
حقّق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا فوزًا جديدًا في الانتخابات الرئاسيّة، بعدما هزم مرشّح اليمين فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، في الجولة الثانية التي جرت الأحد 25 أكتوبر. وحصل لولا، البالغ من العمر 80 عامًا، على 51.79% من الأصوات، مقابل 48.21% لبولسونارو، بفارق 4.43 مليون صوت، ليصبح أوّل رئيس في تاريخ البرازيل يُنتخب لأربع ولايات. وجاء فوزه مفاجئًا بعد تقدّم منافسه في الجولة الأولى مطلع أكتوبر، خلافًا لتوقّعات المستثمرين الذين راهنوا على عودة اليمين إلى الحكم.
ولم يعترف فلافيو بولسونارو بالهزيمة، بل طالب بإلغاء نتائج الانتخابات، ما أثار مخاوف من تجدّد الأزمة السياسيّة التي شهدتها البرازيل بعد خسارة والده، الذي يقضي حاليًّا عقوبة السجن تحت الإقامة الجبريّة في منزله، انتخابات عام 2022. ويواجه لولا الآن مهمّة حكم بلد منقسم سياسيًّا، صوّت فيه قرابة نصف الناخبين لمنافسه، بينما يسيطر المحافظون واليمين على الكونغرس، ما قد يعرقل خططه لتوسيع برامج الرعاية الاجتماعيّة، ومكافحة غلاء المعيشة، وتحسين الأوضاع الاقتصاديّة.
صدمة في بورصة ساو باولو، والعملة البرازيلية تهوي
وكان ردّ فعل الأسواق الماليّة عنيفًا. فقد هبط مؤشر «إيبوفيسبا» (Ibovespa)، الذي يضمّ أبرز الشركات المتداولة في بورصة ساو باولو، بنسبة 16.5% مع افتتاح التداول الاثنين، بعد تأخير الافتتاح لأكثر من 20 دقيقة بسبب التقلّبات الحادّة. وتراجعت العملة البرازيليّة بأكثر من 8% أمام الدولار، الذي ارتفع سعره بنسبة 8.64% إلى 5.42 ريال. وبحسب صحيفة «إل باييس»، سجّل الريال أكبر انخفاض له منذ عام 1999.
وامتدّت الخسائر إلى أسهم الشركات البرازيليّة المتداولة في البورصات الأمريكيّة، حيث انخفض سهم شركة النفط «بتروبراس» بأكثر من 20% في التداولات المبكّرة، وتراجع سهم مجموعة «إيتاو أوني بانكو» المصرفيّة بما يقارب 30%. كما هبط صندوق الاستثمار «iShares MSCI Brazil ETF» التابع لشركة بلاك روك بنسبة 23%. ويستثمر هذا الصندوق في أسهم الشركات البرازيليّة الكبرى ومتوسطة الحجم، ما يجعله من الأدوات التي يستخدمها المستثمرون الأجانب للاستثمار في السوق البرازيليّة.
وجاءت هذه الخسائر بعدما كانت الأسواق تستعدّ لفوز بولسونارو. فعقب فوزه في الجولة الأولى، ارتفع مؤشر البورصة البرازيليّة بما يقارب 7%، وتعزّز الريال بنسبة 5% أمام الدولار، وسط توقّعات بأن يتّبع مرشّح اليمين سياسة تقوم على خفض الإنفاق الحكوميّ، وتقليص القيود المفروضة على الشركات، والسيطرة على الديون، بما يتيح خفض أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض.
لكن لولا كعادته تمكّن من تحقيق “ريمونتادا”، ما أثار مخاوف المستثمرين من احتمال زيادة الإنفاق الحكوميّ لتمويل برامجه الاجتماعيّة، في وقت وصلت فيه ديون البرازيل الحكوميّة إلى 82% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ، وبلغ العائد على السندات الحكوميّة لأجل عشر سنوات 6.5%. ويطالب المستثمرون حكومة لولا بوضع خطّة واضحة لضبط الإنفاق وتحقيق فائض في الميزانيّة قبل احتساب فوائد الديون، بحيث تتمكّن الدولة من وقف ارتفاع مديونيّتها. وفي ظلّ اضطراب الأسواق، ألغت وزارة الماليّة مزادات بيع السندات الحكوميّة التي كانت مقرّرة بين 27 و29 أكتوبر، لتجنّب الاقتراض في ظروف قد تفرض على الحكومة دفع فوائد أعلى.
ومع استمرار انخفاض الريال، تتّجه الأنظار إلى البنك المركزيّ البرازيليّ وإمكانيّة تدخّله لوقف تدهور العملة. وقال أليخاندرو كوادرادو، المسؤول عن استراتيجيّات العملات في أمريكا اللاتينيّة لدى بنك BBVA، إنّ البنك المركزيّ قد يبدأ بتوفير السيولة في سوق العملات إذا تجاوز سعر الدولار 5.40 ريال، وقد يلجأ إلى إجراءات أوسع إذا تجاوز 5.60 ريال. وتشمل الأدوات المتاحة عمليّات مبادلة العملات الأجنبيّة، بهدف الحدّ من ارتفاع الدولار إلى 6 ريالات أو أكثر، كما حدث في عام 2024. لكنّ كوادرادو شدّد على أنّ معالجة الأزمة تتطلّب بالدرجة الأولى قرارات حكوميّة بشأن الإنفاق والديون، مؤكّدًا أنّ المستثمرين لن يمنحوا لولا فترة سماح بعد فوزه.

ضربة لليمين وترامب.. وإسرائيل
لا تقتصر أهميّة الانتخابات على الاقتصاد البرازيليّ، إذ يمثّل فوز لولا انتكاسة سياسيّة للرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، الذي كان يفضّل وصول بولسونارو إلى الحكم. فقد شهدت أمريكا اللاتينيّة خلال السنة ونصف السنة الماضية انتصارات انتخابيّة لمرشّحين يمينيّين في كولومبيا وتشيلي وهندوراس وبوليفيا وبيرو والإكوادور وكوستاريكا. وكان فوز بولسونارو سيضيف البرازيل، أكبر دولة في أمريكا اللاتينية من حيث عدد السكّان وحجم الاقتصاد، إلى مجموعة الحكومات المتقاربة مع واشنطن، ويعزّز التعاون بينها وبين حكومة الرئيس الأرجنتينيّ خافيير ميلي. ويرى ترامب في هذه الحكومات شركاء في مواجهة النفوذ الصينيّ، و”مكافحة تهريب المخدّرات والجريمة المنظّمة”.
في المقابل، شهدت علاقات لولا مع ترامب خلافات متكرّرة بشأن الرسوم الجمركيّة والعقوبات الاقتصاديّة والسيادة البرازيليّة، إذ رفض لولا الضغوط الأمريكيّة واعتبرها تدخّلًا في شؤون بلاده الداخليّة. ومع فوزه بولاية جديدة، ستواصل البرازيل حكمها بقيادة رئيس يساريّ يرفض الانضمام إلى التحالف السياسيّ الذي يسعى ترامب إلى توسيعه في أمريكا اللاتينيّة.

ويمثّل فوز لولا أيضًا خيبة أمل للحكومة الإسرائيليّة، التي كانت تفضّل انتصار بولسونارو، في ظلّ التوتّر الشديد الذي طبع علاقاتها مع الرئيس البرازيليّ بسبب مواقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة. فقد كان لولا من أبرز رؤساء الدول الذين أدانوا الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيّين، متهمًا إسرائيل بارتكاب إبادة جماعيّة في القطاع، كما دعمت حكومته الدعوى التي قدّمتها جنوب أفريقيا ضدّ إسرائيل أمام محكمة العدل الدوليّة بشأن الإبادة الجماعيّة. وبلغ الخلاف ذروته في فبراير 2024، عندما شبّه ما يتعرّض له الفلسطينيّون في غزّة بإبادة اليهود على أيدي النازيّين، الأمر الذي أثار غضب حكومة بنيامين نتنياهو، الذي اتّهمه بالتقليل من شأن المحرقة النازيّة. وأعلن وزير الخارجيّة الإسرائيليّ آنذاك، يسرائيل كاتس، أنّ لولا شخص غير مرغوب فيه في إسرائيل ما لم يعتذر عن تصريحاته.
لولا: من السجن إلى الرئاسة
وتأتي عودة لولا إلى الرئاسة للمرّة الرابعة بعد مسيرة سياسيّة استثنائيّة بدأت في صفوف الطبقة العاملة. فقد وُلد عام 1945 لعائلة فقيرة، وعمل في المصانع قبل أن يصبح من أبرز قادة نقابات عمّال المعادن خلال الحكم العسكريّ، ويشارك في تأسيس حزب العمّال عام 1980. وبعد ثلاث محاولات انتخابيّة لم تنجح، فاز بالرئاسة عام 2002، ثم أعيد انتخابه عام 2006، وحكم البلاد حتّى نهاية 2010، وهي فترة شهدت توسّع برامج مكافحة الفقر وتحسّن الظروف المعيشيّة لقطاعات واسعة من السكّان.
لكنّه واجه لاحقًا اتّهامات بالفساد وغسل الأموال، وأُدين وسُجن في أبريل 2018، ما حرمه من خوض الانتخابات الرئاسيّة في ذلك العام. وأمضى 580 يومًا في السجن قبل الإفراج عنه في نوفمبر 2019، ثم ألغت المحكمة العليا عام 2021 الأحكام الصادرة بحقّه بسبب مخالفات قضائيّة، وأقرّت بتحيّز القاضي الذي نظر في إحدى قضاياه. واستعاد حقّه في الترشّح، وفاز على بولسونارو الأب في انتخابات 2022، وعاد إلى الحكم مطلع 2023، قبل أن يحقّق فوزه الرابع في أكتوبر 2026 على ابنه.

بولسونارو: من الرئاسة إلى السجن
أمّا منافسه فلافيو بولسونارو، فهو الابن الأكبر للرئيس اليمينيّ السابق جايير بولسونارو، الذي حكم البرازيل بين عامي 2019 و2022، وأقام تحالفًا سياسيًّا وثيقًا مع ترامب وحكومة نتنياهو. وكان بولسونارو الأب من أشدّ الرؤساء البرازيليّين تأييدًا لإسرائيل، وزارها عام 2019، وأعلن اعتزامه نقل سفارة بلاده إلى القدس، قبل أن يتراجع عن تنفيذ الخطوة ويفتتح مكتبًا تجاريًّا فيها، وسط مخاوف من الإضرار بعلاقات البرازيل الاقتصاديّة مع الدول العربيّة.
وبعد خسارته انتخابات 2022 أمام لولا، رفض أنصاره نتائج التصويت، واقتحم الآلاف منهم في 8 يناير 2023 مباني الكونغرس والمحكمة العليا والقصر الرئاسيّ في برازيليا، وخرّبوا أجزاء منها في محاولة لإطاحة الحكومة المنتخبة. وفي سبتمبر 2025، أدانت المحكمة العليا جايير بولسونارو بقيادة مؤامرة انقلابيّة للبقاء في السلطة، وحكمت عليه بالسجن 27 عامًا وثلاثة أشهر. وبدأ تنفيذ عقوبته في نوفمبر 2025، وأمضى أربعة أشهر في السجن قبل أن تسمح المحكمة بنقله إلى الإقامة الجبريّة في منزله في مارس 2026 لأسباب صحيّة، بعد إصابته بالتهاب رئويّ حادّ. وفي يوليو، مدّدت المحكمة قرار الإقامة الجبريّة لأجل غير محدّد، مع إلزامه بارتداء سوار إلكترونيّ لمراقبة تحرّكاته وفرض قيود على الزيارات، دون إلغاء عقوبة السجن الصادرة بحقّه.
وقدّم ابنه فلافيو نفسه في انتخابات 2026 وريثًا سياسيًّا لوالده، رغم أنّه واجه بدوره اتّهامات بالفساد وغسل الأموال في قضيّة تتعلّق بالاستيلاء على أجزاء من رواتب موظّفين في مكتبه عندما كان نائبًا في برلمان ولاية ريو دي جانيرو. وكانت النيابة العامّة قد اتّهمته بالضلوع في تحويل أموال عامّة، لكنّ القضاء رفض الأدلّة التي استندت إليها الاتّهامات، وأُغلقت القضيّة عام 2022 دون إدانته. وحافظ فلافيو على التوجّه اليمينيّ المحافظ للعائلة وعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل واليمين الأمريكيّ، قبل أن يخسر الانتخابات أمام لولا ويرفض الاعتراف بنتيجتها، في مشهد أعاد إلى الأذهان الأزمة التي أثارها أنصار والده بعد هزيمة عام 2022.










