“ضربتين على الرأس”: إغلاق باب المندب يهدد بشل التجارة العالمية ورفع أسعار الطاقة والشحن

الثلاثاء, يوليو 21, 2026 15:54
/
/
“ضربتين على الرأس”: إغلاق باب المندب يهدد بشل التجارة العالمية ورفع أسعار الطاقة والشحن

“ضربتين على الرأس”: إغلاق باب المندب يهدد بشل التجارة العالمية ورفع أسعار الطاقة والشحن

أيقون موقع وصلة Wasla
باب المندب
مضيق باب المندب، الصورة: ويكيميديا

 

أعادت التطورات الأخيرة مخاوف إغلاق مضيق باب المندب إلى الواجهة، وشملت هذه التطورات استهداف وزارة الدفاع اليمنية مدرج مطار صنعاء، الذي يسيطر عليه الحوثيون، لمنع هبوط طائرة إيرانية، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري على إيران يمنع سفنها وسفن حلفائها من استخدام مضيق هرمز، بعد انهيار وقف إطلاق النار بين الطرفين، إضافة إلى تجدد الهمجات المتبادلة بين الطرفين واحتمالية التصعيد أكثر في الأيام القادمة. وتثير هذه التطورات مخاوف من امتداد تعطيل الملاحة من مضيق هرمز إلى باب المندب، الذي سبق أن هددت إيران وجماعة الحوثيين بإغلاقه في أبريل الماضي.

ويُعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ومنه إلى قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. ويفصل المضيق بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة 30 كيلومترًا. ويمر عبر المضيق يوميًا بين 7 و10 ملايين برميل نفط، كما تعبره 12% إلى 15% من التجارة العالمية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة والأسواق الآسيوية. ويؤمّن هذا الطريق 25% من احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال، فيما تعبره 21 ألف سفينة سنويًا، أي 57 سفينة يوميًا، تحمل شحنات بقيمة 700 مليار دولار سنويًا.

ويحذر خبراء من أن تعطيل باب المندب، ولا سيما عند تزامنه مع إغلاق مضيق هرمز، قد يتسبب في أزمة نقل عالمية، إذ قد ترتفع مدة الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا من 31 يومًا إلى 41 يومًا، وسيجعل التكلفة التي تدفعها سفينة حاويات متوسطة الحجم تقفز من مليون دولار إلى 1.7 مليون دولار، من دون احتساب أجور الطواقم والوقود وأقساط التأمين.

ورغم أن الحوثيين لا يسيطرون على ضفتي المضيق، فإنهم أثبتوا قدرتهم على جعله غير آمن للملاحة التجارية، بما يؤدي عمليًا إلى نتائج قريبة من الإغلاق. فقد نفذوا أكثر من 100 هجوم على السفن خلال الحرب الإسرائييلية على غزة، ما أجبر شركات شحن كبرى على تغيير مساراتها، وأدى إلى تراجع تدفقات النفط عبر المضيق من 9 مليون برميل يوميًا عام 2023 إلى 4 مليون برميل يوميًا عام 2024.

وانعكس هذا التراجع مباشرة على قناة السويس، إذ هبطت إيراداتها من 10.2 مليار دولار عام 2023 إلى 4 مليار دولار عام 2024، كما انخفض عدد السفن العابرة من أكثر من 26 ألف سفينة إلى 13 ألفًا. وأدى ذلك إلى حرمان مصر من أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، وزيادة الضغط على الموازنة العامة وسعر صرف الجنيه.

وتزداد الخطورة إذا تزامن إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب. فبعد تعطل الملاحة في هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، استخدمت السعودية خط أنابيب “شرق-غرب” لنقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، ومنه إلى الأسواق الدولية، ولا سيما الأسواق الآسيوية.

وتصل الطاقة الاستيعابية لخط “شرق-غرب” إلى 7 ملايين برميل يوميًا، فيما بلغت الكميات المنقولة خلال ذروة الأزمة 4.7 ملايين برميل يوميًا، ذهب نصفها إلى الصين. إلا أن النفط المتجه من ينبع إلى آسيا يحتاج إلى عبور باب المندب، في حين يمكن للنفط المتجه إلى أوروبا أن يسلك الطريق شمالًا عبر قناة السويس. ولذلك فإن إغلاق باب المندب يهدد أحد أهم البدائل التي اعتمدت عليها السعودية لتجاوز تعطل مضيق هرمز.

ومن المتوقع أن تكون الصين في مقدمة المتضررين من إغلاق المضيق، لاعتمادها الكبير على النفط الخليجي، وخصوصًا النفط السعودي، إضافة إلى اعتماد تجارتها مع أوروبا على طريق البحر الأحمر وقناة السويس. كما ستتضرر السعودية بسبب تعطل المسار البديل لصادراتها النفطية، فيما ستواجه مصر خسائر إضافية في إيرادات قناة السويس.

سفينة خفر سواحل أمريكية ووراءها سفينة شحن في مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا
سفينة خفر سواحل أمريكية ووراءها سفينة شحن في مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا

 

وتأتي هذه المخاطر في وقت كانت فيه شركات شحن عالمية، من بينها “ميرسك” و”هاباغ لويد”، تدرس العودة التدريجية إلى البحر الأحمر وقناة السويس، إلا أن استمرار التصعيد قد يدفعها إلى تأجيل هذه الخطوة ومواصلة استخدام المسارات الأطول.

وأدى تحويل السفن من باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح إلى زيادة الطلب العالمي على السفن 3%، وعلى سفن الحاويات 12% حتى منتصف عام 2024، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وزاد ذلك الضغط على الطاقة الاستيعابية لأساطيل الشحن والموانئ العالمية، ورفع أسعار النقل البحري.

ولا يقتصر تأثير إغلاق المضيق على النفط والغاز، بل يمتد إلى مختلف سلاسل الإمداد، إذ يؤدي تغيير مسار السفن إلى تأخير وصول البضائع من آسيا إلى أوروبا بين 15 و20 يومًا إضافيًا، ويزيد تكاليف النقل، ويضغط على اقتصادات الدول المجاورة والأسواق المستوردة.

وحتى من دون إغلاق فعلي، قد يكون التهديد وحده كافيًا لإرباك التجارة العالمية، لأن ارتفاع أقساط التأمين وإعادة تقييم المخاطر يدفعان شركات الملاحة إلى تجنب المضيق واختيار طرق أطول وأكثر كلفة. وينعكس ذلك على أسعار السلع الأساسية، وتكاليف الإنتاج، ومواعيد التسليم، واستقرار الإمدادات.

وسيؤدي اجتماع التهديدين في هرمز وباب المندب إلى توسيع دائرة الأزمة واستدعاء ترتيبات بحرية دولية أكبر، بعدما أصبحت مصالح مصر والسعودية وأوروبا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مرتبطة مباشرة بأمن هذين الممرين البحريين. ولذلك لا يُعد باب المندب مجرد نقطة جغرافية، بل شريانًا أساسيًا للطاقة والتجارة العالمية، وأي تعطيل له قد يتحول سريعًا إلى صدمة اقتصادية واسعة تتجاوز أسواق النفط لتشمل النقل والإمداد والتجارة الدولية.

366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content