
أعاد استبعاد مغني الراب الأمريكي ماكلمور -المناصر للقضية الفلسطينية- من الجولة الأمريكية للمغني البريطاني إد شيران تسليط الضوء على روبرت كرافت، الملياردير الأمريكي اليهودي ومالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس وملعب جيليت في ماساتشوستس، وعلى شبكة النفوذ التي بناها طوال عقود في الرياضة وعالم الأعمال والسياسة، إلى جانب استثماراته وعلاقاته الوثيقة بإسرائيل.
كرافت، البالغ 85 عامًا، تُقدَّر ثروته بـ15.2 مليار دولار بحسب فوربس. وقد اشترى فريق نيو إنغلاند باتريوتس عام 1994 مقابل 172 مليون دولار، وتبلغ قيمة الفريق اليوم 10.6 مليار دولار. ولا يقتصر نشاطه على كرة القدم الأمريكية، إذ تشمل ممتلكاته أيضًا ملعب جيليت، ونادي نيو إنغلاند ريفولوشن لكرة القدم، ومشروع Patriot Place التجاري والترفيهي، إضافة إلى شركات تعمل في تجارة الورق ومواد التغليف، واستثمارات في العقارات والفنادق ومشاريع خاصة أخرى.
برز اسمه مؤخرًا، بعدما أعلن رفضه مشاركة ماكلمور في حفل إد شيران المقرر في ملعب جيليت. وشارك ماكلمور -المناصر الشغوف للقضية الفلسطينية- في جولة إد شيران الأمريكية، وخلال إحدى حفلاتها في ملعب ميتلايف في نيوجيرسي أعلن دعمه لفلسطين وقال أمام الجمهور: «فلسطين حرة» Free Palestine، ثم أدى أغنية «Hind’s Hall» المخصصة للمتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في جامعة كولومبيا، وخلفه على الشاشة عُرضت صور للدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.
وفي الليلة التالية، خاطب ماكلمور الجمهور اليهودي مباشرة، وقال إن انتقاد إسرائيل ووصف سياساتها بالفصل العنصري والاعتراض على لإبادة الجماعية لا يعني انتقاد اليهود. وأضاف أنه يريد أن يعرف الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية أنهم غير منسيين.
أثارت تصريحات ماكلمور أثناء حفلاته انتقادات من منظمات مؤيدة لإسرائيل. وأطلق المجلس الإسرائيلي الأمريكي عريضة تطالب باستبعاده من الجولة، كما اتهمته جهات أخرى بتحويل الحفل إلى منصة سياسية. وبعد أيام، أعلن ماكلمور أنه تم إقصاؤه من بقية الجولة، وقال إن روبرت كرافت قاد حملة لمنعه من المشاركة في ملاعب أخرى.

وأكد كرافت أنه رفض السماح لماكلمور بالغناء في ملعب جيليت، واتهمه بأن لديه «تاريخ واسع من الخطاب المعادي للسامية». وقال إن الملعب لن يوفر منصة لما وصفه بخطاب الكراهية، مضيفًا أن عرض معلومات عن الحرب في غزة “من دون التطرق إلى أفعال حماس” لا يؤدي، بحسب رأيه، إلا إلى “تعميق الانقسام والكراهية”.
لكن كرافت لم يرد على اتهام ماكلمور بأنه ضغط على ملاعب أخرى لمنعه من المشاركة في الجولة. وقالت شركة Messina Touring Group، المنظمة للجولة، إنها أُبلغت من عدد من أماكن إقامة الحفلات بأنها لن تسمح لماكلمور بالأداء، وإن استمرار مشاركته كان قد يؤدي إلى إلغاء الجولة والتأثير في مئات الآلاف من الحضور.
وأوضح إد شيران أن قرار استبعاد ماكلمور لم يكن قراره الشخصي، بل قرار الجهة المنظمة. وقال إنه حاول التحدث مع مسؤولي الملاعب طوال أسبوع للوصول إلى حل، لكنه اختار عدم إلغاء الجولة حتى لا يتضرر الجمهور وطاقم العمل والفنانون الذين يعتمدون عليها في عملهم. وأضاف أنه لا يستخدم منصته المهنية عادة للتعبير السياسي، رغم امتلاكه آراء شخصية بشأن الحرب. وفي سياق مواز، تعرض شيران لحملة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث باتت جميع منشوراته تعج بتعليقات مناصرة لفلسطين.
وأدى استبعاد ماكلمور إلى انسحاب بقية الفنانين المشاركين في الجولة. فقد أعلن فينياس أوكونيل، شقيق المغنية بيلي آيليش، انسحابه، وقال إنه يجب عدم إسكات الفنانين عندما يتحدثوا دفاعًا عن المضطهدين. كما انسحب المغني الأيرلندي آرون رو، والفرقة الدنماركية لوكاس غراهام، وفرقة الفولك الأيرلندية بيوغا. وقالت فرقة بيوغا إن العزف في أماكن «تُسكِت من يدافع عن فلسطين حرة» ليس خيارًا بالنسبة إليها. وقال لوكاس غراهام إن المال لا يمنح صاحبه الحق في التحكم في النقاش العام، وإن حجم الحساب البنكي لا ينبغي أن يحدد من يُسمح له بالكلام أو أي معاناة يُسمح بالاعتراف بها.
وأعلن ماكلمور أمس الأربعاء في منشور على موقع “إكس” تبرعه بمليون دولار من الدخل الذي حقّقه من جولته مع إد شيران لمؤسسات إغاثية فلسطينية، داعيًا كرافت إلى اتخاذ الخطوة ذاتها. وقال في منشوره: “إلى جانب ما حدث خلال الـ48 ساعة الماضية، أريد أن أعيد القضية إلى النقطة التي بدأت منها. لا يزال الفلسطينيون يُقتلون، ولا يزالون يعيشون تحت الاحتلال ويكافحون من أجل حريتهم”. وتابع: “بغض النظر عن أي شيء نختلف عليه، يمكننا أن نتفق على أن حياة الفلسطينيين تستحق الحماية. حياة الفلسطيني ليست أقل قيمة من حياة أي شخص آخر في هذا العالم”.
من دعم إسرائيل إلى الفضائح الجنسية: سيرة روبرت كرافت
بدأ روبرت كرافت مسيرته المهنية في شركة لتصنيع مواد التغليف كان يملكها والد زوجته. فبعد تخرجه من جامعة كولومبيا وحصوله على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد، عمل في الشركة. وفي عام 1968، اشترى نصف الشركة بأموال اقترضها لتمويل الصفقة، ثم اشترى الحصة المتبقية وأصبح المالك الكامل للشركة عام 1972. وفي ذات العام، أسس شركة International Forest Products المتخصصة في تجارة الورق ومنتجاته، والتي أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من مجموعة Kraft Group.
واشترى كرافت فريق نيو إنغلاند باتريوتس بعد سلسلة من الصفقات المرتبطة بملعب الفريق والأراضي المحيطة به. ففي عام 1985،حصل كرافت على حق شراء الأراضي المحيطة بملعب فريق نيو إنغلاند باتريوتس في فوكسبره، ثم اشترى الملعب نفسه عام 1988 مقابل 25 مليون دولار بعد إفلاس مالكه. وشملت الصفقة عقد إيجار يُلزم فريق نيو إنغلاند باتريوتس بمواصلة اللعب في الملعب حتى 2001.
وعندما حاول مالك الفريق آنذاك جيمس أورثوين نقل الفريق إلى سانت لويس، رفض كرافت إنهاء عقد الإيجار، ثم اشترى الفريق في 1994 مقابل 172 مليون دولار، وهو مبلغ كان حينها رقمًا قياسيًا لشراء فريق رياضي محترف في الولايات المتحدة.
ويمتد نفوذ كرافت إلى إسرائيل بشكل مباشر. فقد موّلت عائلته منشآت وبرامج لتطوير كرة القدم الأمريكية في إسرائيل، ومن أبرزها Kraft Family Sports Campus في القدس، الذي افتتح عام 2017 ويضم أول ملعب في إسرائيل مطابق للمقاييس الرسمية لكرة القدم الأمريكية.
كما دعم كرافت قطاع الهايتك الإسرائيلي من خلال برنامج MassChallenge وMassChallenge Israel منذ 2014، وقدّم أكثر من 1.2 مليون دولار لبرامج دعم الشركات الناشئة. وتأتي هذه الاستثمارات إلى جانب نشاطه الأوسع في مؤسسات ومبادرات يهودية وإسرائيلية وحملاته التي يقول إنها تهدف إلى مكافحة معاداة السامية.

ويمتلك كرافت أيضًا نادي نيو إنغلاند ريفولوشن الذي أسّسه عام 1995، وكان من بين الأندية العشرة التي شاركت في الموسم الأول للدوري الأمريكي لكرة القدم MLS عام 1996. وتقدر فوربس قيمته بـ540 مليون دولار. وتشمل مجموعته كذلك عقارات تجارية وفنادق وعقارات سكنية واستثمارات خاصة تتجاوز قيمتها مليار دولار.
وعلى الصعيد السياسي، بنى كرافت علاقات مع شخصيات نافذة في الولايات المتحدة، ومن بينها الرئيس دونالد ترامب، رغم أن علاقتهما مرت بفترات من الفتور. ويُعد كرافت من أكثر مالكي الفرق الرياضية الأمريكية ارتباطًا بالدوائر السياسية والاقتصادية المؤثرة.
وشهدت حياة كرافت أيضًا فضيحة أثارت جدلًا واسعًا. ففي عام 2019، وُجهت إلى كرافت في فلوريدا تهمتان تتعلقان بطلب خدمات جنسية، بعدما صورته الشرطة بكاميرات سرية داخل غرفة في مركز للتدليك بمدينة جوبيتر. ونفى كرافت التهم الموجهة إليه. وفي العام التالي، قضت محكمة استئناف بأن الشرطة انتهكت حق كرافت في الخصوصية عندما ركبت الكاميرات، ولذلك رفضت المحكمة استخدام التسجيلات كأدلة، وأسفر عن ذلك إسقاط التهم.
تزوج كرافت من ميرا هيات عام 1963 وأنجبا أربعة أبناء، بينهم جوناثان كرافت، الذي يشغل اليوم منصب رئيس مجموعة Kraft Group. وتوفيت ميرا عام 2011 بعد إصابتها بالسرطان. وفي 2022، تزوج كرافت، وكان عمره 81 عامًا، من طبيبة العيون دانا بلومبرغ في نيويورك، وشارك في حفل الزفاف عدد من الفنانين، بينهم إلتون جون وجون بون جوفي وإد شيران.
وتوضح قضية ماكلمور كيف أصبح نفوذ كرافت، الذي بدأ من شركات الورق والتغليف ثم توسع إلى ملكية فريق رياضي وملعب ضخم واستثمارات متعددة، يمتد اليوم إلى مجالات الرياضة والترفيه والسياسة والنقاش العام المتعلق بإسرائيل وفلسطين. وفي المقابل، أثار استبعاد ماكلمور وانسحاب الفنانين الآخرين نقاشًا حول قدرة أصحاب الملاعب والممولين وأصحاب الثروات الكبيرة على التأثير في المساحة المتاحة للفنانين للتعبير عن مواقفهم الإنسانية من الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.











