
يصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن في وقت تحقق فيه الصين تقدّمًا كبيرًا في الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك يتزامن مع تدهور اقتصادي يُعد من الأسوأ منذ عقود. ويحذّر اقتصاديون صينيون، بينهم مستشارون سابقون للبنك المركزي الصيني ومقرّبون من دوائر الحكم، من أن بكين توجّه موارد ضخمة إلى الذكاء الاصطناعي بينما يعاني اقتصادها ضعفًا في الاستهلاك وارتفاع بطالة الشباب واستمرار أزمة العقارات والانكماش في الأسعار.
بلغت بطالة الشباب، باستثناء الطلاب، 18.9% في أغسطس 2026. وفي النصف الأول من السنة انخفضت مبيعات السيارات في الصين 20% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، كما تراجعت مبيعات المنازل 14%، استمرارًا للتراجع الذي يشهده سوق العقارات منذ سنوات. كما تشهد الصين انكماشًا في الأسعار (أي انخفاضًا كبيرًا ومستمرًا في الأسعار)، في ظل ضعف الطلب المحلي، ما يضغط على أرباح الشركات ويدفعها إلى خفض استثماراتها وأعداد موظفيها.
وخلال الصيف تصاعدت التحذيرات الصينية من تدهور الوضع الاقتصادي، ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن لي داوكوي، المستشار السابق للبنك المركزي الصيني والأستاذ في جامعة تسينغهوا، في يوليو إن الاقتصاد الصيني «يبرد أكثر من اللازم». واقترح ليو شيجين، وهو مستشار سابق آخر للبنك المركزي، رفع معاش التقاعد الأساسي في المناطق الريفية من 30 دولارًا إلى 150 دولارًا شهريًا بهدف زيادة قدرة السكان على الإنفاق وتحفيز الاستهلاك. وقال هوانغ هايتشو، المستشار في البنك المركزي، إن على الحكومة أولًا العمل على رفع الأسعار بوتيرة معتدلة وتحسين أرباح الشركات، قبل أن تتمكن من تحقيق تطور تكنولوجي مستدام. وأضاف أن الاقتصاد الذي يعاني انخفاضًا مستمرًا في الأسعار لا يستطيع أن يوفّر بيئة مناسبة للابتكار التكنولوجي.
ولا توجد أرقام دقيقة توضح حجم الإنفاق الحكومي الصيني على الذكاء الاصطناعي، لكن تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد قدّر استثمارات الصناديق الحكومية الصينية في شركات الذكاء الاصطناعي بين 2000 و2023 بـ184 مليار دولار. وفي 2025، أوصى الرئيس الصيني حكومته إلى دعم هذا القطاع عبر الإعفاءات الضريبية والعقود الحكومية والتمويل وبناء البنية التحتية المناسبة لتسريع تطوير القطاع. كما تخطط الصين، بحسب بلومبرغ، لاستثمار 295 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة في بناء مراكز بيانات تديرها شركات مملوكة للدولة.
وجاءت تحذيرات الاقتصاديين الصينيين قبل اجتماع المكتب السياسي للحزب الشيوعي لمراجعة السياسة الاقتصادية في يوليو، وهو أعلى هيئة قيادية في الحزب. وجاءت هذه التحذيرات رغم أن بعض الاقتصاديين تلقوا أوامر حكومية بعدم المبالغة في التشاؤم، وتعرّض آخرون للرقابة أو مُنعوا من التعبير عن آرائهم. وبعد انتهاء الاجتماع في 30 يوليو، أقرّ الحزب بأن الاقتصاد يحتاج إلى دعم إضافي، لكنه لم يعلن تغييرًا كبيرًا في سياسته، واكتفى بمواصلة إجراءات تحفيز تدريجية والتعهّد بتطوير ما سماه «اقتصادًا ذكيًا جديدًا»، كما لم تعلن وسائل الإعلام الرسمية هدفًا محددًا للنمو الاقتصادي، خلافًا لما كان متبعًا في السابق.
وتظهر أزمة الاقتصاد الصيني أيضًا في الاستثمارات. فقد انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة، بما يشمل البنية التحتية والعقارات والمعدات، بنسبة 4.1% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026. وقال لي داوكوي لصحيفة نيويورك تايمز إن انكماشًا مشابهًا وقع فقط في فترات استثنائية من تاريخ الصين الحديث، بينها عام 1961 خلال المجاعة الكبرى وعام 1967 خلال الثورة الثقافية، إضافة إلى 1989 بعد أحداث ميدان تيانانمن.
في المقابل، يتبنى شي جين بينغ -بحسب الصحيفة- معيارًا مختلفًا لقياس نجاح الاقتصاد. ففي خطاب ألقاه في مارس قال إن تقييم التقدم لا ينبغي أن يعتمد فقط على نمو الناتج المحلي الإجمالي، بل أيضًا على نمو «القوة الصلبة» للصين وتطوير الصناعات المتقدمة. وبحسب هذا التصور، لا يشكل تباطؤ النمو بالضرورة فشلًا إذا استمرت البلاد في تحقيق تقدم تكنولوجي وصناعي.
ولهذا تفضّل القيادة الصينية ضخ الأموال في التكنولوجيا بدل توجيهها مباشرة إلى الأسر من خلال تحويلات نقدية أو قسائم شراء أو توسيع شبكة الأمان الاجتماعي، وهي إجراءات اقترحها اقتصاديون لزيادة الاستهلاك. ويراهن شي على أن الاستثمار الحكومي في التكنولوجيا سيؤدي إلى تحديث الصناعات التقليدية ويخلق قيمة اقتصادية في المستقبل، رغم أن تحقيق هذه النتائج قد يستغرق سنوات وقد لا يتحقق بالكامل.
وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الصين تجاهل سباق الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة، وتواصل توسيع استثماراتها في قطاعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن سعيها لمنافسة الولايات المتحدة تكنولوجيًا. ففي النصف الأول من 2026 ارتفعت الاستثمارات في قطاع خدمات المعلومات في الصين 19.2%، وتقول هيئة الإحصاء الصينية إن هذا القطاع يستفيد من التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي. وترى القيادة الصينية أن تطوير هذه التكنولوجيا يمكن أن يعزز الصناعات الأخرى ويدعم موقع البلاد في المنافسة مع الولايات المتحدة.
لكن الاقتصادي الصيني شو تشنغغانغ، من جامعة ستانفورد، يحذّر في حديثه مع الصحيفة من الكلفة الاقتصادية لهذا الخيار. فبفضل سيطرة الدولة على النظام البنكي، تستطيع الحكومة الصينية توجيه جزء كبير من أموال البنوك والإنفاق الحكومي إلى القطاعات التي تختارها. ويرى شو أن تخصيص مبالغ كبيرة لتمويل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعني أن أموالًا أقل ستُستثمر في دعم الاقتصاد بشكل مباشر، مثل خلق وظائف، وزيادة دخل الأسر، وتحفيز الاستهلاك.
ويرى شو أن حكومات كثيرة كانت ستلجأ في مواجهة أزمات اقتصادية مماثلة إلى زيادة الإنفاق على خلق وظائف ودعم دخل الأسر، لأن خلق وظائف أكثر يعني زيادة دخل الموطانين وإنفاقهم، وهو ما يساعد الشركات على البيع وتحقيق أرباح. أما الصين، فتوجّه جزءًا كبيرًا من مواردها إلى الذكاء الاصطناعي، رغم أن هذه التكنولوجيا قد تقلل الحاجة إلى العمال في بعض القطاعات وتزيد البطالة. ويحذّر شو أيضًا من أن تمويل شركات الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده، لأن نجاحها يعتمد في النهاية على وجود زبائن يملكون المال لشراء منتجاتها وخدماتها.
ويحذر عالم الاجتماع الصيني سون ليبينغ في حديثه مع الصحيفة من مشكلة أعمق تتعلق بضعف الطلب. واستشهد بتجربة الاتحاد السوفييتي، الذي بلغت قوة اقتصاده في ذروتها 70% من الاقتصاد الأميركي وتفوق في بعض مجالات العلوم والتكنولوجيا، لكنه انهار لاحقًا رغم تلك الإنجازات. وبحسب سون، تستطيع الصين إنتاج كميات كبيرة من السلع المتطورة، لكن المشكلة هي وجود من يستطيع شراء هذه السلع داخل البلاد. فإذا لم يكن هناك طلب كافٍ، لن تحقق الشركات أرباحًا، ولن يرتفع دخل الأسر، ولن تتحسن نسبة التشغيل. وهذه، في رأيه، هي المشكلة الأساسية التي يواجهها الاقتصاد الصيني حاليًا: دولة تبالغ في الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة المتقدمة، لكن استهلاك مواطنيها ونسب التوظيف ودخل الأسر أضعف من أن يوفروا قاعدة قوية ومستدامة للنمو.











