيه، حيث يجمع تحت سقف واحد جميع الجهات المسؤولة عن تحويل هذه الأهداف إلى سياسات عملية على أرض الواقع، من ممثلي وزارة المالية ووزارة العمل وسلطة التطوير الاقتصادي، إلى رؤساء سلطات محلية وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني. هذا اللقاء يتيح نقاشًا مباشرًا حول ما هو مطلوب فعليًا لتحقيق الأهداف، وكيف يمكن الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
إلى جانب البحث الرئيسي، يتناول المؤتمر موضوعين أساسيين لا يقلان أهمية: الأطر الانتقالية بين التعليم وسوق العمل كأداة لتمكين الشباب والشابات العرب وتعزيز اندماجهم الاقتصادي، وتأثير البنى التحتية وسياسات المواصلات على فرص التشغيل النوعي. هذه القضايا تُناقش بشكل مهني وعملي، وبمشاركة ممثلي الحكومة والسلطات المحلية، بهدف ربط السياسات العامة بالواقع اليومي للمجتمع العربي.
في ملخص البحث تقولين بأن المواطنين العرب كانوا أهم محرك للنمو الاقتصادي الإسرائيلي ما بين السنوات 2012 حتى سنة 2022. ماذا يعني أن يكون المجتمع العربي “محرك نمو اقتصادي”؟
عندما نقول إن المجتمع العربي كان محركًا للنمو الاقتصادي، فنحن نقصد أن التحسّن في وضعه الاقتصادي ساهم فعليًا في نمو الاقتصاد الإسرائيلي كله، وليس فقط في رفع مستوى معيشة المواطنين العرب أنفسهم. بين عامي 2012 و2022 دخل عدد أكبر من المواطنين العرب إلى سوق التشغيل، وارتفعت مداخيلهم من العمل بوتيرة أسرع من باقي فئات المجتمع. الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن دخل المواطن العربي ارتفع بالمعدل 4% سنوياً خلال عشر سنوات، وهي اعلى نسبة ارتفاع في الاقتصاد الإسرائيلي مقارنة باليهود غير المتدينين (3%) واليهود الحريديم (2.3%).
لذلك، تحسّن وضع المجتمع العربي كان أحد العوامل التي حرّكت عجلة النمو ودعمت الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله، وهذه حقيقة مدعومة بالأرقام وليست شعارًا. يمكن القول بأن الأرباح الاقتصادية للدولة على الاستثمار في المجتمع العربي هي أعلى نسبة أرباح ممكن تخيلها في سياق الاستثمارات بعيدة المدى في المجتمع والسكان.

لكن مع ذلك البحث يؤكد بأن الفجوة بين مدخول المواطن العربي ومدخول المواطن اليهودي من العمل لا تزال فجوة كبيرة جدا.
صحيح، ورغم مساهمة المجتمع العربي في دفع النمو الاقتصادي، تشير معطيات البحث إلى أن فجوة الدخل من العمل ما زالت عميقة جدًا. اليوم، دخل الفرد العربي من العمل لا يتجاوز 44% من دخل الفرد في المجتمع اليهودي غير الحريدي. في عام 2024 معدل دخل المواطن العربي من العمل بلغ حوالي 6,500 شيكل، أما دخل المواطن اليهودي غير الحريدي فهو يقترب إلى مستوى 14,000 شيكل. هذا يعني أن المواطن العربي، في المعدل، يكسب أقل من نصف ما يكسبه المواطن اليهودي من العمل، رغم التحسّن الذي شهدناه في السنوات الأخيرة.
“إذا تم رفع نسبة تشغيل النساء العربيات، وتحسين جودة التعليم، وتوسيع التعليم الأكاديمي والتكنولوجي، ومعالجة تحديات العنف والجريمة، بالإمكان تحقيق تغيير حقيقي خلال فترة لا تتجاوز عشر سنوات.” – مريان تحاوخو
قبل أن نتحدث عن الفجوة، ما هي أسباب حدوث هذه القفزة في الدخل خلال العقد الأخير؟
القفزة التي شهدناها في دخل المجتمع العربي لم تحدث من فراغ. هي نتيجة سياسات حكومية واضحة طُبّقت خلال السنوات الماضية، هدفت إلى تشجيع العمل وزيادة التعليم، إلى جانب برامج لتطوير الاقتصاد في المجتمع العربي ضمن الخطط الخمسية الحكومية، وعلى رأسها خطة 922 و 550.
هذه السياسات شملت محفزات للخروج إلى سوق العمل، توسيع إمكانيات التعليم، واستثمارات في تطوير الاقتصاد المحلي. نتيجة لذلك، شهدنا ارتفاعًا في نسبة تشغيل النساء العربيات من جهة، ومن جهة أخرى تحسنًا في الأجور لدى النساء والرجال، وهو تحسّن مرتبط بشكل مباشر بارتفاع مستوى التعليم والمهارات.
وما هي أسباب استمرار الفجوة في الدخل بين العرب واليهود؟
السبب الرئيسي هو أن النمو بدأ من نقطة منخفضة جدًا. ارتفاع دخل العامل العربي بنسبة 4% في السنة بين عامي 2012 و2022 لم يكن كافيًا لتعويض فجوات تراكمت على مدى سنوات طويلة. أضف إلى ذلك أن نسبة تشغيل النساء العربيات لا تزال منخفضة بشكل كبير، وهو عامل مركزي يخفض دخل الأسر العربية. كما أن فجوات الأجور ورأس المال البشري واضحة، إذ يتركّز كثير من المواطنين العرب في وظائف ذات أجر أقل، مع وجود ضعيف للرجال العرب في المهن الأكاديمية والتكنولوجية الأعلى دخلًا.
بعبارة بسيطة، الأرقام تقول إن المجتمع العربي يتقدّم بالفعل، لكنه ما زال بعيدًا عن نقطة البداية التي انطلق منها الآخرون. لذلك، ورغم كونه محرّكًا مهمًا للنمو الاقتصادي، تبقى فجوة الدخل كبيرة، ولن تُغلق من دون سياسة شاملة تعالج التشغيل، التعليم، والأجور معًا، وليس كل مجال على حدة.
وفي الوقت نفسه، من المهم النظر إلى نصف “الكأس المليان”. فالمعطيات تُظهر أن هناك إمكانيات كبيرة للنمو لم تُستغل بعد، وأن المجتمع العربي ما زال يملك هامشًا واسعًا لتحقيق قفزة إضافية في الدخل والمشاركة الاقتصادية.
وفي هذا البحث تقدّمين أنتِ وزميلتاكِ نموذجا لهذه السياسة الشاملة؟
البحث يُظهر أنه إذا تم التعامل مع جذور الفجوة بشكل متكامل — أي رفع نسبة تشغيل النساء العربيات، تحسين جودة التعليم، توسيع التعليم الأكاديمي والتكنولوجي، وربط التأهيل بسوق العمل ومعالجة التحديات الوجودية التي تهدد المجتمع العربي وعلى رأسها العنف والجريمة، فإن بالإمكان تحقيق تغيير حقيقي خلال فترة لا تتجاوز عشر سنوات.
وفق معطيات البحث، تبنّي سياسات حكومية مدروسة يمكن أن يرفع متوسط دخل المواطن العربي من العمل من نحو 6,500 شيكل اليوم إلى أكثر من 11,400 شيكل بحلول عام 2035، ويقلّص الفجوة مع المجتمع اليهودي غير الحريدي بشكل ملموس. الرسالة الأساسية للبحث هي أن الفجوة الحالية ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات وسياسات، ويمكن تغييرها إذا توفّرت الإرادة والتخطيط طويل المدى.
ما هي الأهداف التي يجب وضعها وتحديدها لتحقيق هذه القفزة في معدل دخل المواطن العربي من العمل؟
البحث يقول إن رفع دخل المواطن العربي من العمل يحتاج إلى أهداف واضحة ومحددة بالأرقام. أولًا، في مجال التشغيل، الهدف هو رفع نسبة تشغيل الرجال العرب في جيل 25–44 بنحو 4% لتصل إلى 83% بحلول عام 2035، ورفع نسبة تشغيل النساء العربيات بشكل أكبر لتصل إلى 72%.
ثانيًا، هناك هدف واضح لرفع مستوى الأجور نفسها، بمعدل يقارب 4% سنويًا، ليس فقط عبر العمل أكثر، بل من خلال تغيير نوعية الوظائف. المقصود هو زيادة عدد الرجال العرب في المهن الأكاديمية والتكنولوجية، وفي المقابل توسيع اندماج النساء العربيات في مهن أكاديمية ذات عائد مرتفع، وليس حصرهن في مجالات تقليدية منخفضة الأجر نسبيًا مثل العمل في جهاز التعليم. هذا التغيير في توزيع المهن هو عنصر أساسي لرفع الأجور وتحقيق تحسّن حقيقي ومستدام في الدخل.
وثالثًا، الاستثمار في التعليم منذ مراحل مبكرة: رفع نسب البجروت، توسيع التعليم الأكاديمي والتكنولوجي، وتعزيز التأهيل المهني المرتبط بسوق العمل. الفكرة ببساطة هي أن هذه الأهداف، إذا طُبّقت معًا وبشكل متواصل، يمكن أن تُحدث قفزة حقيقية في الدخل خلال عشر سنوات فقط.
بالإضافة إلى كل ذلك يؤكد البحث أن الاستثمار لا يمكن أن يقتصر على رأس المال البشري فقط. فهناك حاجة إلى استثمارات أساسية تشمل معالجة قضايا العنف والجريمة، تحسين المواصلات وإتاحة الوصول إلى أماكن العمل، تطوير المدن والبلدات العربية، وتعزيز سياسات التنويع والدمج، إضافة إلى تشجيع ريادة الأعمال. هذه العناصر مجتمعة تشكّل البيئة الضرورية لتمكين المجتمع العربي من تحقيق كامل إمكانياته الاقتصادية.
وهذا كله يتطلب بالأساس وجود إرادة سياسية على مستوى الحكومة تؤمن بأهمية وجدوى الاستثمار في المجتمع العربي.
طبعاً. ما يطرحه البحث هو الحاجة إلى سياسة معاكسة تمامًا لما نشهده في العامين–الثلاثة الأخيرة: سياسة تقوم على التخطيط طويل الأمد، والاستثمار الذكي والمتواصل، وتعزيز الشراكة بين المجتمعين العربي واليهودي بدل تقليص الميزانيات والتضييق وتجاهل الإمكانيات الكامنة في هذا المجتمع.
للمشاركة في المؤتمر اضغطوا هنا












