ذوبان الثلج يهدي الصين طريقًا إلى أوروبا يجنّبها قناة السويس

الخميس, أغسطس 20, 2026 23:32
/
/
ذوبان الثلج يهدي الصين طريقًا إلى أوروبا يجنّبها قناة السويس

ذوبان الثلج يهدي الصين طريقًا إلى أوروبا يجنّبها قناة السويس

طريق حرير جديد ظهر من تحت الجليد.
أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi
960px 120106 G IA651 272 6668116881
صور توضيحية لكاسحات جليد، المصدر: ويكيميديا

 

أطلقت الصين في أغسطس أول رحلة تجارية منتظمة عبر الطريق البحري القطبي باتجاه أوروبا، متجنبة قناة السويس والبحر الأحمر، في خطوة فتحت مسارًا جديدًا للتجارة بين آسيا وأوروبا. وتأتي هذه الخطوة بعد ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي خلال فصل الصيف، ما سمح للسفن باستخدام طريق بحر الشمال الذي يمر بمحاذاة السواحل الشمالية لروسيا ويختصر زمن الرحلات في بعض المسارات إلى النصف تقريبًا.

وغادرت سفينة الحاويات الصينية “دبي تاور” ميناء نينغبو-تشوشان شرقي الصين متجهة إلى أوروبا عبر الدائرة القطبية الشمالية، ضمن رحلة تديرها شركة الشحن الصينية “سي ليجند”. ويشمل مسار الرحلة ميناء فيليكسستو البريطاني، ثم روتردام الهولندي، وهامبورغ الألماني، وغدينيا البولندي.

وتحمل السفينة شحنات مرتفعة القيمة وحساسة للوقت، بينها خزانات تخزين الطاقة، والبطاريات، ومكونات الطاقة الشمسية، وقطع غيار مركبات الطاقة الجديدة. وجاءت معظم هذه الشحنات من مدن صينية في منطقة دلتا نهر يانغتسي، بينها نينغبو ويوو، لتلبية الطلب في السوق الأوروبية خلال موسم الذروة.

وتعتزم شركة “سي ليجند” تشغيل الرحلات عبر هذا المسار أسبوعيًا حتى بداية أكتوبر، ضمن 8 رحلات مقررة باستخدام 7 إلى 8 سفن قادرة على الإبحار في المناطق الجليدية. وكانت الشركة قد أجرت رحلة تجريبية عبر الطريق نفسه في سبتمبر 2025، عندما وصلت سفينة “جسر إسطنبول” من نينغبو إلى فيليكسستو خلال نحو 20 يومًا، ما شجع على الانتقال إلى تشغيل رحلات موسمية مجدولة.

ويُعرف هذا المسار باسم “طريق الحرير الجليدي” أو “طريق بحر الشمال”، وهو يربط شرق آسيا بشمال أوروبا عبر مضيق بيرينغ والمحيط المتجمد الشمالي، ثم بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا وصولًا إلى المحيط الأطلسي. وتكمن أهميته في تقليص زمن الرحلة بين بعض الموانئ الآسيوية والأوروبية، إذ يمكن أن تستغرق الرحلة بين نينغبو وفيليكسستو قرابة 20 يومًا، مقارنة بنحو 40 يومًا عبر الطرق الجنوبية التقليدية.

ولا يقتصر الأمر على اختصار الوقت، إذ يسمح الطريق بتجنب المرور عبر مضيق ملقا، والمحيط الهندي، وباب المندب، والبحر الأحمر، وقناة السويس. وهذا يمنح شركات الشحن خيارًا إضافيًا في ظل الاضطرابات التي شهدتها بعض الممرات البحرية خلال السنوات الأخيرة، والتي رفعت تكاليف التأمين والوقود وأطالت زمن الرحلات.

وتسعى الصين من خلال هذا المسار إلى تنويع طرق تجارتها مع أوروبا وتقليل اعتمادها على الممرات البحرية التي قد تتأثر بالأزمات السياسية والأمنية. كما يندرج الطريق ضمن مشروع “طريق الحرير القطبي”، الذي يمثل جزءًا من توجه بكين لتوسيع حضورها في طرق التجارة العالمية.

لكن الطريق القطبي لا يزال بعيدًا عن أن يكون بديلًا حقيقيًا لقناة السويس. فالممر لا يعمل طوال العام، بل يعتمد على فترة محددة خلال أشهر الصيف عندما يتراجع الجليد البحري. كما أن السفن التي تستخدمه حاليًا تحتاج في بعض الحالات إلى دعم كاسحات الجليد، ما يرفع تكاليف التشغيل والتأمين ويجعل حركة الملاحة مرتبطة بدرجة كبيرة بالظروف الجوية.

كما تواجه المنطقة نقصًا في البنية التحتية اللازمة للنقل البحري، مثل الموانئ ومحطات الصيانة والإمداد والإنقاذ. ويجعل ذلك أي عطل أو حادث في هذه المنطقة أكثر صعوبة مقارنة بالطرق البحرية التقليدية.

وتختلف طبيعة السفن المستخدمة في الطريق القطبي عن السفن العملاقة التي تمر عبر قناة السويس. فالسفن العاملة في القطب الشمالي تبلغ حمولتها قرابة 4500 حاوية، بينما تصل حمولة أكبر سفن الحاويات التي تعبر قناة السويس إلى نحو 24 ألف حاوية. لذلك لا يستطيع الطريق القطبي حاليًا التعامل مع حجم التجارة العالمية التي تمر عبر القناة.

وتظهر بيانات حركة الشحن أن استخدام الطريق لا يزال محدودًا. فقد ارتفع عدد رحلات سفن الحاويات عبر طريق بحر الشمال من 11 رحلة عام 2024 إلى 15 رحلة عام 2025، كما ارتفعت رحلات سفن البضائع السائبة (مثل النفط والحبوب..) من 15 إلى 23 رحلة. وبلغ إجمالي التجارة المنقولة عبر الطريق خلال العام الماضي نحو 37 مليون طن، كان معظمها مرتبطًا بالنفط والغاز والتجارة بين روسيا والصين.

ويعتمد الطريق البحري الشمالي بشكل كبير على روسيا، التي تسيطر على معظم مساره وتدير عمليات العبور فيه. كما تتولى مؤسسة الطاقة النووية الروسية “روساتوم” إدارة البنية التحتية للطريق منذ عام 2018، فيما قد تحتاج السفن إلى الاستعانة بكاسحات الجليد الروسية عند تغير الظروف المناخية.

ولا يقتصر الاهتمام بالطريق على الصين، إذ تستعد كوريا الجنوبية لإجراء أول رحلة تجريبية لها عبر القطب الشمالي. ومن المتوقع أن تنطلق سفينة الحاويات “بانستار أكرو” من ميناء بوسان في 22 أغسطس باتجاه أوروبا، مرورًا بفيليكسستو في بريطانيا، وروتردام في هولندا، وغدانسك في بولندا قبل العودة.

وتهدف الرحلة الكورية إلى اختبار الجدوى التجارية للمسار، ومن المتوقع أن تستغرق نحو 45 يومًا. ووفق وزارة المحيطات والثروة السمكية الكورية، يمكن للطريق القطبي تقليص المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو 7000 كيلومتر وتوفير قرابة 10 أيام مقارنة بالمسار التقليدي عبر قناة السويس، لكن موعد الرحلة قد يتغير بحسب الأحوال الجوية.

ويحذر خبراء البيئة من أن زيادة استخدام الطريق القطبي قد تؤثر في منطقة حساسة بيئيًا، إذ يمكن أن تؤدي حركة السفن الإضافية إلى زيادة الضغط على النظام البيئي في القطب الشمالي وتسريع ذوبان الجليد. كما أن بناء بنية تحتية واسعة في المنطقة يواجه تحديات كبيرة بسبب طبيعة البيئة الجليدية وصعوبة إقامة منشآت دائمة هناك.

ورغم أن الطريق القطبي لا يمثل حاليًا تهديدًا مباشرًا لقناة السويس، فإنه يشكل تحديًا استراتيجيًا طويل المدى. فقناة السويس تتمتع بميزة العمل طوال العام وامتلاك بنية تحتية وخدمات بحرية متطورة، بينما لا يزال الطريق الشمالي مرتبطًا بفترة ملاحة محدودة وظروف طبيعية صعبة. لكن دخول الصين إلى هذا المسار، واستعداد كوريا الجنوبية لاختباره، يؤكدان أن خريطة التجارة البحرية العالمية بدأت تتغير بفعل عاملين رئيسيين: تغير المناخ الذي فتح إمكانية استخدام طرق جديدة، والتوترات السياسية التي دفعت الدول والشركات إلى البحث عن بدائل للممرات التقليدية. فالقطب الشمالي لم يصبح بعد منافسًا لقناة السويس، لكنه تحول إلى طريق جديد دخل حسابات التجارة العالمية.

مقالات مختارة

Skip to content