دون أن تُدرك، زرعت خضرة عنبوسي بذرة العطاء والمبادرة الاجتماعية في روحها وهي طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة. مشوارها المهني في عالم التسويق اخذها بعيدا عن المسار التأثير الاجتماعي، لكن هذه البذرة كانت تنمو داخلها حتى تحولت إلى شغف قادها إلى تغيير مسارها المهني والانتقال للعمل المجتمعي الذي طالما طمحت اليه.
في السنة الأخيرة، اتخذت قرارًا مهنيًا بدا لمن حولي للوهلة الأولى، غريبًا بعض الشيء. فبعد خمس سنوات من العمل في مجال الإعلان والتسويق، قررت أن أنتقل إلى العمل في مجال الريادة الاجتماعية والمجتمع المدني، وأن أنضم إلى “قدرة – شبكة المتبرعين العرب كمديرة للمشاريع”.
بالنسبة لمن ينظر إلى المسارين من الخارج، قد يبدو الانتقال أشبه بمنعطف حاد، من عالم الشركات في القطاع الخاص، الحملات الإعلانية، العلامات التجارية والمنافسة الشرسة، إلى عالم القطاع الثالث، الأثر الاجتماعي، العطاء والمبادرات المجتمعية.
لكن كلما تأملتُ في الموضوع أكثر، شعرت أنه لم يكن انتقالًا بقدر ما كان عودة إلى شيء عهدته في داخلي منذ وقت طويل.

الدراسة خريجة لقب أول في الاتصال، بتخصص تسويق وعلاقات عامة، من جامعة تل أبيب.
العمل مديرة مشاريع في قُدرة – شبكة المتبرعين العرب، عضو في مشبك والطاقم القيادي. متخصصة في إدارة المشاريع، بناء الشراكات وتطوير برامج ومبادرات ذات أثر اجتماعي. لدي أيضًا خبرة في العمل في مكاتب التسويق والإعلان، وفي حملات إعلانية محلية وعالمية.
في هذا السياق، أستعيد قصةً حدثت في صيف عام 2008، عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. تذمرت يومها لوالدي خلال العطلة الصيفية لشعوري بالملل. فحاول أن يغيّر وجهة نظري وقال لي يومها أنني محظوظة، فهناك أطفال لا يستطيعون الاستمتاع بعطلتهم كما أفعل أنا؛ أطفال لا يذهبون إلى مخيم صيفي، ولا يسافرون مع عائلاتهم، ولا يملكون ببساطة ما اعتبرته أنا وقتها أمرًا عاديا.
سألته: من هم هؤلاء الأطفال؟ فأجابني أن هناك أطفالًا في المستشفيات الآن، وأن مرضهم يمنعهم من أن يعيشوا العطلة بالطريقة التي أعيشها.
لم تمر الجملة عليَّ مرور الكرام. وبعد تفكير قلت له أنني أريد أن أفعل شيئًا حيال ذلك، كأن أشتري لهم هدايا وألعابًا تواسيهم في محنتهم. كانت لدي رغبة كبيرة في المساعدة، لكن مدخراتي التي جمعتها بعناء من مصروفي الشخصي لم تكن تكفي لتحقيقها. فأكمل والدي المبلغ، وتواصل مع مستشفى هيلل يافي في الخضيرة ورتّب لنا زيارة إلى قسم الأطفال. ذهبت يومها مع أخواتي وبنات عمومتي، وحملنا الهدايا ووزعناها على الأطفال في القسم.
عندما أستحضر تلك التجربة اليوم، بعد سنوات طويلة، أرى فيها معنى آخر أيضًا. كانت لديّ الفكرة والنية، لكنني لم أكن أملك وحدي الأدوات لتحقيقها. كان معي أبي، الذي ساعدني على تحويل الرغبة إلى فعل ووجهني في أن ترى هذه المبادرة النور. وكانت معي أخواتي وبنات عمومتي، فتحول ما كان يمكن أن يكون مبادرة فردية صغيرة إلى تجربة جماعية، أكبر وأوسع أثرًا. ربما كانت تلك، دون أن أعرف، أول تجربة لي فيما يُسمى اليوم “العطاء المُنظّم”.

بعد سنوات، وجدت نفسي في عالم الإعلان والتسويق. خلال أكثر من خمس سنوات، عملت على عدد كبير من الحملات، مع علامات تجارية مختلفة محليّة وعالميّة، بدأت مسيرتي في حيفا في مكتب مختص في التسويق للمجتمع العربي، ثم الى تل أبيب في واحدة من أكبر وكالة الإعلان في البلاد والعالم، وترقيت لإدارة طاقم في قسم إدارة ملفات الزبائن. تعلمت خلال تلك المسيرة الكثير عن العمل مع كُبرى العلامات التجارية في السوق، إدارة الحملات، كيفية بناء فكرة وتحويلها إلى قصة، والوصول بها إلى الناس.
لكن وسط كل ذلك، كانت هناك حملات تثير شغفي وفضولي أكثر من غيرها، تلك الحملات التي لم يكن هدفها بيع منتج فقط، بل كان بإمكانها أن تحقق أثرًا اجتماعيًا حقيقيًا. ذلك ما يعرف في عالم التسويق بحملات الأثر والمسؤولية المجتمعية (Impact). كنت أجد نفسي دائمًا أكثر ارتباطًا بالمشاريع التي تضع قوة الاتصال والتسويق في خدمة قضية أكبر. ربما لأنني كنت أبحث، دون أن أدرك، عن المساحة التي يمكن أن تلتقي فيها المهارات التي أجيدها مع الأفكار التي أؤمن بها. وعندما سنحت الفرصة، وجدت أن خطوتي المهنية التالية ستكون في عالم الريادة الاجتماعية مع شبكة قُدرة.
بعد نصف سنة، أستطيع القول أن هذه النقلة تبدو لي اليوم طبيعية أكثر مما بدت في البداية. فأنا لم أتخلَّ عن خبرتي السابقة، بل أوظفها اليوم في سياق مختلف، لخدمة قضايا مجتمعية تمسنا جميعًا. واليوم كمديرة مشاريع في شبكة قُدرة فخورة بأن أتيحت لي الفرصة لإطلاق مشروع جديد “دائرة العطاء”، أؤمن أنه سيصنع تغييرًا حقيقيًا.

دائرة العطاء هي فكرة بسيطة في جوهرها، لكنها تحمل قوة كبيرة: أن نجمع أشخاصًا من مجتمعنا ممن يؤمنون بالعطاء، ونحوّل عطائهم الفردي إلى قوة جماعية، منظّمة ومستدامة. هذا النموذج موجود في العالم ونجحت مجتمعات مختلفة من استغلاله لبناء ودعم مشاريع مجتمعية فعّالة. وعلى خلاف التمويل الجماعي، لا تقوم الفكرة على حملة تبرّع موسمية أو لمرة واحدة، بل بممارسة عطاء بشكل بنّاء ومستدام. في دائرة العطاء يبدأ كل عضو بمساهمة شهرية ثابتة، ومع انضمام العشرات والمئات الى هذه الدائرة، يصبح بإمكاننا دعم فرص وأهداف لم يكن بإمكان الفرد الواحد تحقيقها وحده وتلبية احتياجات مجتمعية ملحة بأدوات حديثة، عصرية ومستدامة.
“دائرة العطاء” ليست ثقافة جديدة نأتي بها إلى مجتمعنا، على العكس تمامًا، فالعطاء هو موروث متجذر في ثقافتنا. نحن نعرفه في بيوتنا، في حاراتنا، وفي الطريقة التي اعتدنا فيها أن نقف جنبًا الى جنب. نعرف معنى أن يساعد القريب قريبه، وأن تتكاتف العائلات والجيران والأصدقاء عند الحاجة. ما نحاول فعله اليوم ليس اختراع ثقافة جديدة للعطاء، بل إعطاء هذه الثقافة منصة جديدة. منصة تنظّم العطاء، تجمعه رقميًا بسهولة وبصورة آمنة، وتديره بشفافية ومهنية لتجعله أكثر استدامة، لتتيح لنا بأن نرى حجم القوة التي يمكن أن نصنعها عندما نتبرع معًا.
واليوم، عندما أعود إلى تلك المُبادِرة الصغيرة التي لم تتجاوز الثلاثة عشر عامًا، أبتسم. لم تكن تعرف شيئًا عن الريادة الاجتماعية أو العطاء المنظم، لم تكن تعرف شيئًا عن التسويق أو إدارة المشاريع. لكنها عرفت شيئًا واحدًا، أن هناك من يملك أكثر، وهناك من يحتاج أكثر، وأن بإمكاننا أن نفعل شيئًا حيال ذلك. والآن أدرك جيدًا أن العطاء الفردي مبارك، لكن عندما ننظّمه ونجمعه، يتحول الى أحد أعمدة المجتمع المتكاتف.
وربما لهذا السبب، لم أشعر أنني غيّرت مساري المهني، بل عدت إلى فكرة بدأت معي في مقتبل العمر، ثم أخذت طريقًا طويلًا عبر عالم الإعلان والتسويق، حتى وجدت أخيرًا المكان الذي يمكنني فيه أن أضع خبرتي، وأفكاري، وشغفي، في خدمة شيء أؤمن به.
خضرة عنبوسي، مديرة مشاريع في “قُدرة – شبكة المتبرعين العرب”، متخصصة في إدارة المشاريع، بناء الشراكات وتطوير برامج ومبادرات ذات أثر اجتماعي. عضو في مشبك.










